د. بلال بدوي يكتب: رسائل الطمأنة في زمن القلق.. ماذا قال الرئيس السيسي للمصريين؟

وأنا أتابع كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إفطار الأكاديمية العسكرية، مساء أمس الخميس، توقفت عند إحساس مختلف. ففي وقت تمتلئ فيه الشاشات بالأخبار المتوترة عن الحروب والتصعيد في المنطقة، كنت أستمع إلى حديث هادئ لكنه عميق. بصراحة، لم أقلق كغيري من المصريين وأنا أتابع الكلمة، بل شعرت أنني أكثر اطمئنانًا مما كنت قبلها.

ربما لأن كلمات الرئيس لم تكن مجرد خطاب سياسي تقليدي، بل كانت حديثًا مباشرًا مع شباب وطلاب داخل مؤسسة عسكرية، مؤسسة تعرف جيدًا معنى الأمن والاستقرار. وكان واضحًا أن الرسالة لم تكن موجهة للطلاب فقط، بل لكل المصريين الذين يتابعون ما يحدث حولهم في المنطقة.

كلمات الرئيس كانت في العمق. لم يتجاهل ما يحدث، ولم يقل إن المنطقة تعيش أوضاعًا عادية، بل أكد أن هناك تطورات كبيرة وتوترات قد تقلق أي مجتمع. لكن في الوقت نفسه جاءت الرسالة الأساسية واضحة: لا تقلقوا.. مصر آمنة.

هذا النوع من الرسائل مهم في لحظات التوتر الإقليمي. لأن المواطن البسيط لا ينظر فقط إلى الأخبار، بل ينظر أيضًا إلى قدرة الدولة على إدارة الأزمات. وعندما تأتي رسالة الطمأنة من داخل مؤسسة عسكرية، وبين طلاب يتدربون على حماية الوطن، فإنها تحمل معنى مختلفًا.

الرئيس تحدث بهدوء عن فكرة الاستقرار، وعن أهمية أن تبقى الدولة قوية ومتماسكة مهما كانت الظروف حولها. وكان واضحًا أن الرسالة الأساسية هي أن مصر تتابع ما يحدث بدقة، لكنها في الوقت نفسه قادرة على التعامل مع أي تداعيات.

الحقيقة أن هذه الرسائل لا يمكن فصلها عن التجربة التي مرت بها مصر خلال السنوات الأخيرة. فالمنطقة شهدت أحداثًا كثيرة، بعضها كان يمكن أن يترك آثارًا كبيرة على الداخل، لكن الدولة تعاملت معها بحسابات هادئة.

خذ مثالًا حرب غزة الأخيرة. مع بداية الحرب سادت حالة قلق في المنطقة كلها. الحديث كان يدور عن احتمال تعطل التجارة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتأثير الحرب على حركة النقل والشحن. لكن داخل مصر استمرت الحياة بشكل طبيعي. لم نشهد نقصًا في السلع الأساسية، ولم تتوقف الأسواق، وظلت الدولة قادرة على تأمين احتياجات المواطنين.

السبب في ذلك أن الدولة كانت قد عملت خلال السنوات الماضية على بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية. بمعنى بسيط، الاحتفاظ بكميات كافية من الغذاء والسلع الضرورية لفترات طويلة، حتى لا يتأثر المواطن بأي اضطراب خارجي.

وهذا ما أكده أيضًا رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أكثر من مرة. فقد أوضح أن الحكومة وضعت خطة واضحة لتأمين السلع الأساسية، وأن مصر تمتلك احتياطيات تكفي لأشهر عديدة. كما أكد أن الدولة تتابع الأسواق العالمية وتتحرك مبكرًا إذا ظهرت أي مؤشرات لنقص أو اضطراب.

وليس هذا المثال الوحيد. فقبل فترة قصيرة شهدت المنطقة توترًا عسكريًا بين إسرائيل وإيران استمر نحو اثني عشر يومًا، وتحدثت تقارير كثيرة وقتها عن احتمال تأثر الملاحة أو حركة الطيران في المنطقة. ومع ذلك لم يشعر المواطن المصري بارتباك في حياته اليومية. الأسواق بقيت تعمل، والسلع متوفرة، والحياة استمرت بشكل طبيعي.

هذا لا يعني أن مصر بعيدة عما يحدث حولها، فالعالم اليوم مترابط بشكل كبير، وأي أزمة في الطاقة أو النقل قد تنعكس على الأسعار في دول كثيرة. لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرة الدولة على امتصاص الصدمات قبل أن تصل إلى المواطن.

خلال السنوات الماضية توسعت مصر في إنشاء صوامع تخزين الحبوب، وطورت الموانئ وشبكات النقل، واهتمت بمشروعات الأمن الغذائي. هذه المشروعات قد لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما تضطرب الأسواق العالمية.

لهذا السبب تحديدًا شعرت بالاطمئنان وأنا أتابع كلمة الرئيس في الأكاديمية العسكرية. لم تكن مجرد كلمات طمأنة عابرة، بل كانت رسالة تعكس ثقة في قدرة الدولة ومؤسساتها على إدارة الأزمات.

ربما هذا هو المعنى الحقيقي لما قاله الرئيس: أن المنطقة قد تمر بظروف صعبة، وأن الأخبار قد تكون مقلقة أحيانًا، لكن استقرار الداخل المصري يظل أولوية لا يمكن التفريط فيها.

ولهذا، وبينما يتابع المصريون ما يحدث حولهم، تبقى الرسالة الأساسية التي خرجت من تلك الكلمة واضحة وبسيطة: قد تمر المنطقة بعواصف كثيرة، لكن مصر تعرف جيدًا كيف تحافظ على توازنها وسط العاصفة.

د. بلال بدوي

د. بلال بدوي- رئيس الهيئة الاستشارية لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، هو رجل أعمال مصري، أمين مساعد أمانة الاستثمار بحزب مستقبل وطن، هو خبير اقتصادي متخصص في دراسات الصناعة والطاقة، كما أنه رئيس مجلس إدارة شركة "نيو إيجا" للصناعات الكهربائية بمصر والشرق الأوسط، وعضو الهيئة الاستشارية العليا بمركز رع للدراسات الاستراتيجية، حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية البدنية والرياضية من جامعة حلوان في رسالة بعنوان " دور الاتصالات التسويقية المتكاملة بالشركات التجارية الراعية للرياضة في دعم الولاء للعلامة التجارية".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى