د. عصام قرطام يكتب.. الرعاية الصحية في مصر وكيفية تطويرها

تُعد الرعاية الصحية أحد أهم أعمدة الأمن القومي لأي دولة، فهي لا تقل أهمية عن التعليم أو الاقتصاد أو الأمن الغذائي. فصحة المواطن هي الأساس الحقيقي لبناء دولة قوية قادرة على الإنتاج والمنافسة. وفي مصر، ورغم التحديات الكبيرة التي واجهت القطاع الصحي عبر عقود طويلة، فقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات إصلاحية مهمة تستحق التقدير، مع بقاء الحاجة إلى تطوير شامل ومستدام.
لقد أطلقت الدولة مشروع التأمين الصحي الشامل تحت إشراف وزارة الصحة والسكان، بهدف توفير تغطية صحية متكاملة لكل المواطنين تدريجيًا. ويُعد هذا المشروع نقلة نوعية في تاريخ النظام الصحي المصري، حيث بدأ تطبيقه في محافظة بورسعيد كنموذج أولي، على أن يتم تعميمه على باقي المحافظات تباعًا.
كما كان لمبادرات الرئيس عبد الفتاح السيسي الصحية دور بارز في دعم المنظومة، وعلى رأسها حملة «100 مليون صحة» التي استهدفت القضاء على فيروس سي والكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، وهو ما أشادت به منظمة الصحة العالمية باعتباره نموذجًا ناجحًا في مكافحة الأمراض الوبائية.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات واضحة، أبرزها:
١. نقص الكوادر الطبية نتيجة الهجرة إلى الخارج بحثًا عن دخل أفضل.
٢. ضعف البنية التحتية في بعض المستشفيات الحكومية بالمحافظات النائية.
٣. الضغط الكبير على المستشفيات العامة بسبب الكثافة السكانية.
٤. الحاجة إلى رقمنة الخدمات الصحية لتقليل الفساد وتحسين الكفاءة.
رؤية لتطوير الرعاية الصحية في مصر:
إن تطوير القطاع الصحي يتطلب رؤية متكاملة تقوم على عدة محاور:
أولًا: الاستثمار في العنصر البشري: تحسين أجور الأطباء والتمريض، وتوفير برامج تدريب مستمرة، مع وضع حوافز حقيقية تمنع تسرب الكفاءات إلى الخارج.
ثانيًا: التحول الرقمي الكامل: إنشاء ملف طبي إلكتروني موحد لكل مواطن، وربط المستشفيات والمراكز الصحية بمنظومة رقمية مركزية تسهّل التشخيص والمتابعة.
ثالثًا: تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص: وفق ضوابط واضحة تضمن جودة الخدمة وعدم المغالاة في الأسعار، بما يخفف العبء عن الدولة ويوسّع نطاق التغطية الصحية.
رابعًا: التوسع في الصناعات الدوائية المحلية: دعم الشركات الوطنية لإنتاج الدواء والمستلزمات الطبية، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويوفر العملة الصعبة.
خامسًا: نشر ثقافة الوقاية: التركيز على التوعية الصحية في المدارس والإعلام، لأن الوقاية أقل تكلفة وأكثر فاعلية من العلاج.
في الخلاصة، يمكن القول إن بناء نظام صحي قوي لا يتحقق فقط بإنشاء مستشفيات جديدة، بل بإدارة حديثة، وتمويل مستدام، وعدالة في توزيع الخدمات، وإرادة سياسية جادة. ومصر تملك من الكفاءات الطبية والخبرات العلمية ما يؤهلها لتكون نموذجًا إقليميًا في الرعاية الصحية إذا ما تم استكمال مسيرة الإصلاح برؤية علمية طويلة المدى.
فصحة المواطن ليست بندًا في موازنة، بل هي استثمار في مستقبل الوطن.