كيف تتقاطع التحولات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية في دافوس 2026؟

 يتزامن انطلاق المؤتمر السنوي للمنتدى الاقتصادى العالمي (دافوس 2026) مع العديد من التحديات التنموية العالمية فى مقدمتها تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ، وارتفاع معدلات التضخم ، وتراجع الاستثمارات الأجنبية ، بما يؤثر على فرص التشغيل فى العديد من أقاليم العالم المختلفة، فضلًا عن تنامى أزمة الديون العالمية التى وصلت لما يقرب من 100 تريليون دولار وفق تقديرات دافوس 2025. وقد عمق من تلك التحديات الصراعات الدولية المعقدة ما بين القوى الكبرى التى تسعي لتحقيق تعددية اقتصادية دولية، ومنها الصراع الاقتصادي ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، والتى تحولت لحرب تجارية وصراع مكتوم على قيادة النظام الاقتصادي العالمي.

لذلك تتزايد الآمال المعقودة على المناقشات التى تطرح خلال فعاليات مؤتمر دافوس 2026 بالعاصمة السويسرية جنيف و المنعقد فى منطقة جبال الألب السويسرية ذات الطبيعة الخلابة والساحرة فى الفترة من 19- 23 يناير 2026 وبمشاركة العديد من قادة العالم فى مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعدد من الزعماء السياسيين الأوروبيين والعرب والأفارقة والأسيويين، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، وممثلي مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلى جانب رؤساء ومديري شركات كبرى متعددة الجنسيات. ومن ثم فإن لقاءات هؤلاء القادة معا ربما يسهم فى تبادل وجهات النظر واحداث توافق حول السياسات العالمية لمواجهة التحديات التى تواجه مستقبل التنمية.

 وتجدر الإشارة إلى أن منتدي دافوس عام 1971 إنطلق بمبادرة من البروفيسور كلاوس شواب تحت مسمي المنتدي الأوروبي للإدارة ، وكان هدفه الأساسي تطوير أساليب إدارة الشركات الأوروبية، وفي عام 1987 ، شهد المنتدي تحولا نوعيا ليصبح المنتدي الاقتصادي العالمي ، ومنذ ذلك الحين تطور ليغدو منصة عالمية رفيعة المستوي لمناقشة أبرز القضايا الاقتصادية والسياسية والتنموية، و مع تسعينيات القرن الماضي ، بدأ المنتدي في الربط بين النمو الاقتصادي والمسئولية الاجتماعية ، كما أولي اهتماما متزايدا بقضايا البيئة والتغير المناخي ، ليؤدي دورا محوريا في دعم وتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs).

   ويأتي انعقاد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي لعام 2026 في لحظة مفصلية من تاريخ النظام الاقتصادي الدولي، حيث تتقاطع التحولات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية والتغيرات التكنولوجية والبيئية بوتيرة غير مسبوقة ، فقد أعادت جائحة كوفيد-19 ثم الحرب في أوكرانيا ، وتداعيات التضخم العالمي، تشكيل أولويات الدول والمؤسسات، ودفعت بقضايا الاستدامة والعدالة الاقتصادية إلى صدارة النقاش العالمي. وفي هذا السياق، لم يعد مفهوم التنمية مقتصرًا على تحقيق معدلات نمو مرتفعة فحسب، بل بات يشمل القدرة على الصمود، وتقليل عدم المساواة، وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة. ومن هنا تبرز أهمية منتدي دافوس 2026 كمنصة دولية لمناقشة مستقبل التنمية في عالم يتسم بعدم اليقين وتشابك التحديات وتداخل المصالح.

تحديات متعددة:

تواجه التنمية في دول العالم المختلفة في الوقت الراهن وتزامنا مع انطلاق مؤتمر دافوس 2026 تحديات اقتصادية غير مسبوقة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية أهمها:

(*) تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي: حيث تتباين تقديرات المؤسسات الدولية بشأن معدلات النمو ، إذ يشير يشير صندوق النقد الي نمو يتراوح بين 3.1% و3.3% بينما يتوقع البنك الدولي أن يبلغ النمو العالمي نحو 2.6% ، في حين تقدر الأمم المتحدة نمو الاقتصاد العالمي بنسبة تقارب 2.7% .وترجع هذه التوقعات المتحفظة الي تداخل مجموعة من العوامل المتراكبة، من أبرزها تشديد السياسات النقدية لمواجهة معدلات التضخم، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع حجم الاستثمارات في العديد من الاقتصادات النامية، بالإضافة الي التأثيرات السلبية للتوترات التجارية والسياسات الحمائية علي التجارة الدولية وتدفقات الاستثمارات الأجنبية عبر الحدود ، فضلا عن استمرار الصراعات السياسية والإقليمية في مناطق مختلفة من العالم.إن هذا التباطؤ في النمو يحد من قدرة الدول على خلق فرص العمل، ويؤثر سلبا على برامج الحماية الاجتماعية، ويزيد من مخاطر اتساع الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب. كما أن استمرار حالة عدم اليقين يقلل من شهية القطاع الخاص للاستثمار طويل الأجل، وهو ما يمثل تحديا جوهريا أمام تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

(*) أزمة الديون العالمية: تعد أزمة الديون خاصة في الدول النامية والناشئة من أخطر التحديات التي تواجه التنمية في الوقت الراهن، فقد أدت الصدمات الاقتصادية المتتالية إلى ارتفاع مستويات الدين العام، وتزايد أعباء خدمة الدين، ما يضغط على الموازنات العامة ويقلص الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية. وفي ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميا، باتت بعض الدول مهددة بالتعثر المالي، الأمر الذي يستدعي إعادة التفكير في آليات إدارة الديون، وتعزيز التعاون الدولي لإيجاد حلول عادلة ومستدامة توازن بين متطلبات الاستقرار المالي وضرورات التنمية.

(*) التنافس الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة: الذي يعد أحد أبرز ملامح المشهد العالمي مما له من انعكاسات مباشرة على مستقبل التنمية ، فالصراع على سلاسل التوريد، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، يخلق حالة من الاستقطاب قد تؤدي إلى انقسام النظام الاقتصادي العالمي إلى تكتلات متنافسة. هذا الوضع يفرض تحديات على الدول النامية التي تجد نفسها مضطرة للاختيار بين شركاء اقتصاديين متنافسين، ما قد يقيد فرصها في الاستفادة من التجارة الدولية ونقل التكنولوجيا.

(*) الصراعات الدولية والصراعات المسلحة والنزاعات الإقليمية: والتي تشكل عائقا رئيسيا أمام التنمية، لما تسببه من دمار للبنية التحتية، وتشريد للسكان، واستنزاف للموارد. كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية يعرقل التعاون الدولي، ويحول دون توجيه الموارد نحو مشاريع تنموية طويلة الأجل. وفي عالم مترابط، لم تعد آثار هذه الصراعات محلية فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وزيادة عدم الاستقرار.ويبدو أن الصراعات لم تعد فقط بين المتنافسين وإنما امتدت أيضا إلى ما بين الحلفاء وفى مقدمة تلك الصراعات اندلاع الحرب التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلنفي 17 يناير 2026، فرض تعريفة جمركية بنسبة 10% اعتبارًا من فبراير المقبل على كل من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا، على أن ترتفع هذه النسبة إلى 25% في يونيو المقبل، و”تبقى سارية المفعول حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء الولايات المتحدة لجرينلاند”. وهو ما جعل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب يؤكد على أن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات كفيلة بمواجهة التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية مرتبطة بملف جرينلاند.

فرص واعدة:

وبالرغم من التحديات السابقه التي تواجهها التنمية في العالم ، إلا أنها تفتح في الوقت نفسه أفاقا وفرصا واعدة للتعاون الدولي من أبرزها:

• تعزيز الاعتماد المتبادل بين الدول: رغم التحديات، يسهم تنامي هذا الاعتماد المتبادل بين الدول في إيجاد فرص جديدة لتعزيز ودعم التنمية حيث يؤدي التكامل الاقتصادي، وتشابك سلاسل القيمة العالمية إلي تسهيل تبادل الخبرات والتكنولوجيا، وتعزيز فرص النمو المشترك، كما يتيح للدول في الانخراط في شراكات استراتيجية متوازنة تحقق استفادة متبادلة وتسهم في تحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة، شريطة إدارة هذه العلاقات بكفاءة وبما يضمن المصالح المتبادلة. وربما تمثل القضايا المطروحة للمناقشة فى دافوس 2026 تعزيزا لذلك الاعتماد المتبادل حيث يناقش المنتدى قضا متعدد من أهمها: التعاون في عالم أكثر تنافسية ، واطلاق مصادر جديدة للنمو، والاستثمار بشكل أفضل في البشر ، ونشر البتكار على نطاق واسع ، وبناء الرخاء.

(-) التعاون الدولي في قضايا البيئة: تمثل القضايا البيئية، وعلى رأسها التغير المناخي، مجالًا واعدًا للتعاون الدولي. فالتحديات البيئية عابرة للحدود، لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها.هذا ويتيح أيضا التحول نحو الاقتصاد الأخضر فرصًا استثمارية ضخمة في مجالات الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا النظيفة، والبنية التحتية المستدامة. كما أن تعزيز التمويل الأخضر ونقل التكنولوجيا يمكن أن يسهم في دعم الدول النامية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة دون الإضرار بالبيئة.

(-) مواجهة تحديات الهجرة واللجوء: تشكل الهجرة واللجوء تحديًا عالميًا، لكنها في الوقت ذاته تحمل فرصًا تنموية إذا ما أُحسن إدارتها. فالمهاجرون يمكن أن يسهموا في سد فجوات سوق العمل، وتعزيز الابتكار، وتحقيق التنوع الاقتصادي. ويتطلب ذلك سياسات متوازنة تضمن حماية حقوق المهاجرين، وتعزيز اندماجهم في المجتمعات المضيفة، مع معالجة الأسباب الجذرية للهجرة من خلال دعم التنمية في الدول المصدّرة لها.

 في ضوء ما سبق، يتضح أن منتدى دافوس 2026 يأتي في توقيت بالغ الأهمية لإعادة صياغة رؤية عالمية مشتركة لمستقبل التنمية المستدامة. فعلي الرغم من تعقد التحديات الراهنة وتشابك أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، إلا أن هذه التحديات لا تلغي وجود فرص حقيقية لبناء نموذج تنموي أكثر عدالة وإستدامة وشمولا. ويظل نجاح هذه الجهود مرهونا بمدي قدرة المجتمع الدولي ومؤسساته علي تعزيز التعاون متعدد الأطراف، والتعامل بمرونة وواقعية مع الأزمات العالمية المتلاحقة.كما يتطلب الأمر التزاما جادا بإستكمال تنفيذ استراتيجيات التنمية طويلة الأجل، لا سيما في الدول النامية التي تواجه ضغوط متزايدة علي مواردها الاقتصادية والبشرية. ويبرز هنا دور السياسات المبتكرة التي توازن بين تحقيق النمو الاقتصادي من جهة ، وحماية الانسان من جهة أخري، بما يضمن استدامة الموارد وتحقيق العدالة بين الأجيال .

 

د. عبير الخولي

دكتورة عبير الخولي، هي خبيرة مشاركة بمركز رع للدراسات الاستراتيجية. الباحثة حاصلة على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال، وبكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وهي المستشار السابق لوزير الاستثمار لشئون الدول العربية، والمدير الإقليمي السابق لمجلس الغرف والأعمال السعودي، كما تعمل المدير الإقليمي في القاهرة للمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص، وهي إحدى مؤسسات مجموعة البنك الإسلامي للتنمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى