تداعيات زيارة الرئيس الإسرائيلي لإثيوبيا

علاء توفيق – باحث سياسي يمني

في فبراير 2026، قام الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بزيارة رسمية إلى إثيوبيا أثارت اهتمام المراقبين الإقليميين والدوليين على حد سواء، ليس فقط زيارة بروتوكولية تأتي في سياق تعزيز العلاقات بين إسرائيل والدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر، وإنما لأنها تجسد رغبة واضحة في متابعة التطورات الأمنية في المنطقة بشكل مباشر، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية. هذه الزيارة تزامنت مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، وما يرافقها من نشاطات وتحركات متفرقة لوكلاء إيران في المنطقة، بما في ذلك الميلشيات المسلحة في العراق ولبنان وسوريا و اليمن، ما يطرح تساؤلات حول احتمالات تأثير هذا الصراع على استقرار الملاحة البحرية وأمن اليمن.

يحتل اليمن، موقعاً استراتيجياً على أهم الممرات العالمية “مضيق باب المندب”، وهو موقع يجعل أي تطور محلي ذو انعكاس فوري على خطوط الملاحة. في هذا الإطار، تولي القيادة اليمنية ورئيس مجلس القيادة الرئيس رشاد محمد العليمي اهتماماً بالغاً بهذا الملف، ويأتي حرصه على اللقاءات الرفيعة المستوى لتعزيز متابعة الوضع وإصدار التحذيرات المباشرة حول أي محاولات لاستغلال الحوثيين هذا الموقع لأغراض التصعيد في البحر الأحمر. هذه التحركات تؤكد أن الرئيس رشاد العليمي يسعى للحفاظ على دور اليمن في أمن البحر الأحمر فاعلاً، مع التركيز على الحد من أي مخاطر قد تؤثر على استقرار المنطقة أو مصالح دول الخليج.

في المقابل، ميليشيات الحوثي مستمرة في تطوير قدراتها العسكرية والتقنية، بما يشمل تجهيز الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، بدعم إيراني مباشر، رغم أن هذه القدرات لم تستخدم في أي هجوم حتى الآن، وهذا يدل على أن مليشيات الحوثي جاهزة للمواجهة، لكن اعتباراتها الإقليمية وحساباتها السياسية، بما في ذلك قنوات الاتصال مع السعودية، تمنعها من الخوض في أي هجوم في الوقت الحالي.

هذا الوضع يجعل اليمن منطقة مقلقة لدول الخليج وإسرائيل، خصوصاً وأن التحركات الإسرائيلية في القرن الإفريقي تهدف إلى تمكينها من مراقبة أي نشاطات بحرية أو عسكرية قد تمس الممرات البحرية الحيوية، في حين تبقى القدرة اليمنية على ضبط الوضع المحلي عنصر أساسي لتجنب أي تصعيد.

القبائل المحيطة بصنعاء تشكل أيضا أحد العوامل المهمة في مراقبة إمكانية نقل الحوثيين للصواريخ أو تنفيذ عمليات اطلاق الصواريخ من مناطقهم.

في الوقت نفسه، يشكل انتهاء دور بعثة الأمم المتحدة للرقابة على الحديدة (UNMHA) نهاية مارس الجاري نقطة خطيرة قد تؤثر على استقرار الوضع، إذ قد يؤدي غياب المراقبة الدولية إلى ظهور ضغوط جديدة، ويطرح أسئلة حول قدرة مجلس القيادة الرئاسي والدول الإقليمية على ضبط التوترات دون تصعيد مباشر.

تظهر التحركات الأخيرة، بما فيها اللقاءات والمشاورات التي يقودها رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي، أن هناك حرصاً واضحاً على إدارة المرحلة المقبلة بطريقة تمنع استغلال النزاعات الإقليمية لزعزعة أمن الممرات البحرية، وأن اليمن يركز على بناء آليات محلية وإقليمية للتعامل مع أي احتمالات للتوتر، مع مراقبة دقيقة لكل التحركات الإيرانية والإسرائيلية في المنطقة. المسار الأكثر احتمالاً في الفترة المقبلة هو استمرار حالة الحذر المرتفع دون تصعيد مباشر، مع احتمال تصعيد محدود إذا ما ظهرت أي مؤشرات على استغلال الحوثيين لدعم خارجي لتوجيه عمليات تهدد الملاحة، في حين يبقى المسار الأشد خطورة مرتبطاً بأي هجوم يستهدف السفن أو المنشآت البحرية، وهو سيناريو قد يستدعي تدخلات دولية واسعة للحفاظ على الأمن البحري.

اليمن يمتلك، عبر موقعه الاستراتيجي وحرص قيادته على إدارة الملفات الحيوية، القدرة على أن يكون شريك فاعل في أمن البحر الأحمر، مع حماية مصالح دول الخليج والملاحة الدولية. النجاح في هذه المعادلة يعتمد على قدرة الدولة في الحفاظ على الاستقرار المحلي، وتعزيز التنسيق مع الدول المجاورة. كما يظل متابعة التحركات الإسرائيلية والإيرانية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر غاية الأهمية لفهم مسار الأحداث واتخاذ القرارات الوقائية التي تحفظ مصالح اليمن والمنطقة بأسرها.

في ضوء هذه المعطيات، يبرز دور اليمن ليس كمتفرج على التوترات الإقليمية، وانما كفاعل يحاول توظيف موقعه الاستراتيجي لتجنب التصعيد وتحقيق استقرار الملاحة البحرية، مع الحفاظ على القدرة على إدارة أي تحديات محتملة قد تطرأ بعد انتهاء بعثة الأمم المتحدة للحديدة، وهو ما يجعل الفترة المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية القيادة اليمنية في حماية مصالح الدولة والمنطقة على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى