القاهرة لن تسمح بعودة الجماعة الإرهابية في «مستقبل الإخوان في مصر».. (عرض كتاب)

يقدم كتاب “مستقبل الإخوان في مصر” رؤية تحليلية لواقع ومستقبل جماعة الإخوان ومدى قدرتها على الصمود فى الوقت الذي خسرت فيه كل مقومات البقاء. ومن خلال مطالعات المؤلف الدكتور محمد شومان أستاذ الإعلام، وعميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية فى مصر للأدبيات الإخوان تبين الجمود الفكرى والسياسى لتلك الجماعة، واهتمامها بالتنظيم والتمويل على حساب التجديد فى الأفكار والبرامج والسياسات، وهو ما نتج عنه في  النهاية فشل الجماعة فى حكم مصر، مسترسلًا خلال صفحات كتابه، أن الجماعة استطاعت اختطاف نتائج ثورة 25 يناير 2011 بعد حصد أغلبية أصوات الناخبين فى الانتخابات البرلمانية لعام 2011، والرئاسية لعام 2012 من خلال توظيف الإسلام فى السياسة وادعاء المظلومية التاريخية، وبعد أن سيطروا على الحكم حاولوا تطبيق سياساتهم للهيمنة والاستحواذ من أجل أخونة مؤسسات الدولة والمجتمع.

وناقش شومان خلال كتابه -الذي طبع من القطع الصغير، ويضم بين دفتيه 188 صفحة، تحتوي تلك الصفحات على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة- موضحا أن”الشعب بعد ما استطاع الإطاحة بحكم الإخوان فى ثورة 30 يونيو2013 أصيبت الجماعة بصدمة هائلة، ودفعتهم إلى حالة من إنكار الواقع ومقاومته من خلال ممارسة العنف والإرهاب، وشن حروب دعائية تفتقر للدقة والمصداقية.

ويكشف “شومان” أن الشعب المصري حرم الإخوان كحركة سياسية من الحاضنة الاجتماعية التي كانت تدعمهم وتتعاطف معهم، حيث واجهت الجماعة وفقا للمؤلف أزمة غير مسبوقة فى تاريخها وصدامات متعددة مع مؤسسات الدولة، حيث وقف معظم المصريين ضد أطماعها، كما تم تصنيفها كجماعة إرهابية من جانب الدولة المصرية ومعظم الدول العربية.

 وتطرق شومان إلى الحديث عن الأزمة الهيكلية للجماعة التي تعمقت على مستوى الجمود الفكري، والتنظيمي، والسياسي ثم الفشل في التأثير على الرأي العام المصري، الذي اكتشف حقيقته أن الإخوان وهم في الحكم كجماعة سياسية توظف الإسلام ولا تهتم بمشكلات الشعب أو أولوياته الديمقراطية والعدالة والأمن القومي، لذلك خرج معظم المصريين في 30يونيو، ووقفوا إلى جانب  الجيش في رفض الإخوان والتصدي لخططهم التخريبية، مؤكدًا خلال صفحات كتابه، أن موقف الشعب المصري حرم الإخوان كحركة اجتماعية وسياسية، من الحاضنة الاجتماعية التي كانت تدعمهم أو تتعاطف معهم، عليه  تعد مواجهة الإخوان أزمة غير مسبوقة في تاريخهم.

وأكد المؤلف أنه لأول مرة في تاريخ صداماتهم المتعددة مع مؤسسات الدولة يقف معظم المصريين ضد الإخوان، وفي الوقت نفسه اعتبرتهم الدولة المصرية والدول العربية جماعة إرهابية، بذلك فشلت محاولات الإخوان في مقاومة الحكم الجديد في مصر سواء من خلال الإنكار والتظاهر السلمي أو ممارسة العنف والإرهاب، لأن الحكم الجديد بقيادة الرئيس السيسي اكتسب شرعية من الحراك الشعبي الهائل في 30يونيو، ثم دستور 2014، والانتخابات الرئاسية عام 2014.

 معتبرًا أن هذا الفشل المتعدد الوجوه والمستويات تفاعل مع الجمود الفكري والتنظيمي للإخوان، مما أسفر عنه خلافات وانشقاقات عديدة داخل الجماعة؛ لأسباب مختلفة بعضها سياسي وبعضها مالي وإداري وتنظيمي أو شخصي، وعمق من هذه الخلافات والصراعات ارتماء أطراف الصراع الإخواني الداخلي في أحضان تركيا وقطر، ومن ناحية أخرى في أحضان الجماعات الإرهابية المتشددة التي تواجدت في سيناء وداخل مصر لمدة، موضحًا أن بعض العناصر من الإخوان تعاونت مع تلك الجماعات، وشكل البعض الآخر جماعات إرهابية، كنوع من رد فعل على فشل الجماعة الأم؛ فيما سبق يتبين دلالة واضحة وإثبات جديد على أن الإسلاموية الإخوانية هي المدرسة التي فرخت –وما تزال- كل عناصر التطرف الإرهاب الإسلاموي.

وأوضح، أن الإخوان اعتمدت على خطاب حسن البنا في عديد من سماته الهيكلية التي اتصفت بالجمود وغموض وتركيز على التنظيم والوحدة والتماسك، إضافة إلى البراجماتية الشديدة؛ مما أدى إلى فشل خطاب الإخوان لما يتصف بالجمود وتناقضاته، كذلك إنكاره للواقع المتغير من حول الجماعة أدى إلى فشلهم في حكم مصر وثورة الشعب والجيش عليهم في 30يونيو 2013.

كما أسقط  المؤلف خلال صفحات كتابه على التحليل المركز  لخطابات حسن البنا الإعلامية والدعائية ومدى تأثيرها على جماعته، لأسباب كثيرة، أهمها:

(*) أن الخطاب الإعلامي– الدعائي للإخوان هو نفسه خطاب جماعة الإخوان، فالأول يجسد الثاني ويتبعه بشكل كامل، غير أن الخطاب الإعلامي والدعائي يظل أكثر برجماتية وغموضًا من خطاب الجماعة الداخلي.

(*) إذن خطاب حسن البنا كان خطابًا دعويًا دعائيًا إعلاميًا من الطراز الأول؛ فالرجل لم يكن مفكرًا إسلاميًا، أو صاحب اجتهادات فقهية مهمة.

متطرقًا خلال عرضه لتلك النقطة السابقة، لوصف مؤسس الجماعة، قائلًا فيه: ” كان رجل حركة وتنظيم وحشد، وقد امتلك مهارات اتصالية وإعلامية عالية مكنته من إنتاج خطاب دعائي – إعلامي مؤثر للغاية في أعضاء جماعته وأنصاره والمتعاطفين معه، كما كان البنا يمتلك تصورًا واضحًا لدور الصحافة والاتصالات المباشرة في الدعوة الجماعية وكسب الأنصار تأثر فيها بالرؤية الشمولية الإدماجية للدعاية والإعلام كما مارستها النازية والشيوعية في عصره”.  برغم من تطور تكنولوجيا الاتصال وامتلاك الجماعات لعشرات المدونات والصفحات الإخبارية على الإنترنت واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الخطاب الإعلامي – الدعائي لجماعة الإخوان ظل يتبع رؤية البنا، حيث يُعد هذا سبب رئيسي من أهم أسباب جمود وفشل الخطاب الإعلامي والدعائي.

(*) اعتماد الجماعة بشكل كبير على الأنشطة الدعائية والإعلامية بعد عودتهم الثانية أو ميلادهم الثاني في منتصف السبعينيات عندما سمح الرئيس السادات بعودتهم من الخارج. ومن هنا نلاحظ الاهتمام الكبير بالأنشطة الإعلامية والدعائية، التي تمحورت في بداية عودتهم حول مجلة (الدعوة) التي  جسدت خطاب الإخوان وروجت له من دون أي تجديد حقيقي، أو إضافة سوى التوسع في الترويج لفكرة المظلومية التاريخية على الإخوان كجماعة تعرضت لمحن ومطاردات في العصر الملكي ثم في عهد عبد الناصر والسادات.

(*) إن الخطاب الإعلامي – الدعائي للإخوان يجسد موقعها من انتفاضه 25 يناير ومنهجها البرجماتي في التعامل مع الأحداث. كما أكد المؤلف، أن المثير عند الجماعة منهجها البرجماتي، الذي مكنها برغم جمودها الفكري وشيخوخة مكتب الإرشاد، من تبني وسائل التواصل الاجتماعي في بث وترويج خطابها، إضافة إلى وسائل الإعلام التقليدية وشبكات الاتصال المباشر، مؤكدًا على فشل خطاب الإخوان الذي جسده خطابهم الإعلامي الدعائي في التأثير بالرأي العام أثناء حكم الإخوان وبعد 30 يونيو، على الرغم من دعم قنوات الجزيرة وإطلاق قنوات فضائية وإطلاق حرب شائعات ممنهجة ضد الحكومة.

وأكد شومان، أنه بغض النظر عن النقاشات النظرية حول الإعلام والدعاية؛ فإن هناك مؤشرات كثيرة مدعومة بأدلة من الممارسات الإعلامية والدعائية للإخوان، تؤكد أنهم كانوا دائمًا أبعد عن تحقيق الحد الأدنى من القواعد المهنية في نقل الأخبار والمعلومات أو حتى نقل الآراء؛ ذلك يرجع إلى أن خطاب الجماعة هو خطاب أيديولوجي دعوي منغلق على نفسه لا يقبل الآخر، وغير مستعد لمراجعة قناعاته الفكرية عن المؤامرة الغربية – الصليبية- الشيوعية ضد الإسلام وجماعة الإخوان وعن المظلومية التي يعاني منها الإخوان، وبالتالي ادعاء دور الضحية.

وتناول الكتاب خلال صفحاته المفهوم الثاني (للإسلامية)؛ فيستخدم في كثير من الدراسات لوصف عملية توظيف وانتحال بعض الجماعات الحديثة “باسم الإسلام”، وكأنهم هم المسلمون وغيرهم ليس كذلك، موضحًا ما يعنيه هذا المفهوم: “إن الإسلاموي هو الشخص أو الجماعة التي تدعي تجسيد الإسلام، وأن الأغيار عنه سياسيًا أو فكريًا أو تنظيمًا ليسوا بمسلمين، وفي بعض السياقات كافرين”، مشيرًا إلى تعريف محمد أركون للخطاب الإسلاموي في كتابه (أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟)، باعتباره يركز على الجانب السياسي ولا يميز بين الأهداف السياسية والقيم الفكرية والشروط العلمية والأخلاقية والدينية، التي يمتاز بها الإسلام”.

كما قدم المؤلف رؤية لمواجهة أيديولوجيا الإخوان؛ لأنه لا يمكن مواجهة خطابهم وتقليص حضورهم الاجتماعي والسياسي من خلال القوانين والإجراءات الأمنية والمحاكمات فقط، إنما لابد من التنمية بالمفهوم الشامل والمتكامل والذي يعني المواطنين، وتعليم حديث متطور، ونظام ديمقراطي، ونظام صحي متقدم، وإعلام تعددي، وثقافة حديثة منفتحة على مختلف ثقافات العالم. ولابد أيضًا أن يصاحب المشروع التنموي الشامل تجديد في الخطاب الإسلامي، مع طرح معاصر لأيديولوجيا وطنية تؤكد هوية مصر وعروبتها وانتمائها للثقافة الإسلامية.

وافترض شومان فرضيتين حول استشراف مستقبل جماعة الإخوان خلال السنوات العشر القادمة، الأولى: المتمثلة في قوة مؤسسات الدولة المصرية ونجاحها في إنجاز مشروعات التنمية وخفض معدلات الفقر والتهميش الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي، هي شروط بالغة الأهمية في تحديد سيناريوهات مستقبل جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات الإسلاموية، موضحًا أن من شأن نجاح مشروعات التنمية تجفيف البيئات الحاضنة لخطابات الجماعات الإسلاموية.

والافتراضية الثانية: تبين أن كل السيناريوهات المتوقعة لمستقبل مصر أو جماعة الإخوان خلال السنوات العشر وربما العشرين القادمة لا يمكن أن تسمح مصر بعودة الإخوان، كما عادوا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، كما لن تسمح باستعادة قوتهم وأنشطتهم ومشاركتهم المراوغة في البرلمان والنظام السياسي والحياة الاقتصادية التي كانت عليها أيام حكم مبارك، لأن الظروف الاجتماعية والسياسية تغيرت داخل مصر والمنطقة العربية، حيث جرب المصريون فشل وجشع الإخوان وهم في الحكم.

عليه، يؤكد المؤلف أنه لا يمكن تصور أو توقع عودة الإخوان، موضحًا أن تحققت المأساة عندما عاد الإخوان إلى العمل السياسي والدعوي في عصر السادات وتنامت قوتهم في عصر مبارك، وصولًا إلى قمة المأساة عندما تسلموا مقاليد حكم مصر؛ بالتالي فإن أي عودة للإخوان مرة أخرى إلى المجال العام في مصر في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين ستكون بمثابة مهزلة.

وأسقط المؤلف الضوء على رؤية جماعة الإخوان للصحافة والإعلام، قائلًا في ذلك: ” إن رؤية الجماعة للصحافة والإعلام جاءت قاصرة ومحدودة وغير قابلة للتطبيق، بما يضمن حرية الإعلام وتفعيل دوره في المجتمع وتقترب هذه الرؤية من مفهوم ومكونات المخطط العام للسيطرة والهيمنة على الإعلام، وتحويله إلى أداة دعوية دعائية لصالح الجماعة، وهو ما يتعارض  مع القواعد المهنية في الإعلام ورغبة الإعلاميين في تناول قضايا المجتمع والناس بحرية، بعيدًا عن قيود التوجيه والرقابة”. مستنتج من ذلك أن الجماعة تبنت نموذج الإعلام السلطوي خلال حكم محمد مرسي ومكوناته المادية وقوانينه الموروثة عن حكم مبارك. كما أكد  أن الإعلام متغير تابع في معظم الأحيان لتقلبات السياسة العربية، هذا يعني إن معظم الأنظمة السياسة العربية وتركيا تتحكم في الإعلام التقليدي (صحافة – إذاعة وتليفزيون) وتديره بما يتوافق سياستها الداخلية والخارجية.

وفي هذا الإطار، أكد المؤلف أن قنوات وخطابات الإخوان الدعائية قد تختفي في حال أن تتغير المصالح والسياسات في قطر وتركيا، اللتين تقدمان دعما سياسيًا وماليًا وإعلاميًا ودعائيا لجماعة الإخوان الإرهابية.

وتناول المؤلف خلال كتابه “مستقبل الإخوان في مصر”  الصدام والصراع بين جماعة الإخوان والدولة المصرية، موضحًا أن الجماعة حاولت إنكار الواقع وتكرار لعب دور الضحية والمظلومية، وهو الدور الذي أجادوا القيام به منذ العصر الملكي، لكنهم فشلوا بامتياز، لأنهم كانوا يقومون بأعمال إرهابية ضد مؤسسات الدولة وكانت تسبب المعاناة لأغلبية المصريين مما يعني أن المحنة أو المظلومية التي يتحدث عنها الإخوان في مواجهة الدولة المصرية عبر أكثر من 70 سنة لم تنتج الآثار نفسها التي وظفتها الجماعة لمصلحتها في الصدامات التاريخية السابقة مع الدولة؛ فغالبية المصريين ضد الإخوان وماتزال.

وأشار إلى أن فشل وعزلة الجماعة في الفترة الأخيرة؛ ولدًا مناخًا داخل الجماعة شجع على الاختلاف والصراع، وتغيير موقف الشارع اتجاهم، مما تسبب تفاقم صراعات داخلية لدى الجماعة. كذلك ظهرت على السطح انقسامات عديدة وعلى مستويات مختلفة، شارحًا النتائج المترتبة على ذلك المتمثلة في هدم وحدة الجماعة وتماسكها.

وأشاد بجهود الدولة المصرية في محاربة الفقر وتحقيق التنمية، ويعتبر ذلك  التحدي الأهم الذي يمكن للدولة من تغيير البيئة التي كانت تنشط فيها جماعة الإخوان وغيرها من جماعات الإسلام السياسي، موضحًا أن تلك الجماعات دائمًا تنشط في الأحياء الفقيرة والمهمشة.

ويقول المؤلف: “إنه بالبرغم من فشل الجماعة وهي تعمل من خارج مصر في التأثير على الرأي العام المصري مهما توافرت لها من قنوات فضائية ووسائل دعائية لاسيما وأن ما قدمته من خطابات إعلامية ودعائية منذ 30يونيو وحتى اليوم افتقر إلى الصدق، إلا أن هدف العودة إلى مصر، والعمل بين الناس، هو ما يحرك الجماعة ويشكل أهم أهدافها في السنوات القادمة، لكن أي عودة للجماعة أو لبعض من عناصرها، حتى وإن اختلفت مسميات وأشكال هذه العودة رهن بإدارة الحكومة المصرية والاشتراطات التي قد  تضعها. إضافة إلى مستقبل التنمية في مصر خلال السنوات العشر القادمة، وقوة مؤسسات الدولة وديمقراطيتها.

وأكد الكاتب أن الجماعة ستختفي، لكن قد تظهر طبعات منها بأسماء جديدة أو بأفكار متقاربة مع أفكار الإخوان أو بعيدة عنها، ويشير إلى التاريخ الذي يثبت أن هناك العديد من الأحزاب والجماعات التكفيرية والإرهابية قد ظهرت من عباءة الإخوان سواء خارج مصر، أو داخلها مثل (حزب التحرير الإسلامي)، و(الجماعة الإسلامية)، و(تنظيم الجهاد)، و(القاعدة)، و(الدولة الإسلامية)، وغيرها.

وتطرق المؤلف إلى مواجهة تلك الجماعات الإرهابية، المتمثلة في المواجهة الفكرية التي تتطلب تحليل ونقد أفكار وأطروحات تيار الإسلام السياسي من منظورات متعددة (دينية وسياسية وثقافية اجتماعية وتاريخية)، لاسيما وأن الجماعات الإسلاموية تقدم رؤية شمولية تتسم بالتعميم والسطحية وإدعاء الحديث باسم الإسلام. كما يشير إلى الشعبوية في فكر وسلوك جماعات التأسلم السياسي انطلاقًا من فرضية أن الجماعات الإسلاموية جزء من ظاهرة الشعبوية، أو أحد تجلياتها في مصر والعالم.

 كذلك تطرق إلى التحليل النقدي لبعض نماذج من القراءة المشوهة للتاريخ الحديث لمصر والوطن العربي والعالم الإسلامي والتي يقدمها خطاب الإخوان للتاريخ، حيث طرح تساؤلا.. كيف أنهم يؤمنون بأن التاريخ هو نتاج لمؤامرات ومواجهات دينية بين الإسلام والمسيحية، وهي رؤية اختزالية للتاريخ وللصراع الدولي والعلاقات بين الدول؟

علاوة عما سلف، ناقش الكتاب إمكانية وجدوى إعادة طرح الوطنية كبديل أيديولوجي في مواجهة الإسلاموية ودولة الخلافة الإسلاموية وأطروحاتها العابرة للوطنية والمبشرة بدولة الخلافة الإسلاموية. وذكر: “إن القومية والعروبة كانت في الخمسينيات والستينيات هي البديل المطروح في مواجهة الحلم الإسلاموي بدولة الخلافة والدولة الإسلاموية فوق القومية. كما كانت العروبة والقومية العربية أيضًا هي البديل الأيديولوجي لمواجهة الحلم الماركسي لإقامة دولة العمال أو الدولة الاشتراكية فوق القومية، لكن بعد تعثر التجارب القوموية العربية انقلب الفكر العربي المعاصر عائدا للوطنية.

 وتوصل شومان خلال كتابه إلى أن الحركات الإسلامية تأثرت بالأيديولوجية الكبرى التي عرفتها البشرية في القرن العشرين، مثل الليبرالية والقومية والفاشية والماركسية علاوة على الطبعات الأيديولوجية القومية التي سادت الفضاء العربي منذ الخمسينيات من القرن الماضي كالبعث والناصرية.

وأكد “شومان”، أن جماعة الإخوان ستنتهي أو تختفي من مصر وقد تظهر جماعات متنافسة تحاول ادعاء شرعية الإخوان أو تصوير نفسها كامتداد لفكر وخطاب الإخوان، وقد تظهر جماعات إسلاموية جديدة تعيد صياغة أفكار خلط الدين بالسياسة وتوظيف الدين في السياسة، وفي كل الأحوال وأيًا كانت سيناريوهات المستقبل التي ستتحقق فإنه لا بد من مواجهة الأفكار الإسلاموية والجماعات الإسلاموية من خلال التأكيد على الطابع المدني الحديث للدولة المصرية وأنه لا مكان للدين في السياسة؛ لأن الأديان وتحديًدا الإسلام والمسيحية في مصر هما من عند الله، وكل المصريين، سواء مسلمين أو أقباط هم مواطنون ولا يمكن لأي جماعة دعوية أو سياسية ادعاء الحديث باسم الإسلام أو المسيحية.

 موضحًا أنه بلا شك أن مواد الدستور والقانون والسلطة القضائية، هي الآليات المتعارف عليها في الدول الوطنية الحديثة لصيانة مدنية الدولة والتصدي لمن يحاول  تسييس الدين. وبداية لا بد من تأكيد استقلالية الهيئات الدينية (الأزهر- الكنيسة) عن الحكومة وعدم تورطها في  السياسة على أي نحو؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف السياسة، وفي الوقت نفسه التقليل من قدسية الدين، عندما يوظف في صراعات السياسة وتقلباتها تبعًا للمصالح والأهواء. كذلك لابد من مناقشة العلاقة بين الدين والسياسة لكي نضع الحدود والضوابط بينهما.

ويجيب الكتاب بوضوح أن مصر لا تصبح دولة علمانية؛ لأن الإسلام يخاطب الفرد والمجتمع وينظم الحياة في كل جوانبها، لكنه لا يؤسس نظامًا حكومة إسلامية، أو يسمح لفرد أو المؤسسة الحكم باسم الإسلام، بينما تضع الشريعة حدودًا للعلاقة بين العام (المجتمع)، والخاص (الفرد). مؤكدًا أن معنى العلمانية لا تعني الإلحاد أو الإباحية  ولا يمكن أن نفصل الدين سواء الإسلام أو المسيحية عن السياسة أو ننفي الدين من المجال العام، لكن لابد من تحديد ملامح وحدود هذا الحضور، وأشكاله وآليات تأثيره في المجتمع، وفي السياسة وبما لا يتعارض مع مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان، والممارسة الديمقراطية في عصر العولمة.

وفي السياق يمكن القول: “إن دستور2014، وقانون الأحزاب وغيره من مواد القانون تؤكد مدينة الدولة وتحول دون الخلط بين العمل الدعوي والسياسي، كما تحول دون تأسيس الأحزاب على أساس ديني ، لكن الأهم هو تفعيل مواد الدستور والقانون، بالتوازي مع حركة تجديد الخطاب الديني الإسلامي وللثقافة الإسلامية، بهدف ترسيخ قيم التنوع والتعدد واحترام الآخر، وإعمال العقل وعدم اكتفاء بمجرد النقل الميكانيكي لشروح  وتفيسرات لفقهاء عظماء في عصرهم والنظر للدين في ضوء المستحدثات وتقديم فقه جديد يستوعب حقائق ومتغيرات القرن الواحد والعشرين”.

جدير بالذكر، صدر”مستقبل الإخوان في مصر” ضمن إصدارات دار المعارف (سلسلة اقرأ)، العدد ٨١٧ إبريل ٢٠٢١، ويُعد المؤلف واحد من المفكرين المتعمقين فى المجالات السياسية والاجتماعية والإعلامية المرتبطة بالشئون المصرية والعربية، ويتمتع برؤية نقدية فى الشأن العام. وحصل على العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها جائزة الدولة للتفوق فى العلوم الاجتماعية لعام ٢٠١٧. وصدر له ٢١ كتابًا مؤلفًا عشرات البحوث والدراسات فى الدوريات العلمية المحكمة، فضلا عن مئات المقالات النقدية فى الصحف المصرية والعربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى