إدراك مُشوه: كيف أخطأت أمريكا في قراءة إيران كقوة محورية في غرب آسيا؟

سلطت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران الضوء على خلل عميق في التصور الذهني لواشنطن، التي ما زالت تتعامل مع طهران بوصفها فاعلا هامشيا على أطراف الشرق الأوسط، متجاهلة موقعها الاستراتيجي ودورها المحوري في قلب غرب آسيا. ويعكس هذا الإدراك الأمريكي القاصر ضعفا واضحا في تقييم القدرات الإقليمية لإيران وحدود تأثيرها في معادلات الاستقرار الإقليمي والدولي.
ويستعرض هذا التحليل.. كيف أدى قصور الولايات المتحدة في فهم هذه التوازنات إلى تبني سياسات عسكرية وسياسية خاطئة، انعكست سلبا على الاستقرار الإقليمي والدولي، وسط مخاوف من توسع دائرة الصراع إلى مناطق أخرى مثل العراق وأفغانستان والخليج وغرب آسيا، مع تداعيات ملموسة على التجارة والأمن والسياسة على المستويين الإقليمي والدولي.
الصوامع المصطنعة ودروس التاريخ:
يظهر خط دوراند، الذي قسم القبائل البشتونية بين أفغانستان وباكستان في 1893، كيف يمكن للحدود المصطنعة أن تشوه الواقع الاجتماعي والسياسي لأكثر من قرن؛ حيث أدت معركة خاسرة تعود إلى العصر الفيكتوري، إلى حرب باكستانية أفغانية لا تكاد تهدأ حتى تشتعل من جديد.
وبنفس المنطق، فإن رؤية واشنطن لإيران كدولة نفطية هامشية أدت إلى تجاهل الروابط الإقتصادية والثقافية والسياسية التي تربط طهران بجيرانها وبالقوى الكبرى وفي القلب منها روسيا والصين؛ حيث تقسم مؤسسات مثل وزارة الخارجية الأمريكية المنطقة إلى صوامع مصطنعة (الشرق الأوسط، جنوب آسيا، وسط آسيا)، ما دفع باتجاه سياسات أمريكية قصيرة المدى بدلا من التخطيط الإقليمي المتكامل.
وخلق هذا التقسيم سياسات أمريكية جزئية غير قادرة على استيعاب الديناميكيات الإقليمية المعقدة، في ظل الغموض الذي يحيط بمصطلح “الشرق الأوسط” ذاته واستخداماته التي تتنوع على النحو التالي:
(*) الليفانت: مصطلح قديم ربما يعود إلى العصر الإغريقي الروماني، وكان يشير إلى سكان البحر المتوسط الشرقي (سوريا ولبنان وفلسطين).
(*) الشرق القديم: يشير إلى المنطقة الممتدة من مصر إلى الأناضول وغرب إيران، بحيث تشمل المناطق التي نشأت فيها حضارة العصر الحجري الحديث الذي اكتشف فيه الإنسان الزراعة واستئناس الحيوان.
(*) جنوب غربي آسيا: مصطلح جغرافي يشمل المثلث الأرضي الممتد من أفغانستان في الشرق إلى الأناضول في الغرب واليمن في الجنوب.
(*) الشرق الأدنى: استخدمه البريطانيون في أواخر القرن الماضي للدلالة على الإمبراطورية العثمانية، بامتدادها في البلقان من ألبانيا وشمال اليونان إلى الجزيرة العربية ومصر والسودان وولاية طرابلس. واليوم، تستخدمه الخارجية الأمريكية للدلالة على المنطقة التي تشمل مصر والسودان ودول شبه الجزيرة العربية والمشرق العربي، وإيران وتركيا وقبرص واليونان. وتقسم الخارجية الأمريكية شئون الشرق الأدنى على مكتبين: الأول خاص بتركيا واليونان وإيران، والثاني خاص بالدول العربية؛ وهو تقسيم قائم على التفريق اللغوي والخلفية الحضارية التي تضم المجموعة العربية كلها في مقابل الانتماءات السياسية التي تربط أمريكا بإيران وتركيا (الحلف المركزي)، وتركيا واليونان (حلف الأطلنطي).
عمق إيراني في غرب آسيا:
في ضوء هذه التقسيمات المعقدة، يبدو التعامل الأمريكي مع إيران كدولة شرق أوسطية –فقط- قاصرا، فيما يبرز دور طهران الفاعل كدولة غرب آسيوية أكثر دقة لفهم التوازنات الإقليمية، ويجعل من الحرب ضد إيران مثار تهديد لمساحة تمتد بطول القارة الآسيوية والمحيط الهندي، ويضع العديد من اتفاقيات الشراكة الآسيوية، سواء الاقتصادية أو المتعلقة بالبنى التحتية، في بؤرة الخطر، وأهمها:
(-) اتفاق التعاون الاستراتيجي الصيني-الإيراني: جرى توقيعه في يناير 2016، ويمتد لمدة 25 عاما بقيمة 400 مليار دولار؛ حيث توظف الصين 280 مليار دولار في البنية التحتية للنفط، و120 مليارا في بنى تحتية أُخرى. وفي المقابل، تحصل الصين على تزويد منتظم بالنفط بأسعار زهيدة جدا وبكمية تبلغ مليوني برميل في اليوم طوال مدة الاتفاق.
(-) الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني بقيمة 60 مليار دولار، وهو شبكة بنى تحتية بطول 3000 كيلومتر، ويعد أحد أعمدة مبادرة الحزام والطريق.
(-) اتفاقيات النفط الصينية الإيرانية: تشتري الصين حوالي 80% من النفط الإيراني المصدر، أي نحو 13.4٪ من إجمالي 10.27 مليون برميل يوميا من النفط الذي تستورده بكين عن طريق البحر.
(-) شبكة السكك الحديدية الصينية الإيرانية: تختصر الوقت المستغرق للمسافة بين ميناء شانغهاي الصيني وميناء بندر عباس الإيراني بمقدار 30 يوما مقارنة بالشحن البحري.
(-) شراكات عسكرية صينية إيرانية: تستورد إيران مادة بيركلورات الأمونيوم المستخدمة في الصواريخ الباليستية ذات الوقود الصلب من الصين؛ كما نشرت طهران رادار “واي إل سي-8 بي” الصيني المضاد للتخفي ونظام الدفاع الجوي الصيني بعيد المدى “إتش كيو-9 بي” (HQ-9B).
وفي الأزمة الحالية، وصلت سفينة الأبحاث الصينية “دا يانج يي هاو” إلى بحر العرب في يناير 2026 لمراقبة مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن”؛ كما وصلت سفينة تتبع الفضاء البحرية “لياووانج-1″، ترافقها مدمرة من فئة “تايب 055” وأخرى من فئة “تايب 052 دي”، إلى خليج عمان.
دونالد ترامب وعقلية القرن الـ19:
تتعامل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الملف الإيراني بمنطق القرن التاسع عشر، القائم على من السيطرة على الأراضي والاستيلاء على النفط، والهيمنة العسكرية القسرية على الخصوم.
ولا يتناسب هذا النهج مع تعقيدات القرن الحادي والعشرين، حيث الحروب الاستنزافية طويلة المدى، والتحديات الجيوسياسية متعددة الأبعاد والتي تتطلب استراتيجيات مرنة أكثر من الاعتماد على القوة الساحقة وحدها.
وفي المقابل، فإن قوى أخرى مثل روسيا، والتي ترتبط بعلاقات قوية مع طهران، تتبنى استراتيجيات أكثر مرونة، مثل استراتيجية النفس الطويل التي أعادتها إلى طاولة الشرق الأوسط بصفقات سلاح بلغت 6.5 مليار دولار مع طهران، وارتفاع حجم التجارة الروسية غير النفطية مع الإمارات لتبلغ 11.5 مليار دولار، وحضور روسي لافت في سوريا، حيث تحتفظ موسكو بقواعدها العسكرية هناك، وتواجد واضح في ليبيا، إذ نقلت موسكو معظم أصولها العسكرية من سوريا.
وكل ذلك يتيح لموسكو البقاء كقوة فاعلة في منطقة البحر الأبيض المتوسط ذات الأهمية الاستراتيجية، وتوسيع نفوذها على الجناح الجنوبي لحلف الناتو والشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى التمتع بثقل روسي قوي في غرب آسيا.
ومن شان تجاهل واشنطن لهذه الحقائق أن يجعل من الحرب على إيران جزءا من تحول جيوسياسي أوسع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، يتجاوز الهيمنة الغربية، مع صعود تكتلات مثل بريكس، وإعادة تشكيل حركة التجارة والمالية العالمية، وتوسيع الشراكات العسكرية الدولية بعيدا عن الحديقة الأمريكية.
فشل عقيدة الصدمة والترويع:
تتبنى إدارة ترامب فكرة أن النظام الإيراني هو فرد أو مجموعة أفراد، وتؤمن بأن استراتيجية “قطع الرؤوس” ستؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيرانية؛ كما اعتمدت واشنطن على “عقيدة الصدمة والترويع”، القائمة على توجيه ضربات جوية ساحقة، واستهداف القيادات، وتدمير البنية التحتية وأنظمة القيادة والسيطرة، بهدف تدمير القدرات الإيرانية.
وباستراتيجية مشوهة، ترى إدارة ترامب أن هذا النهج نجح سابقا في العراق عام 2003، وأنها يمكنها تطبيقه في الحرب على إيران؛ في قراءة خاطئة لطبيعة المشهد السياسي الإيراني القائم على فكرة “الصمود طويل الأمد”، واستغلال شبكات الحلفاء الإقليميين والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة للحد من القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة؛ ما دفع الجيش الأمريكي إلى نقل أجزاء من منظومتي “ثاد” (THAAD) و”باتريوت” (Patriot) من كوريا الجنوبية إلى منطقة الشرق الأوسط، مستغنيا بذلك عن منظومات شيدت قبل سنوات لمراقبة عمق يصل إلى نحو 3000 كيلومتر داخل الأراضي الصينية، وطالما نظر إليها باعتبارها أداة استراتيجية أمريكية لاحتواء الصين عبر بوابة سيول.
ونجحت الاستراتيجية الإيرانية –مدعومة بإصرار النظام الإيراني على البقاء- في اجتياز التداعيات اللحظية للاستراتيجيات الأمريكية؛ حيث جرى استبدال سريع للقيادات وأهمها خلافة مجتبي خامنئي لوالده في منصب المرشد الإيراني الأعلى، دلالة على التماسك المؤسسي والولاء الجمعي للنظام، والتمسك بخيار المقاومة.
والمحصلة، أن النظام الإيراني لم يسقط، والحرس الثوري الإيراني لم يستسلم، ومضيق هرمز لم يعد سيرته الأولى؛ فيما تصاعدت الأزمة الاقتصادية العالمية بصورة خارجة عن السيطرة.
الاجتياح البري وكارثة جزيرة
تصر عديد الأجنحة دخل إدارة ترامب على الاجتياح البري لجزيرة خرج على الرغم من أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر سبق أن خططت للاستيلاء عليها عقب تولي آية الله الخميني دفة الحكم في إيران عام 1979، قبل أن تتراجع عن ذلك بسبب تعقيداتها العملياتية.
ووفق تقرير نشره “المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية”، فإن أي اجتياح بري أمريكي لمضيق هرمز سيكون بمثابة سيناريو مشابه لـ”حملة جاليبولي”؛ وهي محاولة فاشلة قامت بها القوات البريطانية والفرنسية في 1915 لاحتلال مضيق الدردنيل وإسطنبول خلال الحرب العالمية الأولى؛ وانتهت بانتصار تركي ساحق وانسحاب فرنسي إنجليزي في يناير 1916؛ لكنها خلفت ثمانية أشهر من المجازر، ونصف مليون ضحية بين الجانبين، وانسحاب كامل للحلفاء دون تحقيق أي هدف سوى الموت الجماعي؛ فيما حافظ سكان الجزيرة الأصليين على أرضهم.
وبحسب التقرير، فإن “شن القوات الأمريكية لعملية مماثلة في مضيق هرمز سيكون مدمرا، وستكون تداعياته أكثر عشر مرات من كارثة جاليبولي؛ حيث تمثل جغرافيا مضيق هرمز عامل دعم للقوات الإيرانية، بساحل إيراني مطل على المضيق بمسافة تتجاوز 150 كيلومترا، أي ثلاثة أضعاف طول شبه جزيرة جاليبولي، وجبال توفر مواقع دفاعية عميقة، واستعدادات عسكرية إيرانية امتدت لأكثر من 40 عاما، وبطاريات صواريخ مضادة للسفن، ومرافق إيرانية لزرع الألغام، وما يزيد عن 20 ألف جندي من البحرية الإيرانية متواجدين بصورة دائمة في منطقة المضيق.
في النهاية، يمكن القول إن الحرب على إيران كشفت عن خلل بنيوي أعمق في الإدراك الأمريكي لطبيعة المجال الجيوسياسي الذي تتحرك فيه إيران، والذي جعل من طهران حلقة وصل مركزية في فضاء غرب آسيا، تتقاطع عندها مسارات الطاقة والتجارة والتحالفات العسكرية.
كما تكشف الحرب أن أدوات القوة التقليدية، مهما بلغت كثافتها، تفقد فعاليتها حين تستخدم خارج سياق فهم عميق للشبكات السياسية والاقتصادية والعقائدية التي تحكم سلوك الدول. فإيران، كنموذج، لا تدار بمنطق الضربة القاضية، بل بمنطق التراكم والصمود وإعادة التكيف، وهو ما يجعل استراتيجيات مثل “قطع الرؤوس” و”الصدمة والترويع” أقرب إلى رهانات قصيرة النظر في صراع لا يعرف أحد متى وكيف ينتهي.