ترامب ومحاولات “الإفلات من العدالة”

د. علي الدين هلال

في 6 يناير 2021، شهدت العاصمة واشنطن حادثة فريدة من نوعها في التاريخ الأمريكي. ففي هذا اليوم اجتمع الكونجرس للتصديق على نتائج انتخابات الرئاسة، التي فاز فيها “بايدن”. وخلال انعقاد الجلسة، فوجئ المجتمعون باقتحام المبنى من قِبَل متظاهرين من أنصار ترامب، بدعوى أن نتائج الانتخابات قد “سُرقَت”، وأن الفائز الحقيقي فيها هو ترامب.

قام المقتحمون بتحطيم النوافذ والعبث بمحتويات الغُرف، مما اضطر الشرطة إلى إخلاء قاعة المجلس ونقل أعضاء الكونجرس إلى أماكن آمنة لساعات حتى تمت السيطرة على الموقف. واستكملت الجلسة عملها في التصديق على الانتخابات. واعتبر المراقبون هذا الحدث اعتداءً صارخاً على النظام الديمقراطي وشكلاً من الفوضى والعصيان.

ثم حدث جدل سياسي وقانوني حول المسؤولية عما حدث، وعما إذا كان الرئيس ترامب، الذي كان قد دعا أنصاره إلى الاحتشاد في هذا اليوم، قد شارك في دفع المتظاهرين للتوجُّه صوب الكونجرس.

فمن الثابت أنه خاطبهم بأسلوب حماسي كرر فيه اتهامه بأن الانتخابات قد “زوِّرت”، ودعاهم إلى “القتال بشراسة” لتصحيح نتائج الانتخابات.

ورغم أن مجلس النواب وافق على توجيه الاتهام له بـ”التحريض على العصيان”، واتخذ قراراً بعزله في 13 يناير، أي في الأسبوع الأخير لولايته، فإن مجلس الشيوخ -وهو الجهة الوحيدة التي تملك حق محاكمة الرئيس- قد برَّأ ترامب من مسؤولية ما حدث.

ففي هذه الجلسة، أيَّد 57 عضواً قرار الإدانة، بينما رفضه 43.

ومع أن الغالبية صوَّتت مع إدانة ترامب، فلم ينفذ القرار، لأن الدستور حدد أغلبية الثلثيْن “أي 67 صوتاً على الأقل” لتمرير مثل هذا القرار.

وبالمثل، ففي مايو، رفض مجلس الشيوخ قرار مجلس النواب بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لكشف حقيقة ما حدث يوم 6 يناير، وإصدار التوصيات التي تحول دون حدوث ذلك مستقبلاً. فلم يحصل القرار على نسبة الثلثيْن المطلوبة، فعاد الموضوع إلى مجلس النواب.

وعندما اقترحت رئيسة مجلس النواب تشكيل اللجنة من أعضاء المجلس فقط، رفض أعضاء الحزب الجمهوري المشاركة باستثناء اثنين، فتكوَّنت اللجنة من سبعة ديمقراطيين واثنين جمهوريين.

ومنذ هذا الوقت، بدأت سلسلة من محاولات تعطيل إجراءات التحقيق، واستخدام “طرق قانونية” لمنع مثول الشهود أمام اللجنة للإدلاء بإفاداتهم.

من ذلك مثلاً، أن مارك ميدوز، كبير موظفي البيت الأبيض في إدارة ترامب، تغيَّب عن دعوة اللجنة له للحضور مرتين، فاستخدمت اللجنة حقها في إرسال مذكرة استدعاء له للمثول أمامها. وعندما لم يمتثل، تمت الموافقة على اتهامه بـ”ازدراء المجلس”، وتم إبلاغ وزارة العدل بها حتى تتم محاكمته.

كان من الواضح أن “ميدوز” لا يريد تزويد اللجنة بمزيد من المعلومات التي بحوزته. يدل على ذلك أنه تعاون مع اللجنة في البداية، وقدَّم لها آلاف الصفحات من الوثائق والمُراسلات التي طلبتها. ولكنه رفض أن يقدِّم بيانات عن اتصالاته الهاتفية يوم 6 يناير.

كان موقفه هذا مُخالفاً لقرار محكمة استئناف فيدرالية برفض الطلب الذي تقدَّم به ترامب في أكتوبر للحفاظ على سرية سجلات اتصالاته الهاتفية وزوَّاره في “البيت الأبيض” استناداً إلى مبدأ الامتياز التنفيذي Executive privilege الذي يتمتع به الرؤساء، وجاء هذا القرار مؤيداً لقرار المحكمة الابتدائية في واشنطن بأنها لا تجد مبرراً لطلبه.

ولم يكن من شأن قرار المحكمة إطلاع اللجنة على هذه السجلات، فقد تقدَّم محامو ترامب بدعوى استئناف أخرى، وسوف يظل الأمر مُعلقاً إلى حين أن تحسمه المحكمة العُليا، وهي أعلى سلطة قضائية في أمريكا.

ولم يكن “ميدوز” أول من رفض الإدلاء بكل معلوماته للجنة، فقد سبقه ستيف بانون، مستشار البيت الأبيض في عهد ترامب، والذي سلك النهج نفسه في رفض تقديم شهادته أمام لجنة التحقيق، ما دفع المجلس في 21 أكتوبر الماضي إلى اتهامه بازدراء المجلس.

لم تمنع تلك المواقف اللجنة من عملها، واستدعت العشرات من العاملين السابقين في “البيت الأبيض”، ومنظمي مظاهرات 6 يناير، ومسؤولي المنصات الإلكترونية.

وينصب اهتمام اللجنة حاليا على معرفة اتصالات موظفي “البيت الأبيض” بترامب في هذا اليوم، خاصة بعد أن توافرت لديها دلائل على أن بعضهم كان على عِلم بأن هذه المظاهرات سوف تكون فوضوية، وأنها تضم عناصر من اليمين المتطرف وأنصار “التفوُّق” العنصري الأبيض، كما تأكَّدت من أن ترامب تابع الهجوم على شاشات التلفاز وأنه كان يستطيع وقفه بتوجيه خطاب إلى المتظاهرين يدعوهم فيه إلى الانصراف.

يبدو أن هدف ما يقوم به فريق ترامب وأنصاره واضح وجلي، وهو استخدام كل الأدوات التي يسمح بها القانون الأمريكي من رفع دعاوى وطلب استئناف أحكام من أجل تعطيل أعمال لجنة التحقيق ومنعها من كشف حقيقة ما حدث، وذلك حتى نوفمبر 2022 وهو موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، والتي يراهنون على أنها سوف تأتي بأغلبية من الحزب الجمهوري في المجلسيْن، وأنه إذا تحقق ذلك فسوف تستخدم الأغلبية الجديدة وضعها لحفظ هذا التحقيق دون توجيه الاتهام لأحد.

فهل ينجح هؤلاء في “الإفلات” من الوقوف أمام العدالة في أمريكا؟

نقلا عن العين الإخبارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى