بعد إعلان فوزه.. ما هي التحديات التي تنتظر الرئيس الإيراني الجديد؟

في ساعات مبكرة من صباح يوم 19 يونيو الجاري أعلن التليفزيون الإيراني عن نتائج أولية غير رسمية للانتخابات الرئاسية الإيرانية التي جرت قبل هذا التاريخ بوقت قليل، تضمنت فوز رئيسي بنسبة 62%، ومشاركة نحو 28 مليون ناخباً من إجمالي 59 مليون.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن، يوم 18 يونيو 2021 يعد هو اليوم الأطولَ في تاريخ الانتخابات الإيرانية بعد أن مددت طهران للمرة الثالثة موعد إغلاق صناديق الاقتراع بسبب عزوف الإيرانيين عن الإدلاء بأصواتهم، تم هذا الإجراء وسط تضارب المعلومات حول نسبة الناخبين المشاركين، فبينما تقول وسائل إعلام رسمية إن النسبة مرتفعة، تؤكد المعارضة الإيرانية وجود مقاطعة شعبية كبيرة، تلك هي دهاليز السياسة الإيرانية وتضاريسها المتعرجة.

ومع أن فوز “رئيسي” كان متوقعاً وسهلاً باعتباره وفقاً للمراقبين رئيس معين بالانتخابات الرئاسية، إلا أن مهمته لن تكون سهلة بالمرة، فهناك تحديات تنتظره، بدءاً من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الداخلي، مروراً بالأزمة الصحية التي ضربت البلاد بسبب انتشار وباء كورونا، وصولاً إلى الملف النووي والمفاوضات مع الولايات المتحدة بشان علاقات إيران وسياستها الخارجية، خصوصاً مع دول الجوار.

من هو رئيسي؟

ولد سيد إبراهيم رئيسى الساداتي، المعروف باسم إبراهيم رئيسي، في 14 ديسمبر 1960، في حي نوغان القديم في مدينة “مشهد” عاصمة محافظة “خراسان رضوى”، كان والده رجل دين من منطقة “دشتك” في مدينة “زابُل” بمحافظة “سيستان وبلوشستان”، عاش في مشهد وتوفي عندما كان إبراهيم في الخامسة من عمره، دخل رئيسي الحوزة الدينية في قم قبل الثورة بفترة وجيزة، وكان حينها في سن الخامسة عشرة، وهناك تتلمذ العلوم الدينية على يد أشخاص مثل على مشكيني، وحسين نوري همداني، ومحمد فاضل لنكراني، وأبو القاسم الخزعلي، ومحمود هاشمي شهرودي.

أما عن أخر منصب تقلده رئيسي، فهو رئيساً للسلطة القضائية، حيث عين في عام 2018 بدلاً من لاريجاني في رئاسة السلطة القضائية، ولا يزال في هذا المنصب ولم يستقل من منصبه رغم ترشحه للانتخابات الرئاسية. بالإضافة إلى وجوده عضواً في مجلس خبراء القيادة منذ عام 2006، وهو يشغل في هذا المجلس الذي يختار الولي الفقيه- أي خليفة المرشد، كما أنه في الوقت الراهن يشغل منصب النائب الأول للرئيس في المجلس، ويشار إليه كأحد المرشحين لمنصب الولي الفقيه بعد خامنئي.

لماذا تم المجيء برئيسي للسلطة؟

يعد المرشد الأعلى، أقوى نفوذ سياسي في إيران، وتشمل صلاحياته تعيين رؤساء الجهاز القضائي والجيش ووسائل الإعلام الرئيسية، إضافة إلى موافقته على تولي رئيس الجمهورية المنتخب مهام عمله، وفي الوقت الحالي أعدت إيران خياراً واحداً فقط للخلافة، إبراهيم رئيسي رئيس السلطة القضائية، ظاهرياً إذا كانت العقبة هي مفهوم توريث السلطة، يستطيع “مجتبى خامنئي” ابن المرشد الطامع في القيادة مكان أبيه علي خامنئي، والذي يخطط أنه سيعمل مثل أحمد الخميني متابعة “القيادة في الظل”، وبهذه الطريقة يكون إبراهيم رئيسي هو القائد، لكن عملياً “مجتبى” بيده السلطة الحقيقة، ويعيق تنفيذ هذا عدم قدرة إبراهيم رئيسي على إظهار الحد الأدنى من القدرة على الجلوس في نافذة القيادة، مثل أن يكون بليغاً بقدر مقبول، وألا يكون خائفاً وقت الحديث، وأن يكون لديه كاريزما وقادر على إظهارها، ولا يمتلك رئيسي أياً من تلك الصفات.

 أما البعد  الأخر لتنفيذ لتنفيذ سيناريو القيادة في الظل، فهو أن مجتبى خامنئي تعلم الدرس من والده، بأن القوة بلا منازع لا تتوافق مع “الشراكة”، لذلك، الشخص الذي سيجلس على كرسي القيادة وبعد الاستقرار التام له في منصبه يمكن أن يقضي على الشركاء بتدوير القلم، وهو الأمر الذي فعله أبوه مع شركائه، حيث تعد الانتخابات الرئاسية هي الأولى في سلسلة أحداث كانت نقطة تحوّلها موت خامنئي وتعيين قائد مستقبلي، ما مصير الجمهورية الإسلامية بعد وفاة خامنئي؟ خامنئي نفسه أكثر اهتماماً بالحفاظ على إرثه أكثر من أي شخص آخر، وهو يفكر في هذا السؤال، وهو ما يفسر لماذا كان رئيسي مرشح المرشد للرئاسة.

سيطرة رئيسي:

كان إبراهيم رئيسي قبل انطلاق الحملات الانتخابية أحد الخيارات للقيادة المستقبلية لإيران، حتى إن البعض اعتقد أن إطاحة شخصيات سياسية على نطاق واسع في الانتخابات، جاء بهدف جعله الرئيس بلا منازع، لكي يكون مهيأ بعد ذلك لتولي منصب المرشد، ولكن أظهرت الحملات الانتخابية الرئاسية ضعفه وعجزه، عن طريق مشاركته الضعيفة في اللقاءات التلفزيونية، وأخطائه اللغوية المتكررة، وتوتره في المناظرات التلفزيونية. ويمكن القول إن أيام الدعاية كانت وقتاً مروعاً لمن يرى نفسه في عباءة القيادة.

وكان “صادق لاريجاني”، ضمن المرشحين الذين قد يتولون منصب المرشد، لكنه دخل في صراع مع رئيسي. إذ توجه إلى القضاء لفضح جزء من فساده وفساد مرؤوسيه في القضاء، لكن جميع وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، التي لا يمكن حشدها إلا للمرشد، اصطفت لدعم إبراهيم رئيسي، ووضعته في دور “سيد المحرومين” و”نصير المظلومين”، و”محقق العدالة”، وذلك لضمان استمراره في الانتخابات الرئاسية من دون إزعاج، فقد تم قِبل مجلس صيانة الدستور الإطاحة بأي شخص كان أكثر بلاغة أو سياسة  من رئيسي، فعلي لاريجاني شقيق صادق لاريجاني اصطدم مع إبراهيم رئيسي وغادر السباق، وإذا جرى فعل كل ذلك لأجل منح إبراهيم رئيسي الحد الأدنى من الشرعية لتولي منصب المرشد المقبل.

تحديات داخلية منتظرة:

الطريق ليس سهلاً وتحديات جمة تنتظر الرئيس الجديد، حيث تشهد إيران عزلة دولية وإقليمية وسيواجه الرئيس الإيراني تحديات داخلياً، يعد أهمها، هو الأزمات الاقتصادية المتراكمة منذ عام 2018، وهو تاريخ انسحاب الولايات المتحدة بشكل أحادي من الاتفاق النووي، وإعادة فرضها عقوبات اقتصادية على طهران، إضافة إلى تفاقم أزمة وباء كورونا في البلاد، ما أدى إلى تدهور الوضع المعيشي بشكل كبير.

وعلى ما سبق، يمكن يٌطرح تساؤلات ونجيب عليه، وهو: هل يستطيع رئيسي انقاذ انهيار الاقتصاد؟

لقد جاء الوضع الاقتصادي كأبرز بند خلال مناظرات المرشحين الرئاسيين في إيران نتيجة لسوء الوضع، وكان رئيس غرفة التجارة الإيرانية غلام حسين شافعي، أعلن أن “حصة إيران في الاقتصاد العالمي تقلصت إلى النصف على مدار الأعوام الـ 40 الماضية (منذ بداية الثورة الإيرانية)، وفي السنوات الخمسة الأخيرة، شهت شبه انهيار للاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات، وارتفاع مشكلات البطالة والتضخم، وتحديث البنى التحتية، وكذلك ما يتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية لتطوير المنشآت النفطية، ويتعيّـن على رئيسي الاستعانة بفريق من الخبراء الاقتصاديين، لحل تلك المشكلات، رغم أنه شخصياً لا ينسجم كثيرا مع تحرير الاقتصاد، وفتح أبواب إيران الخارجية.

وهناك تحدٍّ أخر مهم ينتظره الرئيس، وهى العلاقة الحتمية بين السياسة والاقتصاد، خاصة وأن أي تغيير في الواقع الاقتصادي الإيراني يجب أن يسبقه قرارات سياسية تصالحية مع حجم وأدوار إيران الإقليمية والدولية، لفك العزلة عنها، وهو أمر غير متوفر تماماَ في منهجية رئيسي، فهو يمزج في برنامجه وخطابه السياسية بين الشعارات الوطنية العليا وخطابات المواجهة والتحدي للقوى الإقليمية والدولي بطريقة لا واقعية، هذا إلى جانب افتقاده لأية خبرة أو رؤية في مجال الأداء الوظيفي الاقتصادي، بالإضافة إلى التأثير الكبير لفيروس كورونا على الاقتصاد الإيراني.

كما يعد ملف القوميات من الملفات المهمة التي تنتظره، حيث تتألف إيران من ست قوميات قد تثير قلقاً بعد موجة الاضطرابات السابقة التي شهدتها الأهواز، مركز إقليم خوزستان. كما يواجه الرئيس الجديد، مهمّـة الاستمرار في البناء العسكري وتطوير قدرات إيران العسكرية، وتحديداً الصاروخية لحماية المنشآت النووية والمرافق الحيوية الأخرى في ظل تصاعد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية تطول هذه المرافق، خاصة الفترة الأخيرة التي تظهر اختراق إيران من الداخل. هذا بالإضافة إلى العبء الملقى عليه من قبل المحافظين الذين ينتظرون من رئيسهم الجديد أن يضع حدّا لما يسمّـونه بالغزو الثقافي الغربي، والتراجع عن قيم الإسلام والثورة. ويريدون من رئيسهم فرض قوانين صارمة ضد أوجه الانحراف في المجتمع، ويتهمون الرئيس الإيراني روحاني بأنه منح حريات كثيرة للشباب.

سياسة خارجية متشددة:

بعض المقربين من رئيسي يرون أنه سيستمر في مشروع إيران الطائفي التوسعي في الشرق الأوسط، والتي صدرت تصريحات عن سياسيين إيرانيين تتحدث عن سيطرة طهران على دول عربية، مثل سوريا والعراق واليمن، رغم إعلان لإيران إنها مستعدة للتعاون مع العرب والدول الخليجية في ضمان أمن المنطقة، وتنفي أن يكون لديها أطماعا طائفية، وباستثناء دعمها المعلن لحزب الله في لبنان ودوره في إسناد نظام حكم الأسد في سوريا، فإن إيران تؤكد أن دعمها للحوثيين في اليمن، والشيعة في البحرين والسعودية، وللحكومة التي يقودها الشيعة في العراق سياسي فقط.

وبالتالي، واستكمالا لتحركات رئيسي الخارجية، يبقى التحدي الأكبر أمام رئيسي، وهو كيفية تعامله مع العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، وأن واشنطن فرضت من قبل عقوبات على إبراهيم رئيسي بسبب سجله في مجال حقوق الإنسان، حيث أضافت وزارة الخزانة الأميركية أسماء تسعة مسؤولين إيرانيين إلى قائمة العقوبات، بمن فيهم إبراهيم رئيسي، بسبب ملفات إعدامات 1988 الجماعية، وقتل المتظاهرين في احتجاجات نوفمبر 2019، وكان رئيسي شدد خلال المناظرات الرئاسية، على أولوية رفع العقوبات الأميركية، الأمر الذي يُتوقع أن يحدث من خلال المباحثات غير المباشرة الجارية حالياً في فيينا، سعياً لإحياء الاتفاق النووي ولكن بطريقة غير مباشرة، كما دعا لحل المشكلات الاقتصادية للبلاد من خلال إدارة القدرات البشرية والطبيعية بشكل صحيح، بدلاً من السعي للتفاوض مع العدو”، ولذلك ومن المتوقع أن إيران ذاهبة نحو التشدد والاستبداد بشكل أكبر، ما يعني مواجهات أكبر مع المجتمع الدولي.

د.سهرة القاسم

رئيس برنامج دراسات الخليج العربي. حاصلة على الدكتوراه في موضوع أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – رئيس قسم الرصد والتحليل بالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء-مدرس مادة الرأي العام والإعلام جامعة الإسكندرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى