مجدي طنطاوي يكتب: بين السلفية والأزهر والقرآني.. من الذي خرّب الوعي الديني في مصر؟

لم يكن تغوّل التيار السلفي في الوعي المصري وليدَ لحظة، ولا نتاجَ فراغٍ عابر، بل هو ثمرة تربية ممتدة منذ الطفولة؛ ثقافة مغلقة تُشكِّل العقل قبل أن يكتمل، وتشحن الوجدان بمنظومة حلال وحرام لا علاقة لها بالقرآن بقدر ما لها علاقة بموروث فقهي متراكم.
فتجد السارق، وشارب الخمر، والمتورط في الفساد والزنا، وقد خالف كل ما تربى عليه سلوكًا، لكنه لم يغادر أبدًا البنية الذهنية السلفية التي تشربها صغيرًا، فبقي أسيرًا لها فكرًا، حتى وهو يناقضها فعلًا.
هذه الثقافة السلفية لم تتوقف عند تشكيل الفرد، بل امتدت لتشكك في كل مؤسسة لا تتماهى معها، وعلى رأسها الأزهر، فتم رفضه لا لفساده العلمي، بل لخيارِه العقدي، باعتباره أشعريًا لا ينتمي – في نظرهم – إلى أهل السنة والجماعة، وكأن أهل السنة صاروا حزبًا لا أمة، وكأن الجماعة صارت مذهبًا لا مجموع المسلمين.
ثم خرج على المشهد فريق آخر طالب بالعودة إلى القرآن وحده، باعتباره خطاب الله المباشر وميزان الحق، فكان الرد صادمًا؛ لا من السلفيين وحدهم، بل من الأزهر أيضًا، فتم وسمهم بـ«القرآنيين» لا بوصفٍ علمي، بل كسُبّة جاهزة تُخرجهم من دائرة القبول وتضعهم في خانة الانحراف والبدعة.
والمفارقة الخطيرة أن من يرفع شعار «حسبنا القرآن» يُتَّهَم بالضلال وربما بالكفر، بينما من يقدّم الحديث والإجماع والقياس على القرآن، بل ويعطّل القرآن باسمها، يُعدّ ناجيًا.
حتى بلغ الانحراف ببعضهم أن يصرّح بأن من آمن بالقرآن فقط فقد كفر، ومن آمن بالحديث والإجماع والقياس دون القرآن فقد نجا. وقال آخرون من حذاق الأئمة: إذا خالف الحديث الآية نأخذ بالحديث ولا نأخذ بالآية.
وهنا لا نكون أمام خلاف فقهي، بل أمام انقلاب على أصل الدين نفسه؛ فالقرآن لم ينزل ليكون تابعًا ولا مكمّلًا، بل نزل ليكون الحاكم والميزان والفرقان.
قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾
فأيُّ إسلامٍ هذا الذي يُطلب فيه من الناس أن يؤمنوا بكلام البشر أكثر من كلام الله؟ وأيُّ عقلٍ يقبل أن تُقدَّم روايةٌ ظنيّة الثبوت على نصٍّ قطعي الدلالة؟ وأيُّ دينٍ يبقى إذا صار القرآن محل اختبار، بينما التراث فوق المساءلة؟
وهنا يثور السؤال الحقيقي: هل خرّب التيار السلفي الإسلام؟ أم أن الأزهر، بوصفه أحد مؤسسات السلطة، فقد ثقة الشارع، فترك فراغًا تمدد فيه السلفيون؟
الحقيقة أن الطرفين يشتركان في المسؤولية: السلفيون، حين حوّلوا الدين إلى هوية صدامية مغلقة، وكرّسوا فقه التكفير والتبديع، وشيطنوا العقل، واحتقروا السؤال.
والأزهر، حين انحاز للصمت والمواءمة، وأدار ظهره للناس، وترك الخطاب الديني أسير كتب صفراء ومناهج لا تواجه الواقع ولا تحرّر العقل. فحين غاب القرآن عن مركز الخطاب، حلّ التراث محلّه. وحين غاب العقل، حلّ النقل المشوَّه. وحين غابت الحرية، سادت الوصاية.
إن استعادة الإسلام لا تكون بسلفية أشد، ولا بأزهر أكثر تحفظًا، بل بالعودة الصادقة إلى القرآن، باعتباره الأصل والمرجعية والميزان؛ عودة لا تهدم العقل، ولا تلغي السيرة النبوية الصحيحة، بل تعيد وضع كل شيء في مكانه الطبيعي.
فالقرآن هو الأم والميزان، وما خالفه مردود، مهما علا قائله. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ والسبيل اليوم واحد، أمّا السبل فقد كثرت.
ومن هنا يبدأ التصويب؛ لا من تكفير الناس، بل من تحرير عقولهم، ولا من تقديس التراث، بل من إعادة القرآن إلى مكانه الذي أنزله الله فيه.