القاذفات هي الحل !.. قراءة في خطاب روبيو وسياسة المجاز الأمريكي

عبد السلام فاروق..صحفى ومفكر مصري

قبل أن نشرع في تفكيك خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قبل أن نغوص في دلالات كلماته التي ألقاها في مؤتمر ميونخ للأمن، لا بد أن نقف لحظة عند المشهد الكبير الذي احتضن هذا الخطاب، وعند التحولات الجيوسياسية العنيفة التي تجعل من هذه الكلمات مجرد صدى لزلزال أكبر.

مؤتمر ميونخ للأمن، ذلك الملتقى العريق الذي اعتاد على مدى ستة عقود أن يكون منصة للتنسيق وتبادل الرؤى بين حلفاء الأمس واليوم، ها هو يتحول في دورته الثانية والستين إلى مرآة تعكس أعمق الصدوع في بنية النظام الدولي. إنها لحظة تاريخية فارقة، لحظة يشعر فيها الجميع، من صانع القرار في أروقة البنتاجون إلى المواطن العادي في ضواحي برلين، أن الأرض تهتز تحت الأقدام.

فالولايات المتحدة، الحامي الأكبر، والنموذج الأسمى، والقائد الذي لا يشق له غبار، ها هي اليوم تظهر في ثوب جديد يقلب المفاهيم رأسًا على عقب. إنها أمريكا التي لم تعد تكتفي بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية أو فرض الرسوم الجمركية على حلفائها، بل تجاوزت ذلك إلى التهديد بضم أراضي دول صديقة كجرينلاند، والقيام بعمليات عسكرية مباشرة في فنزويلا باسم العدالة تارة وباسم الأمن القومي تارة أخرى.

تقرير ميونخ الذي أرعب الأوروبيين

تقرير ميونخ للأمن لهذا العام، الذي حمل عنوانًا صادمًا وكاشفًا هو “في طور التدمير”، لم يترك مجالاً للشك في تشخيص الحالة. التقرير لا يتحدث عن تراجع نفوذ أو فقدان هيبة، لكن يتحدث عن سياسة الكرة الهدامة، عن قوة لا تريد إصلاح النظام القائم، إنما تريد تحطيمه وإعادة تشكيله من الصفر. والأكثر إيلامًا للأوروبيين، أن التقرير يصف الرئيس الأمريكي بأنه أبرز رجال الهدم، ويقول بوضوح إن الولايات المتحدة “تخلت إلى حد كبير عن دورها كقائدة للعالم الحر”.

وفي هذا الجو المشحون بالقلق والارتياب، اجتمع قادة أوروبا في ميونخ وهم يحملون في قلوبهم مرارة عام من الصدمات المتتالية. كان الحديث الأوروبي هذه المرة مختلفًا، أكثر جرأة، وأقل دبلوماسية، وأقرب إلى إعلان بلوغ نقطة اللاعودة.

هنا وقف المستشار الألماني ليعلن أن “الشراكة عبر الأطلسي لم تعد أمرًا يمكننا اعتباره مسلمًا به”، وأن هوة عميقة قد نشأت بين أوروبا والولايات المتحدة. وهنا أيضًا خرج الرئيس الفرنسي ليصرح بأن العلاقة عبر الأطلسي “تمر بحالة من اللايقين الكبير”، وأن على أوروبا أن تدافع عن مصالحها وأن “ترفض أي تطلعات إلى أراضيها”. وهنا أيضًا كانت رئيسة وزراء الدنمارك، التي تواجه بلدها تهديدًا مباشرًا بضم جرينلاند، تعلن أن “النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد موجودًا”، وأننا نعيش الآن في زمن من الفوضى حيث البقاء للأصلح!.

 في قلب العاصفة

في هذا السياق، وفي هذه اللحظة الفارقة، وقف ماركو روبيو ليخاطب العالم. لم يكن خطابه مجرد كلمة في مؤتمر، بل كان رسالة أمريكية رسمية في لحظة يتساءل فيها الجميع: ماذا تريد أمريكا حقًا؟ هل ما زالت تريد قيادة العالم، أم أنها تريد هدم العالم؟ هل ما زالت تبحث عن حلفاء، أم أنها تفضل الصفقات السريعة مع الخصوم؟

روبيو كان يعلم أنه يتحدث إلى قاعة مليئة بالقلق والريبة، وأن كلماته ستسمع في عواصم العالم كله. لذلك جاء خطابه محملاً بالمجازات والإشارات، يحاول أن يوفق بين نزعة الرئيس التدميرية وبين ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من التحالفات. إنه خطاب يحاول أن يقول إن النظام القديم انتهى، ولكن الولايات المتحدة ما زالت هي القائدة، وإن المؤسسات الدولية بحاجة إلى إصلاح، ولكن الإصلاح يعني أن تخضع هذه المؤسسات للإرادة الأمريكية.

والحقيقة التي لا يمكن إغفالها، والتي يجب أن تظل نصب أعيننا ونحن نقرأ هذا الخطاب، هي أن السياسة الخارجية لأي دولة لا تصنع في فراغ، ولا تعلن في لحظة عابرة، إنما هي نتاج تراكمات تاريخية وتفاعلات داخلية وحسابات استراتيجية معقدة. لكن الأهم أن هذه السياسة تصاغ في قوالب لغوية، وتقدم في حجج خطابية، وتساق في مقدمات تبدو منطقية بينما هي في العمق تحمل من المغالطات والتناقضات ما يحتاج إلى وقفة متأنية.

ومن هنا تأتي أهمية المقاربة التي نعتمدها في هذه القراءة، وهي مقاربة ترى في السياسة فعلًا لغويًا بالدرجة الأولى، وتحلل الخطاب السياسي بوصفه نسيجًا من المجازات والاستعارات الدلالية التي تصوغ وعي المتلقين وتشكل مخيلتهم السياسية.

مجاز الإصلاح

يبدأ روبيو خطابه بإعلان نبيل الظاهر، عميق الدلالة: “لم يعد بإمكاننا أن نضع ما يسمى بالنظام العالمي فوق المصالح الحيوية لشعوبنا وأممنا”. ثم يستدرك قائلاً: “لسنا بحاجة إلى هدم نظام التعاون الدولي الذي أنشأناه، ولا إلى تفكيك جميع مؤسسات النظام القديم التي بنيناها، لكن يجب إصلاحها وإعادة بنائها”.

في هذه الكلمات القليلة، يقف الباحث أمام أول وأخطر مجاز سياسي في النص، بل يمكن القول إنه المجاز الأم الذي تتفرع منه سائر المجازات الأخرى، ألا وهو مجاز الإصلاح!.

فالإصلاح في المعجم السياسي الغربي يحمل دائمًا دلالة مزدوجة خادعة. فهو من جهة اعتراف ضمني بوجود خلل في هذه المؤسسات، وهذا الاعتراف يبدو في ظاهره موضوعيًا ومقبولاً. لكن المشكلة ليست في هذا الاعتراف، إنما فيما يليه. فالمجاز هنا هو إعلان عن أحقية المصلح في إعادة هيكلة هذه المؤسسات على مقاسه، وتكييفها وفق رؤيته، وتوجيهها حسب مصالحه.

لكن السؤال الذي يسكت عنه روبيو هو: متى كانت هذه المؤسسات تعمل بكفاءة من وجهة نظر واشنطن؟ أليس عندما كانت أداة مطيعة في يد الإدارة الأمريكية خلال حقبة القطبية الأحادية؟ ألم تكن منظومة القواعد مقبولة حين كانت تخدم توسع الناتو شرقًا، أو تشرعن حروبًا بعينها، أو تغض الطرف عن انتهاكات حلفاء واشنطن؟

الولايات المتحدة التي تتحدث اليوم عن إصلاح النظام الدولي هي نفسها الدولة التي شاركت في تأسيس هذا النظام بعد الحرب العالمية الثانية، بل كانت المهندس الأول له، واضعة مصالحها وتصوراتها في صميم مؤسساته. وهي نفسها الدولة التي ظلت لعقود تتحكم في مفاصل هذا النظام، وتستخدم أدواته لخدمة أهدافها، وتعطله عندما لا يتوافق مع مصالحها.

المشكلة ليست في أن الأمم المتحدة لم تقدم حلولاً، كما يقول روبيو، بل في أن الحلول التي كانت تقدمها غالبًا ما كانت تقابل بالفيتو الأميركي كلما تعلق الأمر بحماية إسرائيل أو مصالح نفطية كبرى. إن روبيو يتحدث عن فشل المنظمة الدولية وهو يتناسى أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال العضو الأكثر استخدامًا لحق النقض في مجلس الأمن. فكيف لمؤسسة تشل إرادتها بهذه الطريقة أن تقدم حلولاً ناجزة؟ وكيف لمن يضع العصي في عجلاتها أن يتهمها بعدم السير؟

غزة بين الإبادة والهدنة !

حين يصل روبيو إلى الحديث عن غزة، يصبح المجاز السياسي أكثر خطورة وأكثر إيلامًا لمن يعرف حقيقة ما يجري على الأرض. يقول روبيو حرفيًا: “لم تنه الحرب في غزة؛ كان الدور القيادي الأمريكي هو الذي أفضى إلى إطلاق سراح أسرى والتوصل إلى هدنة هشة”.

هنا، في هذه الجملة القصيرة، يحدث انزياح دلالي كبير، بل يحدث انقلاب كامل في المفاهيم. تستبدل كلمة التواطؤ بكلمة القيادة، ويحول العدوان إلى وساطة، وتختزل الإبادة الجماعية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف في هدنة هشة !

ما يفعله روبيو هنا هو توظيف المجاز لقلب الحقائق وتزييف الوعي. فالولايات المتحدة لم تكن قائدة للسلام، لقد كانت الشريك العسكري والدبلوماسي الأكبر في آلة الحرب التي دمرت غزة، وحولتها إلى ركام، وقتلت فيها من قتلت. كانت تمد إسرائيل بالسلاح والذخيرة والدعم السياسي اللامحدود، وكانت تحميها في مجلس الأمن من أي إدانة.

وفي اللحظة التي بلغ فيها العدوان مداه، وبدأت المقاومة تفرض معادلاتها، تدخلت واشنطن لقيادة المفاوضات وكأنها طرف محايد، وكأنها لم تكن شريكًا أساسيًا في كل ما حدث. إن هذا المجاز بالذات، مجاز القيادة بدل التواطؤ، هو الذي يجعل الشعوب العربية تنظر إلى الخطاب الأميركي بارتياب شديد، لأنه يضرب عرض الحائط بكل مبادئ العدالة والمنطق السليم.

إن ما يسميه روبيو دورًا قياديًا هو في الحقيقة إدارة للأزمة لا حلها، وهو محاولة لالتقاط الأنفاس قبل الجولة التالية من العنف، وليس بحثًا جادًا عن سلام عادل.

القاذفات هي الحل

لا يتوقف روبيو عند غزة، بل يمضي في سرد إنجازات القيادة الأمريكية المزعومة في أوكرانيا، حيث يقول: “تطلب الأمر قيادة أمريكية وشراكة مع دول عديدة لجمع الطرفين إلى طاولة التفاوض”. هنا يظهر مجاز آخر لا يقل خطورة، هو مجاز الشراكة الذي يخفي واقع التبعية، ويقدم التبعية الكاملة وكأنها تعاون ندّي. فالدول الأوروبية لم تكن شركاء حقيقيين في صنع القرار بقدر ما كانت مجندة في استراتيجية أميركية تهدف إلى إضعاف روسيا، حتى لو كان الثمن هو تدمير الاقتصاد الأوكراني وإطالة أمد الحرب.

وفي الملف النووي الإيراني، يصل الخطاب إلى ذروة سفوره، إلى أقصى درجات الصراحة التي لا تحتاج إلى تأويل. يقول روبيو: “لم تستطع كبح البرنامج النووي في طهران؛ إذ استدعى ذلك ضربات دقيقة من قاذفات أميركية”.

هنا يتحول العنف العسكري إلى أداة دبلوماسية مشروعة، بل إلى البديل الوحيد الممكن. وتصبح القاذفات الأميركية هي الحل الذي تقدمه واشنطن للمشاكل الدولية، هي البديل عن القانون الدولي، عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عن معاهدات عدم الانتشار. هذا هو النظام العالمي الجديد الذي يدعو إليه روبيو بوضوح، عندما تفشل الدبلوماسية لأنك قوضت مؤسساتها، تلجأ إلى القصف المباشر، ثم تسمي نفسك قائدًا للمشهد الدولي.

أما فنزويلا، فيصف نظامها بأنه إجرامي، وتتولى قوات خاصة أمريكية تقديم المطلوبين إلى العدالة. المجاز هنا يصل إلى ذروة التناقض: أي عدالة تلك التي تنفذها قوات خاصة في بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم؟ أي عدالة تلك التي تطبقها دولة تتدخل في الشئون الداخلية لدولة أخرى، وتختطف مواطنيها، كل ذلك باسم العدالة؟ أليست هذه هي لغة الغاب التي تحولت إليها السياسة الدولية عندما تخلت عن معايير القانون الواحد للجميع؟

ما وراء الكلمات

روبيو يتحدث في لحظة دولية دقيقة للغاية، في لحظة مفصلية من تاريخ العلاقات الدولية. لحظة يشهد فيها النظام العالمي تحولات كبرى، وتتصاعد فيها أصوات قوى صاعدة تتحدى الهيمنة الغربية، ويتراجع فيها النفوذ الأميركي النسبي.

الخطاب هنا يؤدي وظيفة مزدوجة، وظيفة خارجية يحاول من خلالها ترميم صورة الولايات المتحدة كقائدة ضرورية للنظام الدولي، وكقوة لا غنى عنها في حل المشاكل العالمية. ووظيفة داخلية يطمئن من خلالها الناخب الأميركي بأن بلاده لا تزال على رأس الهرم الدولي، وأنها لا تزال تمسك بزمام الأمور رغم كل المشاكل الداخلية.

لكن المشكلة الجوهرية أن هذا الخطاب يقوم على مغالطة كبرى، هي أن المصالح الحيوية للشعوب والأمم تتعارض بالضرورة مع النظام العالمي. والحقيقة أن النظام العالمي القائم على العدل والمساواة واحترام السيادات هو الضامن الوحيد لمصالح الشعوب الصغيرة والضعيفة، وهو الحامي الوحيد لها من جشع الأقوياء.

حين ينهار هذا النظام، تبقى القوة وحدها هي الفيصل، ويصبح منطق الغابة هو السائد. وهنا تتحول الساحة الدولية إلى غابة كبرى، يأكل القوي فيها الضعيف، ويصبح الدم البشري رخيصًا.

 حين يسقط القناع

يقدم لنا خطاب روبيو نموذجًا صارخًا على “المجاز السياسي” الذي يستخدمه صناع القرار في الغرب لتبرير أفعالهم وتجميل سياساتهم. إنه يريد إقناعنا بأن الولايات المتحدة قائدة بينما هي متواطئة، وأنها تسعى إلى “إصلاح” مؤسسات دولية بينما هي من شل حركتها، وأنها تدافع عن العدالة بينما هي تنفذ أجندتها بالصواريخ. لكن الحقيقة التي حاول هذا المقال بيانها هي أن ما يسميه روبيو نهاية النظام القديم هو في الواقع إعلان صريح عن نهاية الادعاء بوجود قواعد دولية موحدة، ونهاية الوهم بوجود نظام عالمي عادل.

إنها عودة إلى سياسة توازن القوى الخام، إلى سياسة القرن التاسع عشر، حيث يتفاوض الأقوياء بالأسلحة ويتحمل الضعفاء التبعات. هذا ليس عالمًا جديدًا، بل هو الوجه الأكثر قسوة للعالم القديم، ذلك الوجه الذي كان يختبئ وراء أقنعة دبلوماسية طوال العقود الماضية، وأزاحها روبيو اليوم بيديه.

وتبقى العبرة أن الشعوب العربية والإسلامية، التي ذاقت ويلات هذه السياسة على مدى عقود، أصبحت تملك من الوعي ما يمكنها من قراءة ما بين السطور، وكشف المجازات الكاذبة، والتمييز بين من يبحث عن سلام عادل ومن يدير صراعاته على حساب أرواح الأبرياء. فالكلمة في السياسة هي مقدمة لفعل، وتبرير لسياسة، وأحيانًا تكون غطاء لصمت العالم أمام جريمة كبرى. وهذا ما يجب أن نظل نذكره كلما قرأنا خطابًا من هذا النوع. فالحق يظل حقًا، والباطل يظل باطلاً، والمجاز يظل مجازًا، والحقيقة تظل حقيقة، مهما تعددت الأقنعة وتنوعت الأساليب.

Abdelsalamfarouk@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى