عبدالسلام فاروق يكتب.. الوعد الكاذب !

خدعونا.. نعم خدعنا الغرب طوال القرون الماضية بزعم رنان أفلس أخيرًا، زعموا أن مجتمعاتهم تقف على هرم متين من القيم الراسخة، فإذا بالهرم مقلوبًا، وقاعدته في الهواء، وقمته في الوحل.

في القاعدة، كما زعموا، تقبع الغرائز البشرية المشتركة التي تجري في دماء كل إنسان، لا تمحى ولا تلغى، ثم في الوسط تقف المؤسسات الرصينة قضاء وإعلامًا وتعليمًا وكنيسة، تنظم تلك الغرائز وتوجهها نحو الصالح العام، وفي القمة تنتصب النخبة، يفترض فيها النزاهة، تحرس تلك المؤسسات وتقدم نموذجًا يحتذى للسلوك الأخلاقي الرفيع.

كان هذا هو الاتفاق الضمني، والإيمان الاجتماعي الذي يمنح النظام شرعيته وديمومته، ثم تأتي لحظة مفصلية كهذه، لحظة تفجر “ملفات إبستين”، لتكشف لنا بلا رحمة ولا مواربة، أن هذا الهرم قد انقلب رأسًا على عقب.

فها هي النخبة، في قاعاتها المخملية الفارهة، وعلى جزرها المسورة المحصنة، تتعامل مع أخطر القيم الإنسانية ، كرامة الفرد، سلامة الطفل البريء، وكأنها عملة تبادل في ناد خاص سري، لقد تحولت الفضيلة العلنية، برداء البهاء والوقار، إلى نقيضها الكامل في الظلال الداكنة.

هذه ليست مجرد قضية رجل منحرف واحد معزول، هي انهيار منهجي للحياء المؤسسي، وتصدع في جدار الأخلاق العامة، ثلاثة ملايين وثيقة لا تكذب، ومئة وثمانون ألف صحفة ضوئية، وألفا مقطع فيديو حي، إنها ليست مجرد أدلة جامدة على جريمة بشعة، هي سجل أنثروبولوجي مروع، يوثق كيفية عمل السلطة الحقيقية في عصرنا الراهن.

إنها خريطة تفصيلية لشبكة علاقات معقدة، تذوب فيها الحدود الفاصلة بين قاعات الحكم الرسمية في واشنطن، ودهاليز التكنولوجيا السرية في سيليكون فالي، وقصور العائلات المالكة العتيقة في أوروبا، وغرف المراجل المالية المحمومة في وول ستريت، وغرف الفنادق الفاخرة المظلمة حيث يتم المتاجرة بالأجساد الصغيرة الناعمة.

القانون الذي وقعه الرئيس ترامب، بقصد أو بغير قصد، أشعل كشافًا قويًا أضاء أركان هذا العالم الموازي الخفي، ولكن يبقى السؤال الملح حتى مع هذا الفيض الوثائقي الهائل، يخبرنا المشرعون الديمقراطيون أن نصف الملفات، ما يقارب ٢٫٥ مليون وثيقة، ما زالت محجوبة عن الأعين، إنهم يخافون من الضوء الساطع، لأن ما كشف حتى الآن ليس إلا مقدمة المأساة، وفاتحة فصول الفضيحة.

وفي صميم هذه العاصفة الهائلة، نجد تناقضًا مؤسفًا يختزله صدى صرخة الضحايا، التي تتردد كأنين ضمير جمعي غائب أو معطل، مرة أخرى، تكشف أسماء الناجين ومعلوماتهم التعريفية الحميمة، بينما يظل الرجال الذين أساءوا إلينا مختفين في الخفاء، محميين بجيوش من الحراس والمحامين والعلاقات.

إنها خيانة مزدوجة قاسية، أولًا حين تم انتهاك براءتهم وإنسانيتهم، وثانيًا حين تم تسليط الأضواء الكاشفة على جراحهم الغائرة، بينما يتراجع الجناة إلى مناطق الظل المحصنة بجدران سميكة من النفوذ والعري، إنه العار بكل وضوحه؛ نظام يجرؤ على حماية المعتدي ويفضح الضحية مرة أخرى، وكأن العقاب يلقى على من وقع عليه الأذى.

خذ العائلات المالكة، تلك المؤسسات العريقة التي بنيت أسطورتها على فكرة الحشمة والاستقامة كرمز للدولة والأمة، ها هو الأمير أندرو يظهر مئات المرات في ثنايا هذه الوثائق، منحنياً في صور تزيل كل هالة من الوقار المزعوم، متحمساً في رسائله لعشاء خاص في قصر باكنغهام المهيب، لم يعد الأمر متعلقاً بخطأ فردي عابر، لكن بثقافة الولوج المفضوحة، لقد فتح باب القصر العريض، حرفيًا، لرجل يعرف الجميع سمعته المشينة، من أجل ضمان الخصوصية المطلقة.

وفي النرويج البعيدة، نكتشف أن ولية العهد كانت “تتلقح”! مع إبستين في مزاح شخصي يستخف بقدسية العلاقات الزوجية ويستهين بحدود اللياقة، إنه انهيار مدوي للفصل المتوهم بين المجال العام الرسمي المهذب، والمجال الخاص الفاسد المختفي، لقد اخترقت ثقافة الجزيرة السرية الآثمة حصون التاج المتينة، ولم تبدِ تلك الحصون راغبة في الدفاع عن نفسها بشدة أو غيرة.

ثم انظر إلى كهنة عصرنا الجدد؛ عمالقة التكنولوجيا الذين يبيعون لنا وعدًا زائفًا بمستقبل منظم ونظيف وعقلاني، إيلون ماسك يتناقش حول أضخم حفلة على الجزيرة الشهيرة، بيل جيتس يظهر في مسودات رسائل مليئة بمزاعم مرضية عن أدوية و”فتيات روسيات”، ريتشارد برانسون يدعو إبستين إلى جزيرته الخاصة مع “حريمه”!.

هؤلاء الرجال، الذين يُنظر إليهم كمهندسي مستقبلنا الجماعي، كانوا يتناقلون الرسائل الخاصة مع رجل كانت شبكته الآثمة تقوم على استغلال القاصرات وانتهاك الطفولة، إنه انفصام مذهل بين الخطاب العلني اللامع عن تحسين العالم وخدمة البشرية، والفضاء الخاص المظلم حيث تختزل العلاقات الإنسانية إلى سلعة رخيصة واستغلال مقيت، إنه يشير إلى أزمة أعمق في تكويننا الحضاري، قد نكون بارعين في بناء الصواريخ العملاقة والمنصات الرقمية المعقدة، ولكننا فقراء أخلاقيًا وضعفاء روحيًا في بناء علاقات إنسانية محترمة وسوية.

وفي قلب السلطة الأمريكية النابض، حيث يفترض أن تتنافس الأيديولوجيات وتتصارع الرؤى، نجد تواطؤًا غير أيديولوجي مذهلاً يجمع الأضداد، بيل كلينتون يسافر على الطائرة الخاصة، ودونالد ترامب يظهر آلاف المرات في المراسلات السرية، وستيف بانون يتآمر على فيلم وثائقي لتجميل صورة إبستين المشوهة، الجميع حاضر، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، في هذه الرقصة الموبوءة حول جاذبية المال اللامحدود والنفوذ المطلق، إنها سياسة بلا مبادئ، لقاءات سرية حيث تعلو المصالح الشخصية الضيقة والشبكات المصلحية على أي اعتبار حزبي أو أخلاقي.

لكن القضية الأعمق، كما أفهمها وأراها، تتجاوز بكثير جمع قائمة أسماء مثيرة، إنها تتعلق بـ “تطبيع الانحراف” على مستوى النخب، كيف يمكن لرجل مثل إبستين، بعد إدانته القضائية في عام ٢٠٠٨، أن يستمر ليس في الوجود فحسب، إنما في الازدهار والنمو داخل هذه الدوائر المغلقة؟!

الإجابة تكمن في ثقافة النخبة المنفصلة عن العالم، لقد عاملت هذه الدوائر المغلقة نفسها على أنها محصنة من المحاسبة العامة، وجزر بشرية لا تمس، الصفقة القضائية المخففة عام ٢٠٠٨ لم تكن فشلاً قانونيًا، كانت إشارة واضحة صارخة بأن هناك قانون صارم للعامة، وقانون آخر مرن ومتساهل لمن هم في الأعلى، الرسائل الممتنة من دوقة يورك السابقة، الدعوات المتبادلة الودية، طلبات النصيحة الثمينة، كلها تشكل لغة هذا النادي السري الخاص، لغة تقول دون حروف: أنت واحد منا، وخطاياك هي شأننا الداخلي ولا تعنى بها الخارج!.

(إبستين) لم يكن عبقريًا شريرًا منعزلاً أو شاذًا عن سياقه، إبستين، في رأيي ، كان نتاجًا طبيعيًا لنظام يقدس الاتصال النفعي ويحتقر الضعفاء والبسطاء، لقد قدم لرموز النخبة المتعطشة ما تشتهيه بشدة إمكانية الوصول إلى عالم من الملذات المحرمة دون عواقب تذكر، وشبكة من العلاقات المتبادلة والمصالح، ووهم السيطرة المطلقة على القوانين والمصائر.

وهم، في المقابل، منحوه الشيء الذي كان يصبو إليه أكثر من المال نفسه، الشرعية الاجتماعية والاعتراف بالنخبوية، لقد غسلوا سمعته الموحلة بحضورهم البهي، وبهذه الشرعية المستعارة استمر في جريمته المنظمة وتوسع في شبكته الآثمة.

الآن، ونحن ننظر إلى هذا الجبل الشاهق من الوثائق المكدسة، ونتذكر جيدًا حادثة “اختفاء” ١٦ ملفًا بشكل غامض من موقع وزارة العدل، بما فيها صورة لترامب مع إبستين، نتساءل بقلق: ما الذي نخشى اكتشافه حقًا؟ هل نخشى أسماء أخرى كبيرة ستدوي؟ أم أننا نخشى في الأعماق مواجهة الحقيقة الكاملة المرة، أن هذا ليس شذوذًا عابرًا، أنه نمط سائد ومنهج عميق في ثقافة النخب؟

قال كارل بوبر ذات مرة أن الخطر الأعظم على الحضارة ليس الكذب المكشوف، لكن الخطر يأتي من اللامبالاة المتجذرة تجاه الحقيقة، هذه الملفات الكاشفة هي اختبار حقيقي لمدى لامبالاتنا الجماعية، هل سنتقبل هذا الكشف البطيء المتحكم به، أم أننا سنطالب بحقيقة كاملة عارية؟ هل سنسمح لهذه العاصفة المدوية أن تمر كمجرد فضائح إخبارية متتالية تثير الفضول ثم تبرد، أم أننا سنرى فيها لحظة محاسبة ثقافية تاريخية لمنظومة أخلاقية منهارة يجب إعادة بنائها؟

الضحايا الأبرياء، بألمهم الصادق ووضوحهم الأخلاقي الساطع، قد وضعوا الأمر في نصابه الحقيقي، هذه خيانة كبرى، التاريخ يدوّن الآن فصول هذه الخيانة العظمى بمداد لا يمحى، ولكنه لن يسجلها باسم “جيفري إبستين” وحده، سيسجلها باسم كل من دخل طائرته الفاخرة، وكل من ضحك على نكاته في القصور الفارهة، وكل من طلب منه خدمة، وكل من استغل صمته المريب، وكل من اعتقد في قرارة نفسه أن القوانين للآخرين وحدهم.

إنها قصة العار الكبير، عار منظومة كاملة نسيت أن السلطة الحقيقية مصدرها الأخلاق، وعندما تفقد النخبة أخلاقها، تفقد شرعيتها شيئًا فشيئًا، وتبدأ في حفر قبرها العميق بنفسها، بإرادتها العمياء.

abdelsalamfarouk@yahoo.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى