تهديدات مربكة: هل ينفذ ترامب تهديده بضرب طهران؟

في الوقت الذي بات فيه النظام الإيراني يواجه ضغوطًا متزايدة، في ظل الاحتجاجات المتصاعدة داخل إيران، وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أعقاب عملية احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يتجدد التساؤل حول مستقبل المشهد الإيراني.

وفي ظل هذا التصعيد الحاد للأحداث التي تشهدها إيران، يبرز التساؤل حول كيفية مواجهة نظام الملالي للاحتجاجات والمظاهرات الداخلية التي بلغت ذروتها في أسبوعها الثاني على التوالي من جهة، ومواجهة تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جهة أخرى، وذلك في خضم سياسات دولية تخطت في كثير من جوانبها الأعراف والقوانين الدولية، وباتت تُرسّخ لمفهوم “الواقع الدولي” القائم على منطق القوة بعيدًا عن القانون الدولي المتعارف عليه، بما يعكس سعيًا واضحًا لتأكيد الهيمنة والنفوذ الأمريكي، وهو ما يتجلى في استدعاء “مبدأ مونرو” الذي يرجع إلى الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، والقائم على حماية المصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي من أي تدخل خارجي.

احتجاجات إيران.. كيف تحولت إلى موجة غير مسبوقة؟

في تصعيد غير مسبوق لحالة الاحتقان الشعبي، تشتد حدة الاحتجاجات في طهران للأسبوع الثاني على التوالي، مدفوعة بتزايد الغضب الشعبي إزاء الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. فقد بدأت الاحتجاجات والتظاهرات المناهضة للحكومة في 28 ديسمبر الماضي، بإضراب نفذه تجار في بازار طهران، على خلفية تراجع سعر صرف العملة وانخفاض القدرة الشرائية وتردي الأوضاع المعيشية، في ظل العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على البلاد.

ونشر موقع CNN الأمريكي، في الأول من يناير الجاري، تقارير تفيد بإغلاق عدد كبير من المتاجر الإيرانية احتجاجًا على انهيار العملة الوطنية إلى مستويات قياسية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 70% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تجاوز معدل التضخم 40% خلال شهر ديسمبر.

وتزايد زخم الاحتجاجات في طهران بعدما كانت تقتصر خلال الأيام الأولى على تجمعات محدودة من حيث الحجم والانتشار، وذلك على الرغم من قرار السلطات الإيرانية قطع خدمة الإنترنت عن معظم أنحاء البلاد.

وبحسب مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، أضرم محتجون النار في بهو مقر التلفزيون الرسمي بمدينة أصفهان، فيما أظهرت مقاطع أخرى ألسنة لهب تتصاعد من مبنى المحافظة في مدينة شازند، مركز المحافظة المركزية، مع تجمع محتجين خارج المبنى. وقد منح ذلك مساحة أوسع لمعارضي النظام الإيراني في الخارج، وفي مقدمتهم رضا بهلوي، الذي ناشد الرئيس الأمريكي دعم الاحتجاجات، ودعا المتظاهرين إلى توسيع نطاق تحركاتهم رغم القمع وانقطاع الإنترنت.

وردد المتظاهرون هتافات من بينها “الموت للديكتاتور”، في إشارة إلى المرشد الإيراني الذي يقود البلاد منذ عام 1989. وتطور المشهد إلى اشتباكات مع قوات الأمن، واستخدام قنابل الغاز، فيما أفادت منظمات حقوق الإنسان بمقتل أكثر من 40 متظاهرًا، بينهم أطفال، حتى الآن. كما أعلن رئيس بلدية طهران أن الأحداث أسفرت عن تدمير وإحراق أكثر من 42 حافلة ومركبة عامة وسيارات إسعاف، إضافة إلى عشرة مبانٍ عامة.

الاستخبارات تدعو إلى “الإبلاغ عن المرتزقة”:

في خضم هذه الاحتجاجات، دعت وزارة الاستخبارات الإيرانية، في بيان رسمي، المواطنين إلى التعرف على ما وصفته بـ“المخربين والإرهابيين المرتزقة” التابعين للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، في إشارة إلى إسرائيل، والذين قالت إنهم نفذوا عمليات إطلاق نار بهدف إيقاع قتلى، مطالبة بالإبلاغ عنهم عبر مراكز الاتصال التابعة لوزارة الاستخبارات ومنظمة استخبارات الحرس الثوري.

وكان المرشد الإيراني علي خامنئي قد أشار في خطاب سابق إلى “المرتزقة الذين يعملون لصالح الأجانب”، مؤكدًا أن طهران “لن تتسامح معهم”.

في المقابل، بث التلفزيون الرسمي الإيراني مشاهد لآلاف الأشخاص يشاركون في تظاهرات مضادة، رافعين شعارات مؤيدة للسلطات في عدد من المدن. ومع استمرار انقطاع الإنترنت، باتت الرواية الرسمية هي المصدر الرئيسي للأحداث داخل إيران، من خلال الإعلام الحكومي وتصريحات المسؤولين.

تجارب سابقة وتهديدات متكررة:

لقيت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل عسكريًا في إيران، في حال مقتل متظاهرين، صدى واسعًا، وأثارت تساؤلات حول مدى جديتها. فقد حذر ترامب من أن الولايات المتحدة سترد “بقوة شديدة” إذا لجأت السلطات الإيرانية إلى استخدام القوة المميتة ضد المحتجين، مؤكدًا أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي في حال وقوع ذلك، وأن حماية أرواح المتظاهرين تمثل أولوية بالنسبة لإدارته.

وأشار ترامب إلى أن استهداف المدنيين يشكل “خطًا أحمر” لا يمكن تجاهله، كما أعلن في 2 يناير الجاري استعداد الولايات المتحدة لتقديم المساعدة للمتظاهرين السلميين في إيران.

في المقابل، صدرت تهديدات وتوعدات من عدد من القادة الإيرانيين بالرد على أي تحرك أمريكي. فقد أكد قائد الجيش أن “لا تسامح مع استمرار هذه التهديدات دون رد”، مشددًا على أن أي خطأ من جانب الولايات المتحدة سيقابل برد إيراني حازم. كما وجه المرشد الإيراني تحذيرًا مباشرًا لترامب، مطالبًا إياه بالتركيز على مشكلات بلاده الداخلية بدلًا من التدخل في الشؤون الإيرانية، ومؤكدًا أن توحيد الصفوف هو السبيل لحماية استقلال إيران وسيادتها.

وأشار مسؤولون إيرانيون إلى أن أي تدخل أمريكي في الشؤون الداخلية الإيرانية من شأنه زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتهديد المصالح الأمريكية في المنطقة. في حين دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات، مطالبًا بتجنب العنف واللجوء إلى الحوار والاستماع إلى مطالب الشعب.

سبق أن شهدت إيران انقطاعًا واسعًا للإنترنت خلال احتجاجات نوفمبر 2019 التي اندلعت على خلفية رفع أسعار الوقود، حيث قرر المجلس الأعلى للأمن القومي حينها قطع خدمة الإنترنت لمدة أسبوع. وقد تزامن ذلك مع واحدة من أعنف موجات القمع في تاريخ إيران الحديث، إذ ذكرت وكالة رويترز نقلًا عن مسؤولين بوزارة الداخلية أن نحو 1500 شخص قُتلوا في 190 مدينة خلال تلك الاحتجاجات.

السيناريوهات المستقبلية:

في ضوء هذه التطورات، تواجه القيادة الإيرانية اختبارًا مزدوجًا يتمثل في حماية الأمن القومي من جهة، والاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة من جهة أخرى، في ظل أزمات اقتصادية خانقة، واضطرابات اجتماعية، وتوترات دولية مرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي.

السيناريو الأول: استهداف المرشد الإيراني

يبقى هذا السيناريو مطروحًا نظريًا ضمن الخيارات القصوى، إلا أن تنفيذه يظل بالغ الصعوبة نظرًا لتعقيدات المشهد الإيراني، واختلافه الجذري عن تجارب أخرى، ما يجعل احتمالات تحققه محدودة.

(*) السيناريو الثاني: إضعاف النظام من الداخل: وهو السيناريو الأقرب إلى الواقع، حيث قد تلجأ الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إجراءات لوجستية واستخباراتية، تشمل تعزيز الوجود العسكري، ودعم أطراف معارضة، وتنفيذ عمليات إلكترونية أو سرية، بما يهدف إلى إضعاف النظام وإرهاقه على المدى المتوسط.

(*) السيناريو الثالث: نجاح النظام في قمع الاحتجاجات: وهو سيناريو مرجح أيضًا، بالنظر إلى خبرة النظام الإيراني السابقة في التعامل مع الاحتجاجات، من خلال تشديد القبضة الأمنية، وقطع الاتصالات والإنترنت، وتعطيل وسائل الإعلام، وهي أدوات سبق استخدامها في مناسبات مماثلة.

د.سهرة القاسم

خبير مشارك في شئون الأمن الإقليمي. حاصلة على الدكتوراه في تخصص أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى