على محمد الشرفاء يكتب.. الزكاة إصلاح للنفس وتطهير للمال

لم يكن تشريع الله سبحانه وتعالى خاصية لأحد سواه رب العالمين، فالتشريع هو خصيصة إلهية، إذ لا يجوز لأحد أن يشرّع من تلقاء نفسه حتى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يتكلم بما ينزل الله عليه من آيات كريمة، وهنا تبرز خصوصية النبي، فلمعلى محمد الشرفاء يكتب.. الزكاة إصلاح للنفس وتطهير للمال يكن النبي عليه الصلاة والسلام ينطق عن هواه أبداً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم: 3–4).
فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان إلا مبلغاً عن ربه ما أراده الله تعالى تشريعاً لعباده، كما قال تعالى: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (العنكبوت: 18)، وقال أيضاً: ﴿فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (المائدة: 92)، وقال سبحانه: ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك﴾ (المائدة: 67)، وقال عز وجل: ﴿وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ (الأنعام: 19)، وقال تعالى: ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ (آل عمران: 20)، وقال سبحانه: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ﴾ (الشورى: 48).
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان خير من أرسله الله للناس كافة لمهمة توصيل الخطاب الإلهي.
من هنا لم تكن الزكاة تشريعاً من الرسول صلى الله عليه وسلم بل أمراً بالتشريع من الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم﴾ (التوبة: 103)، وقال أيضاً: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ (المعارج: 25).
وهنا لا ينحصر هدف الزكاة في صلاح المجتمعات وإعمارها فحسب، بل يتجاوز هدف الزكاة لما هو أبعد من ذلك، حين يكون هدفها ضمن ما حوته من أهداف عليا هو تربية النفس وإعلاء وتيرة السمو الإنساني والروحي لدى المسلم، حين تكون آثار الزكاة وقائية علاجية للجوانب الروحية لما قد ينتاب الإنسان من الانزلاق في درك المادية القاتلة والأنانية وحب الذات، فقد يرتد إلى أسفل سافلين فينسى دوره ويضيع أمانته، ويكون أول عوامل الانحطاط هو الغلو في حب المال، ذلك الحب الفطري المعقول الذي يعتبر من نعم الله على الإنسان حتى تعمر الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ (العاديات: 8).
لكن الغلو يدفع الإنسان إلى الاكتساب وعدم الإنفاق على المحرومين، وبهذا يتحول من إنسان سوي متزن منسجم مع فطرة الاعتدال، إلى إنسان مادي لا يستشعر آلام المحرومين والفقراء.
فإذا ما حل المال محل العطاء والإنفاق يكون المرء قد ارتهن نفسه للتعاسة والشقاء بعدما أظلم قلبه وغادرته الرحمة والعطف على الآخرين، وهو حال من جمع المال واعتبره هدفاً بحد ذاته، وحينما يصل الإنسان لهذه الدرجة يكون على موعد مع استحقاق الله له بقوله تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالاً وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة * إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة﴾ (الهمزة: 1–9).
وتأتي فريضة الزكاة هنا كمخلص للإنسان من جموحه صوب حب المال وطلب الاستحواذ عليه بكل السبل والوسائل سواء أكانت في الحلال أم في الحرام، تأتي هنا الزكاة تزكية للنفوس وتطهيراً لها كما في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ (التوبة: 103).
حين تكون الزكاة كما الجسر الذي يعبر بالمسلم من دنس عبودية المال وكنزه، إلى العطاء والبذل ومن ثم تطهير النفس كي لا يكون المال هو كل همه وفي لب فؤاده، تأتي الزكاة لتجعل المال مكانه في غير القلب والأعماق، فيسهل على المرء بذله في سخاء وكرم كي لا يصاب المسلم بأخطر داء قد حذرنا الله سبحانه وتعالى منه، إنه داء الشح، وهو أشد داء وأكثر ما يصيب هؤلاء الأغنياء أولئك الذين حذرهم الله من خطورة داء الشح بقوله تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (التغابن: 16).
والشح يجلب على المسلم سخط الله وغضبه، فضلاً عن عدواة الناس ممن ينظرون إلى ما حازه من نعم لم يؤد حقه الذي فرضه الله عليه، تأتي الزكاة والصدقات هنا علاجاً جذرياً لأنها تعوده دوام البذل حتى ولو كان مكرهاً خوفاً من عذاب الله، فلا يزال العبد يجاهد نفسه حتى ينسل له قيادها، ويلين له زمامها، فلا يمسك في مواطن البذل، ولا يحجم في مواضع الإقدام.
وإذا عالجت الزكاة داء الشح في نفس الغني المنفق، فهي أيضاً تعالج داء الحقد والحسد في نفس الفقير الآخذ من هذه الأموال، هذا الداء الذي يجعل صاحبه ينظر إلى كل غني نظرة ملؤها الغيظ، نظرة حسد أن أعطاه الله وحرمه، نظرة الاعتراض لماذا لم ينل له بعض الحق لعله يقيم صلبه ويرفع توبه ويطعم ولده، ولو استشرى هذا المرض – الحقد والحسد – في المجتمع أفضى إلى تدميره.
تتضح أهمية الزكاة بأن الله عز وجل قرنها مع الصلاة في مواقع كثيرة في الكتاب العظيم للدلالة على عظم منزلتها، مما يؤكد أن إقامة الصلاة تطهير للقلب، والزكاة هي تطهير للمال بواسطة الصدقة، وهي أيضاً تؤدي نفس النتيجة للذين ينفقونها في سبيل الله، تأكيداً لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ (البقرة: 43)، و﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ (البقرة: 110)، و﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (المائدة: 55)، و﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ (التوبة: 11)، و﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ (الحج: 41)، و﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ (النور: 37)، و﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (النور: 56)، و﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ (النمل: 3)، و﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ (البينة: 5).
ومن منطلق تحقيق السلام الاجتماعي يجب أن تُعطى الصدقات لكل أفراد المجتمع الذين يعتبرون ضمن الفئات المستحقة للصدقة دون استثناء أي فرد من أفراد المجتمع لدينه أو عرقه أو طائفته.