لواء أحمد زغلول يكتب: ليست كل الأوجاع بتكسرنا •• لكن في أوجاع بتصحّينا

ليست كل الأزمات نهايات، وليست كل الآلام انكسارات، فالتاريخ يعلمنا أن بعض الأوجاع، رغم قسوتها، تكون بمثابة جرس إنذار يوقظ الأمم من غفوتها. هناك لحظات في حياة الدول تشبه لحظة الألم في جسد الإنسان؛ قد تكون موجعة، لكنها في الوقت نفسه تحمل رسالة بضرورة الانتباه وإعادة ترتيب الأولويات. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة ما يمر به العالم العربي والشرق الأوسط اليوم، حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في صورة تبدو للوهلة الأولى قاسية، لكنها قد تكون بداية لمرحلة وعي استراتيجي جديد.
تشهد المنطقة تحولات متسارعة غير مسبوقة، فالتوترات العسكرية والصراعات الإقليمية وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية كلها عوامل تفرض ضغوطًا كبيرة على الدول العربية، وعلى مصر في القلب منها. هذه الضغوط قد تبدو للبعض وكأنها حالة إنهاك مستمر، ولكنها في واقع الأمر تدفع الدول إلى مراجعة سياساتها وبناء قدراتها بصورة أكثر واقعية وصلابة.
لقد مرت مصر، عبر تاريخها الحديث، بمحطات صعبة من الحروب إلى الأزمات الاقتصادية والضغوط السياسية، لكنها في كل مرة كانت قادرة على تحويل التحدي إلى فرصة. فالألم الذي يعيشه المجتمع أحيانًا ليس سوى انعكاس لمرحلة انتقالية تتطلب الصبر والعمل والتخطيط بعيد المدى، وفي ظل ما يشهده الشرق الأوسط من اضطرابات تبرز أهمية الدولة الوطنية القادرة على حماية تماسكها الداخلي، والحفاظ على مؤسساتها، وتحصين أمنها القومي.
إن ما يحدث في المنطقة اليوم، سواء في بؤر الصراع المفتوحة أو في التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ، يكشف بوضوح أن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط قد بدأت بالفعل. فالقوى الكبرى تعيد النظر في المنطقة، والتحالفات تتغير، وأدوات القوة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت اقتصادية وتكنولوجية وإعلامية أيضًا. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح الألم الذي تمر به المجتمعات دافعًا لإعادة التفكير في نماذج التنمية، وفي طبيعة العلاقات الإقليمية، وفي مفهوم الأمن القومي ذاته.
الأمة العربية بدورها تعيش مرحلة مراجعة قاسية، فسنوات طويلة من الصراعات والانقسامات تركت آثارًا عميقة في الجسد العربي، لكن هذه الآثار نفسها بدأت تدفع بعض الدول إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون والتكامل بعيدًا عن شعارات الماضي التي لم تتحول إلى واقع عملي. إن الألم الذي عاشته المنطقة قد يكون هو الدافع لإدراك أن الأمن القومي العربي لم يعد شأنًا محليًا لكل دولة على حدة، بل منظومة مترابطة تتأثر فيها كل دولة بما يجري في محيطها.
أما مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي، فهي تجد نفسها دائمًا في قلب هذه المعادلة المعقدة. فهي ليست مجرد دولة تتأثر بما يحدث حولها، بل عنصر توازن رئيسي في معادلات الإقليم. ومن هنا تأتي أهمية أن تتحول الضغوط التي تواجهها إلى حافز لتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وإلى فرصة لترسيخ دورها كركيزة للاستقرار الإقليمي.
إن الوجع الذي تعيشه المنطقة اليوم قد يكون مؤلمًا، لكنه يحمل في طياته أيضًا إمكانية النهوض، فالأمم التي تدرك معنى الألم هي نفسها القادرة على تحويله إلى قوة دفع نحو المستقبل، أما الأمم التي تستسلم له فإنها تظل أسيرة أزماتها.
لهذا يمكن القول إن ما يمر به الشرق الأوسط، ومصر في قلبه، ليس مجرد مرحلة اضطراب عابرة، بل لحظة تاريخية تعيد تشكيل الوعي السياسي والاستراتيجي في المنطقة. وقد يكون هذا الوجع، رغم قسوته، هو ما يدفع الجميع إلى إدراك أن الاستقرار لا يُصنع بالشعارات، بل ببناء الدولة القوية القادرة على حماية مصالحها والتفاعل بواقعية مع تحولات العالم.
في النهاية، قد تكسر بعض الأوجاع الضعفاء، لكنها توقظ الأقوياء، والتاريخ يثبت دائمًا أن الأمم التي تتعلم من ألمها هي وحدها التي تكتب فصول مستقبلها بيديها.