مجدى طنطاوى يكتب.. حين تشتعل الحرائق قد يكون الابتعاد حكمة

في أزمنة الاضطراب الكبرى، حين تتصاعد النيران في أكثر من اتجاه، وتتشابك المصالح والصراعات، لا تكون الحكمة دائمًا في الاندفاع لإطفاء كل حريق يشتعل. أحيانًا يكون التروي والابتعاد المؤقت عن قلب المعركة هو القرار الأكثر حكمة ومسؤولية. وفي ظل ما تشهده المنطقة اليوم من اشتعال متزايد في بؤر الصراع، قد يكون من الضروري أن تعيد مصر حساباتها بدقة، وأن تختار متى تتدخل ومتى تنشغل ببناء قوتها الداخلية.
مصر ليست دولة عابرة في الإقليم، بل هي دولة مركزية في العالم العربي، وكل خطوة تخطوها لها تأثير واسع؛ لذلك فإن اندفاعها في كل أزمة، أو تورطها في كل صراع، قد يستهلك طاقتها ويبدد قدراتها في معارك لا تخدم بالضرورة مصالحها الاستراتيجية. فالدول الكبرى لا تتحرك بردود الأفعال، بل وفق حسابات دقيقة توازن بين المسؤولية الإقليمية ومصالحها الوطنية.
المنطقة العربية اليوم تشهد حالة من السيولة السياسية غير المسبوقة؛ صراعات مفتوحة، وتنافس دولي محتدم، وتحالفات تتغير بسرعة. وفي مثل هذا المشهد المضطرب، فإن الانخراط غير المحسوب قد يحول الدولة من طرف قادر على التأثير إلى طرف مستنزف في صراعات طويلة ومعقدة.
من هنا قد يكون من الحكمة أن تنشغل مصر في هذه المرحلة بتعزيز جبهتها الداخلية، وتقوية اقتصادها، وبناء قدراتها العلمية والصناعية والعسكرية؛ لأن الدول التي تبني قوتها في أوقات الفوضى هي التي تمتلك زمام المبادرة عندما تهدأ العواصف.
الانشغال بالبناء الداخلي لا يعني الانسحاب من الدور الإقليمي أو التخلي عن المسؤولية التاريخية، بل يعني إدارة هذا الدور بذكاء. فالدولة القوية هي التي تعرف متى تتقدم، ومتى تتريث، ومتى تتدخل، ومتى تكتفي بالمراقبة الاستراتيجية حتى تتضح ملامح المشهد.
لقد دفعت المنطقة العربية في العقود الماضية ثمنًا باهظًا نتيجة التسرع في الانخراط في صراعات معقدة، بينما كانت بعض القوى الدولية تكتفي بإدارة المشهد من بعيد؛ ولذلك فإن التعلم من دروس التاريخ ضرورة حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها.
إن مصر، بحكم موقعها وتاريخها وثقلها الحضاري، تظل ركيزة أساسية للاستقرار في المنطقة، لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب أحيانًا قدرًا من الصبر الاستراتيجي والقدرة على قراءة المشهد بعمق، بعيدًا عن ضغوط اللحظة.
فحين تشتعل النيران في كل الاتجاهات، قد لا يكون المطلوب دائمًا هو الإسراع إلى قلب الحريق، بل أحيانًا يكون المطلوب هو حماية البيت أولًا، وتقوية الجدران، والاستعداد للحظة التي يمكن فيها إطفاء النار بحكمة وقوة دون أن يمتد لهيبها إلى الداخل.
إن الدول العاقلة لا تنجرف مع كل عاصفة، بل تنتظر اللحظة المناسبة لتتحرك بثقة. وربما تكون هذه هي اللحظة التي تحتاج فيها مصر إلى التركيز على البناء وتعزيز قوتها الشاملة، حتى تظل قادرة على أداء دورها عندما يحتاجها التاريخ من جديد.