د. أحمد أبوالعزم يكتب: بين الأسطورة والواقعية.. زئير الأسد أم نباح الكلاب؟

تنتهج الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ذروة التصعيد الأيديولوجي والميداني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال استراتيجية هجومية شاملة تستهدف ليس فقط تفكيك قدراتها العسكرية كاملة وليست الصاروخية البالستية والنووية فحسب، بل من أجل تمهيد الأرض لمعركة “هيرمجدون” أو “الحرب الكبرى” مستقبلا، ويمكنني القول أنهما من الناحية الجيوسياسية يطمحان في أكثر من ذلك وهو الاستيلاء على المقدرات والثروات(النفط والغاز والمعادن) والممرات المائية لهذه الأرض المتميزة جيوبولتيكيا وذلك في مرحلة لاحقة أو اليوم الثاني لإسقاط نظام الجمهورية الاسلامية في ايران كما يعتقد ترمب ونتن ياهو، ومن ثم الإتيان بنظام جديد يكون علمانيا برغماتيا أو مواليا منبطحًا يحقق مصالح أمريكا وأهدافها في المنطقة وبهذا يتم تثبيت الهيمنة والتفوق العسكري لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. إن هذه الحرب ليست سوى بداية لحروب أخرى في منطقتنا وفقا للعقيدة التلمودية والصهيونية المتطرفة والتي يحدد قادتها، ترتيب حدوثها، وفقا للخاصرة الرخوة بين دول منطقتنا العربية والإسلامية.
في رأيي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت ولا تزال سدا وحصنا من حصون الإسلام أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”، لذا تسعى إسرائيل لهدم هذا الحصن مستخدمة في ذلك كل معول ولم يعد سوى مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان “الحلف السني الجديد” كما سماه نتن ياهو. بات الحديث عن المشروع الصهيوني علانية، ولعل خير دليل، تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان المحتل؛ مايك هاكابي؛ خلال مقابلة أجراها معه الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون والتي أشار فيها إلى أنه “لايري مانعا في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها”، تأتي هذه التصريحات في سياق الإشارة إلى النص التوراتي الذي جاء في “سفر التكوين ١٥” حول ” العهد الذي أبرمه الله مع النبي إبراهيم، والذي يعده فيه بمنح الأرض لنسله “من نهر مصر (النيل) إلى النهر الكبير، نهر الفرات.”
ستغير هذه المساحة الجغرافية الواسعة وفقا للمشروع الصهيوني (إسرائيل الكبرى) وجه وخريطة الشرق الأوسط وتبتلع دولا مثل (فلسطين، الأردن، لبنان، سوريا، أجزاء من مصر، العراق، ومكة والمدينة في السعودية)، ولم تكن تصريحات هاكابي هي الأولى من نوعها فقد سبقه إليها عدد من الحاخامات ووزراء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وزادت حدتها مع المتطرفين في الحكومة اليمينية الحالية من أمثال بتسلئيل سموتريش وزير المالية وإيتماربن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي.
على العموم، التصريحات السائدة حالياً تتبنى خطابا أيديولوجيا متطرفا ويقودها شخصيات سياسية ودينية بارزة متطرفة وهي تنطوي على قبول المشروع الصهيوني الذي يمثل تهديدا حقيقيا ومباشرا على الأمن القومي العربي والإسلامي وجغرافية المنطقة وهويتها واستقرارها ويعد جرس انذار لعدم التشرزم والعمل على مشروع للوحدة العربية الإسلامية التي تتجاوز المذاهب والقضايا الخلافية للوقوف أمام الخطر القادم لا محالة.
ففي هذه المرة من الحرب الإلهية ضد إيران كما يعتقدون، استدعت الحكومة الإسرائيلية المتطرفة اسم “زئير الأسد” لهذه الحرب، وهو استدعاء رمزي من المخزون التراثي الديني في الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) يرمز إلى السلطة الإلهية والنصرة والدينونة والاصطفاء، فالمصطلح يمثل صوت الله العالي والمهيب. (عاموس: ٣:٨). “قد زأر الأسد فمن لا يخاف؟!” وتشير رمزية “الأسد” هنا إلى “سبط يهوذا” كرمز للمُلك والقوة وهو يمثل صوت الله. وقد جاء في (سفر الرؤيا ٥:٥)، يعلن عن المسيح بوصفه ” الأسد من سبط يهوذا” وهو رمز للمسيح المنتصر والمخلص.
على أي حال، توظيف صورة الأسد في التوراة يأتي في سياق نجاة اليهود من تهديدات الإمبراطورية الفارسية ويتعزز هذا مع تحديد وقت الحرب مع إيران ليتزامن مع ذكرى الاحتفال بعيد بوريم أو (المساخر)، الذي نجا فيه اليهود من إبادة “هامان بن همداثا الأجاجي” كما ورد في “سفر استير”.
وفيما يتعلق بالإمبراطورية الفارسية وإيران، تتمحور نجاة اليهود في التراث اليهودي حول قصتين رئيسيتين، الأولى؛ ترتبط بالملك الفارسي “كوروش” والذي حرر اليهود من السبي البابلي. والثاني؛ خاص بنجاة اليهود من إبادة هامان، حين تمكنت الملكة أستير (اليهودية) وبن عمها مردخاي من إحباط مؤامرة (هامان) إبادة اليهود، وشنق هامان على المشنقة التي أعدها لمردخاي وحصل اليهود على إذن ملكي بالدفاع عن أنفسهم، مما أسفر عن مقتل 77 ألف من أعدائهم والنجاة من الإبادة الجماعية.
وهذا ما يشير إلى تبني بعض الجماعات المتطرفة في اسرائيل نهجا يوحي بمعاداة إيران، ويروي سفر إستير قصة من زمن ملك يدعى (احشوريوش بالفارسية خشايارشا والذي حكم الإمبراطورية الفارسية ما بين عامي 465: 486ق.م، وهو بن داريوش الكبير وحفيد كوروش العظيم) واستنادا إلى نص القصة يمكن القول إنها تروي أحداثا من زمن أسرة الهخامنشيين، هذه الأسرة معروفة في العالم الغربي باسم الأسرة الأخمينية: أقام احشويروش في السنة الثالثة من حكمه وليمة فخمة في قصره، وبعد أن ثمل الملك، أمر بإحضار زوجته إليه بتاجها الملكي لتظهر جمالها للنبلاء والشعب، لكن الزوجة رفضت، فغضب الملك غضبا شديدا وبعد التشاور مع النبلاء، طرد الزوجة (استير ١). وتقرر جلب الفتيات الجديرات إلى القصر الملكي والفتاة التي تُرضي الملك سيتم اختيارها كملكة. في هذه الأثناء، أعجب الملك بفتاة تدعى هداسا وجعلها زوجة له والتي أصبحت فيما بعد إستير، كان لـ استير ابن عم يدعى مردخاي، الذي تولى تربيتها (كان مردخاي يعمل بالقصر الملكي). كانت استير يهودية ولكنها أخفت ذلك بناء على طلب مردخاي.
وكان “هامان بن همداثا الأجاجي”، أحد عظماء البلاد وقريبًا من البلاط، والذي أغضبه عدم احترام مردخاي وعدم سجوده له، فضمر ضغينة له، واستشهد بحقيقة أن قوانين الشعب اليهودي كانت ضد قوانين جميع الأمم، فطلب من الملك الإذن بإبادتهم جميعا. (استير، الاصحاح٣)
طلب مردخاي من إستير أن توقف هذا الأمر مع أن المثول أمام الملك في تلك اللحظة كان سيشكل خطرا إلا أن إستير خاطرت بحياتها (أستير، الاصحاح ٤).
من خلال القصة سالفة الذكر وبغض النظر عن واقعيتها أو أسطوريتها من عدمه يتضح أن أحد أسباب الحرب الحالية ضد إيران أيديولوجية يهودية لها جذورها في الموروث اليهودي، فهي ترى النظام الحالي في إيران تهديدًا وجوديًا لها لذا أقنعت ترمب بالحرب الألهية لتبرير المشاركة في الحرب. ويؤكد هذا الطرح ما تلقته «مؤسسة الحرية الدينية في الجيش” (MRFF، من شكاوى لأفراد في القوات المسلحة الأمريكية، أُبلغوا بأن الهجمات الإسرائيلية-الأميركية على إيران جزء من «خطة» إلهية، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “تم اختياره من قِبل يسوع المسيح لإحداث هرمجدون وإشعال النار في إيران وهي المعركة بين الخير والشر، تمهيدًا لعودته إلى الأرض”، ويبدو جليًا من تصريحات قادة الجيش الأمريكي لوحداتهم بـ”أن الحرب ضد طهران محددة من قِبل المسيح” ومن تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، في السياق ذاته، أثناء مؤتمر صحفي عُقد في البنتاغون: قال: “إن الأنظمة المجنونة مثل إيران المتشبثة بأوهام النبوءات الإسلامية لا يمكن السماح لها بامتلاك أسلحة نووية”، أن إسرائيل أقنعت ترمب بخطتها للتمهيد لإسرائيل الكبرى وعودة المسيح.
خلاصة القول: إذا استمر هذا الحشد على هذه الشاكلة وانتشرت مثل هذه الأفكار التلمودية والمسيحية المتطرفة، فإن بوصلة العالم ستتجه نحو خطابًا دينيًا متطرفًا ينتشر مثل النار في الهشيم لا سيما إذا كان هذا الانتشار بين القادة العسكريين وسنشهد مزيدًا من إراقة الدماء في عالم لا تحكمه سوى لغة القوة وفي ظل غياب أو تغييب الشرعية والقوانيين والمواثيق الدولية.
وفي المقابل ترى إيران أيضًا أن الحرب الحالية هي حرب وجودية للنظام الإسلامي في إيران وهي بالفعل كذلك، وهم على يقين أن أمريكا وإسرائيل تنتهج معهم سياسة الأرض المحروقة، لذاربما يأتي قائدًا جديدًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُفتي بما حرمه القائد السابق آية الله علي خامنئي بحرية تصنيع القنبلة النووية، لتكون عاملًا للردع، أو يغير الحرس الثوري عقيدته العسكرية ويصنع القنبلة النووية خلال بضعة أيام إذا كان بالإمكان ذلك. على أي حال كلا الخصمين يرى أنه في حرب مقدسة طرف يفرضها وفقا لأفكاره المتطرفة وآخر يدافع عن بقائه.
نصيحتي أن يتجهز العالم الإسلامي ويعد نفسه جيدًا بالوحدة والفكر لمواجهة موجة أو طوفان من التشدد والتطرف الديني الغربي… لذا ينبغي أن تكون راية بلاد العرب والإسلام شعارها الآية القرآنية:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران:103.]
إذا كان هناك من يعي ومن له عقل رشيد في منطقتنا.