تعزيز الشراكة: ما انعكاسات زيارة “بوتين” الأخيرة إلى نيودلهي؟

مصطفى محمد- باحث مشارك 

شكلت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي يومي 4 و5 ديسمبر 2025 محطة مفصلية في مسار العلاقات الهندية–الروسية، لكونها أول زيارة منذ عام 2021، والأولى بعد اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، وهو ما منحها دلالات سياسية واقتصادية واستراتيجية خاصة، في ظل سعي موسكو إلى إعادة تموضعها على الساحة الدولية. وقد سبقت القمة تحضيرات دبلوماسية مكثفة عكست إدراك الطرفين لحساسية التوقيت وأهمية مخرجات الزيارة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

اتفاقات جديدة:

أسفرت الزيارة عن توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، أكدت الطابع الشامل للشراكة الثنائية، لا سيما في مجالات التعاون الدفاعي، من خلال استمرار عقود التسليح، وتوسيع برامج الإنتاج العسكري المشترك، ونقل التكنولوجيا. كما حظي قطاع الطاقة بأولوية واضحة، عبر ضمان إمدادات مستقرة من النفط والغاز الروسيين بشروط تفضيلية، إلى جانب تعزيز التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية.

اقتصاديًا، تناول الجانبان سبل تنشيط التبادل التجاري والاستثماري، وتجاوز تداعيات العقوبات الغربية عبر آليات مالية بديلة، مع توسيع أطر التعاون في التكنولوجيا المتقدمة، والفضاء، والبحث العلمي، ووضع خارطة طريق للتعاون حتى عام 2030.

وتستند الشراكة الهندية–الروسية إلى جذور تاريخية عميقة تعود إلى الحقبة السوفيتية، حيث لعبت موسكو دورًا محوريًا في دعم نيودلهي سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا، بما في ذلك استخدام حق النقض في مجلس الأمن لصالح الهند خلال أزمات إقليمية بارزة. وأسهم التعاون الدفاعي طويل الأمد وبرامج الإنتاج المشترك في ترسيخ الاعتماد المتبادل وتعزيز القدرات العسكرية الهندية.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، حافظ البلدان على مستوى مرتفع من التنسيق، وتطورت العلاقة إلى شراكة استراتيجية منذ عام 2000، ثم إلى شراكة متميزة، لتُعد من أكثر العلاقات الثنائية استقرارًا في آسيا. ويعكس هذا النهج قدرة الهند على إدارة علاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى، إذ تتقاطع شراكتها مع موسكو مع انخراطها في أطر متعددة مثل الرباعية الأمنية (QUAD)، دون أن يشكّل ذلك تناقضًا جوهريًا، في إطار تمسك نيودلهي بمبدأ الاستقلالية الاستراتيجية والحياد النشط.

تقارب متعدد الأبعاد:

ثمة أبعاد يوضحها التقارب الروسي الهندي، يمكن تحديد ملامحها على النحو التالي:

(*) المجال السياسي: ترتكز العلاقات السياسية بين الهند وروسيا على إرث تاريخي ممتد منذ الحقبة السوفيتية، حيث برز الدعم السياسي والدبلوماسي الروسي للهند في قضايا إقليمية حساسة، أبرزها أزمة كشمير، عندما استخدم الاتحاد السوفيتي حق النقض في مجلس الأمن لصالح نيودلهي. وخلال الحرب الباردة، تعاملت موسكو مع الهند باعتبارها قوة إقليمية محورية في آسيا، وهو ما تجلّى بوضوح خلال حرب تحرير بنغلاديش عام 1971، في مقابل الانحياز الأمريكي لباكستان.

ومع نهاية الحرب الباردة، استمر التقارب السياسي بين البلدين، واتسمت المواقف الهندية تجاه القضايا الدولية الحساسة بتحفظ مائل لدعم روسيا، كما ظهر في موقف نيودلهي من ضم شبه جزيرة القرم عام 2014. ويعكس هذا السلوك السياسي طبيعة الشراكة القائمة على المصالح المتبادلة، لا على الاصطفافات الأيديولوجية.

وتؤكد هذه الديناميكية قدرة الهند على إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى دون الوقوع في تحالفات جامدة، مع الحفاظ على هامش واسع من المناورة السياسية، في مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية، خاصة فيما يتعلق بعلاقاتها الاقتصادية والطاقة مع روسيا.

(*) المجال العسكري: يمثل التعاون العسكري أحد الأعمدة الرئيسية للشراكة الهندية–الروسية، حيث لم تُستخدم مبيعات السلاح الروسية كأداة لفرض التبعية، بل كدعم مباشر للأمن القومي الهندي. وقد برز هذا الدور منذ حرب 1965، عندما فرضت الولايات المتحدة حظرًا على تصدير السلاح إلى الهند، ما جعل الاتحاد السوفيتي المورد الرئيسي للتسليح.

توطدت هذه العلاقة خلال حرب 1971، واستمرت بعد الحرب الباردة، لا سيما عقب التجارب النووية الهندية في أواخر التسعينيات، حيث أبدت موسكو تفهمًا ودعمًا للبرنامج النووي الهندي السلمي. كما تجلّى هذا التعاون خلال المواجهة الهندية–الصينية في جبال الهيمالايا عام 2020، عندما أوقفت روسيا تسليم منظومة S-400 إلى بكين، في خطوة راعت المصالح الأمنية الهندية.

ورغم الضغوط والعقوبات الغربية، مضت نيودلهي قدمًا في شراء منظومة S-400، واستمر التعاون العسكري في مجالات التدريب المشترك، والإنتاج المحلي للسلاح، ونقل التكنولوجيا، بما يعزز القدرات الدفاعية الهندية ويكرّس الاعتماد المتبادل.

دوافع استراتيجية:

تبين زيارة بوتين إلى نيودلهي في هذا التوقيت عدد من الدوافع الاستراتيجية، منها ما هو مرتبط بروسيا ومنها ما تعكسه اهتمامات الدولة المستقبلة؛ وهذا على النحو التالي:

(-) الدوافع الروسية: سعت موسكو من خلال الزيارة إلى تعزيز موقعها الدولي في ظل العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، عبر توثيق علاقاتها مع قوى لا تنخرط تلقائيًا في السياسات الغربية. وتُعد الهند في مقدمة هذه الدول، نظرًا لعلاقاتها التاريخية مع روسيا، ومكانتها السياسية والاقتصادية المتنامية في آسيا والهندو–باسيفيك.

كما هدفت الزيارة إلى إعادة تأكيد النفوذ الروسي في آسيا، في مواجهة التمدد الأمريكي والصيني، حيث تمثل الهند شريكًا مستقلًا قادرًا على منح موسكو هامشًا استراتيجيًا أوسع، والمساهمة في صياغة توازنات إقليمية أكثر تعددية.

(-) الدوافع الهندية: من جانبها، رأت الهند في الزيارة فرصة لتعزيز شراكتها مع مورد رئيسي للسلاح والطاقة، بما يحدّ من الاعتماد المفرط على الغرب، ويمنحها مرونة استراتيجية أكبر في مواجهة الصين. كما أرادت نيودلهي توجيه رسالة واضحة تؤكد تمسكها بالتعددية القطبية، وعدم الانحياز الكامل لأي محور دولي، في امتداد لتقاليدها التاريخية في عدم الانحياز.

في النهاية يمكن القول إن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي في ديسمبر 2025، تعكس قدرة الطرفين على الحفاظ على شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين السياسة والدفاع والاقتصاد والطاقة، في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد. وتبرز هذه الشراكة كنموذج واقعي قائم على المصالح المتبادلة، لا على التحالفات التقليدية، ما يمنحها قدرًا عاليًا من المرونة والاستدامة.

وتشير المعطيات إلى أن مستقبل الشراكة الهندية–الروسية سيظل رهينًا بقدرتها على التنويع الاقتصادي، وإدارة الضغوط الخارجية، والحفاظ على توازن دقيق في علاقات الطرفين مع القوى الكبرى، في سياق نظام دولي يتجه بثبات نحو التعددية القطبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى