ظاهرة متجددة: كيف تؤثر الكراهية بين الأندية الرياضية على العلاقات الدولية؟

ازدادت حالة التعصب الرياضي بين الأندية الرياضية حول العالم على طريقة كرة الثلج التي يتضاعف حجمها في لحظات قليلة، حيث تحولت المنافسة إلى تعصب، ومن ثم إلى كراهية, فأصبحت ظاهرة التعصب خارج السيطرة. كما أن الألعاب الرياضية باتت تمثل ظاهرة مؤثرة في النظام السياسي الدولي، وباتت أداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية وتسويق التصورات والاستراتيجيات السياسية للدول. وقد استخدمت الرياضة كواحدة من أسلحة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكسب شرعية بعض النظم السياسية، وذلك عن طريق تغيير الرأي العام.

وطالما أن هناك اتجاه في الأدبيات يرى أن هناك علاقة وثيقة بين الألعاب الرياضية والتفاعلات السياسية، وأن الأصل في ممارسة الألعاب الرياضية أنها تقود إلى تعزيز السلام وليس تأزم العلاقات بين الشعوب والدول- يبقى السؤال: متى تنشأن الكراهية بين الأندية الرياضية ومتى ممكن أن تختفي؟، وكيف توظف الرياضة كأداة للكراهية السياسية بين الشعوب، ما هو حدود تأثير الكراهية السياسية بين الأندية في العلاقات الدولية؟.

أسباب الكراهية بين الاندية الرياضية:

تتواجد ظاهرة الكراهية بين الأندية الرياضية وخاصة ذات الجماهيرية الواسعة التي تتعدى حدود دولتها، ويتسبب في نشأتها بعض المحركات، من أهمها: وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، وتصريحات رؤساء الأندية المعادية، وأخطاء التحكيم، وتجاوزات المنتديات الرياضية علي شبكة الانترنت، وروابط مشجعي الأندية الرياضية في حدوث حالات التعصب والتي تصل إلى حد الكراهية.

كما تمثلت مظاهر التعصب الرياضي في نشر موضوعات ومقالات ضد الفريق المنافس، بالإضافة إلي الهتافات واللافتات المعادية، وتصريحات اللاعبين والمسئولين بالاتحادات الرياضية التي تحمل معاني كراهية الآخر. ناهيك عن فقر الثقافية الرياضية لدي اللاعبين وعلي مستوي إدارات الأندية الرياضية، وانصراف وسائل الإعلام عن دورها التوعوي والتثقيفي إلي دور المحرض علي العنف والتعصب بين مشجعي وإدارات الأندية المنافسة سواء على المستوى المحلي أو المستوى الإقليمي والقاري. وفي بعض الأحيان قد تؤدي تلك الكراهية إلى حدوث أزمة سياسية بين جماهير بعض الأندية قد تصل إلى حد الجريمة مثل ما حدث عقب مباراة الأهلي والمصري البورسعيدي عام 2011، ووفاة 74 من مشجعي النادي الأهلي في تلك المباراة نتيجة للكراهية والتعصب الأعمى.

متى تزول الكراهية بين الاندية الرياضية:

هناك مجموعة من الضوابط التي يجب إتباعها حتى يتم نبذ التعصب والكراهية بين الأندية الرياضية، منها: تفعيل لائحة نقابة المهن الرياضية والخاصة بالتشجيع الإيجابي، وتجنب الإساءة للفريق المنافس أثناء المباريات، والبعد عن الاستهزاء والسخرية من الأندية أو اللاعبين بالفرق الأخرى. بالإضافة إلى اختيار العبارات المناسبة للتشجيع داخل المدرجات، وقيام وزارات الشباب والرياضة- أياً كان مسماها بالدولة- بعقد لقاءات مع إدارات الأندية يتم التأكيد فيها علي رفض التعصب بين الفرق الرياضية.

فضلًا عن ضرورة إرساء قيم الثقافة الرياضية بين اللاعبين، وتفعيل قوانين الهيئة الوطنية الخاصة بالإعلام – أياً كان مسماها بالدولة- ومحاسبة الإعلاميين الذين يتجاوزون في برامجهم الإذاعية والتليفزيونية ويساهمون من خلالها في تزايد حالات التعصب بين الجماهير، والـتأكيد علي ضرورة تأهيل جيل جديد من الإعلاميين يعتمدون في ممارسة عملهم علي الكفاءة والاعتدال في الرأي، ودعم التشجيع الإيجابي الذي يدعم النشاط الرياضي ولا يصل إلي مرحلة التعصب والنقد الجارح ضد الأندية المنافسة والكراهية، وهو ما يصب في النهاية لصالح الأنشطة الرياضة وأمن واستقرار المجتمعات.

توظيف الرياضة كأداة للكراهية السياسية بين الشعوب:

يتمثل استخدام الرياضة كأداة للكراهية السياسية بين الشعوب في رؤية بعض من القادة السياسيين أن الفوز في المنافسات الرياضية يعد شكلاً من أشكال الانتصار على الخصم، وتتحول مباراة في كرة القدم لدى بعض النظم السياسية من مجرد مباراة إلى “قضية دولة”، لا سيما في حال فوز دولة صغيرة على دول كبرى أو قوى عظمى.

وقد عكست الألعاب الرياضية، وخاصة كرة القدم وكرة اليد والتنس، سواء الرسمية أو الودية، وفي نطاقاتها الإقليمية والعالمية، تفاعلات دول الشرق الأوسط، سواء على المستوى الداخلي أو البيني، وفي هذا السياق يتم توظيف الألعاب الرياضية داخل كل دولة في الإقليم، لأن الدولة هي الكيان الوحيد الفاعل في النظام الرياضي الدولي، سواء بمحاولات تدعيم أو استعادة الشرعية السياسية لنظم متصدعة كالنظام السوري، أو إبعاد تهمة دعم الإرهاب عن النظام القطري بالسعي لاستضافة كأس العالم 2022.

تأثير الكراهية بين الأندية في العلاقات بين الشعوب:

أصبحت الألعاب الرياضية ظاهرة مؤثرة في النظام السياسي الدولي، وباتت أداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية وتسويق التصورات والاستراتيجيات السياسية للدول، حتى أعترف “اللورد كيلانين” رئيس اللجنة الأولمبية الدولية الأسبق بأن التداخل بين السياسة والألعاب الرياضية أمر حتمي، وبالرغم من أن كرة القدم تدعم العلاقات الدولية بما تحمله من رسائل إيجابية للمساواة، وعدم التمييز، والإدماج، واللعب النزيه، والروح الرياضية والتفاهم- فإنها قد تكون سببًا في صراع بين الدول والتنافس الوطني والكراهية والعنصرية، مثل ما حدث بين السلفادور وهندوراس في عام 1969، بالتطبيق على استخدام كرة القدم كأداة للكراهية السياسية والعنصرية:

(*) سلاح مشروع في الحرب: استخدمت الرياضة كواحدة من أسلحة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة المعسكر الرأسمالي إلى مقاطعة الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980، وذلك للاحتجاج على التدخل السوفياتي في أفغانستان، فيما ردت 14 دولة محسوبة على المعسكر الشرقي بمقاطعة الألعاب الأولمبية عام 1984 والتي أقيمت في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية.

(*) إنكار الشرعية السياسية للخصوم: وهو ما عكسه موقف الطلاب القطريين الذين يطالبون بوقف التطبيع وعدم استقبال فرق إسرائيلية على خلفية مشاركة فريقين إسرائيليين أحدهما للفتيان وآخر للفتيات في بطولة مدرسية دولية لكرة اليد استضافتها الدوحة بداية من 22 فبراير 2018، وهى مخصصة للطلاب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و18 سنة، وتنظم كل عامين في دول مختلفة منذ عقد السبعينات من القرن الماضي. وتعد قطر، وفقًا لما ذكرته عدد من وسائل الإعلام العربية، الدولة الوحيدة غير الأوروبية، باستثناء إسرائيل، التي تستضيف هذه البطولة الرياضية.

وقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة “تويتر”، حملة “طلاب قطر ضد التطبيع”، حيث تبلور رأى عام إلكتروني يرى أن “التطبيع الرياضي لا يقل سوءًا عن التطبيع السياسي” باعتبار أن “كلاهما اعتراف بكيان محتل وشرعنة لواقع غير شرعي لا سيما في ظل الجرائم التي تقوم بها إسرائيل في الأراضي المحتلة، وبشكل خاص بحق الرياضة الفلسطينية، ومنها قصف ملاعب في قطاع غزة، ومنع لاعبين فلسطينيين من السفر للمشاركة في فعاليات رياضية”، ويأتي حراك شباب قطر ضد التطبيع بعد استضافة لاعب تنس إسرائيلي في بطولة قطر المفتوحة للتنس.

وفي سياق متصل، ألغيت المباراة الودية بين المنتخبين الأرجنتيني والإسرائيلي والتي كان من المقرر أن تقام عام 2018 بمدينة القدس، في إطار استعدادات فريق “التانغو” لمونديال روسيا 2018، وتم الغاءها بسبب “ضغوط  سياسية”، حيث صرح وزير الدفاع الاسرائيلي “أفيغدور ليبرمان” حينها بأن الهدف من إلغاء المباراة هو انتهاك حق اسرائيل الأساسي في الدفاع، وتدميرها.

(*) خلق فجوة سياسية بين الدول الصديقة: نخص بالذكر هنا الأزمة السياسية التي اندلعت بين مصر والجزائر في عام 2010، خاصة في المباراة التي جمعت بينهما في الخرطوم، في إطار التصفيات المؤهلة لكأس العالم في ذلك الوقت، حيث تبادلت وسائل الإعلام في البلدين وقتها الهجوم الحاد، وانتقد الإعلام الجزائري بشدة الاعتداء الذي تعرضت له حافلة الفريق الجزائري في القاهرة، كما نددت قنوات مصرية بما تعرض له مشجعون مصريون في الخرطوم من اعتداءات، وفي هذا السياق، قد تسببت كرة القدم في أزمة دبلوماسية بين مصر والجزائر وفجوة سياسية لم تنته الا بعد سنوات.

(*) كسب شرعية بعض النظم السياسية: وذلك عن طريق تغيير الرأي العام، إذ يرى اتجاه في الأدبيات أن الرياضة، وبصفة خاصة كرة القدم، في بعض المجتمعات المغلقة تساهم بدور محوري في تجميع القوى المجتمعية المناصرة من مختلف الشرائح والأعمار للتعبير بشكل جماعي عن دعم أحد الأنظمة، بشكل يتعذر إيجاده خارج الأطر الرياضية، وينطبق ذلك على حالة الانقسامات والصراعات الداخلية التي تعاني منها بعض المجتمعات، على نحو ما عاني منه الشعب السوري بعد عام 2011.

وقد تمثل ذلك في مباريات كرة القدم للتأهل لكأس العالم بروسيا عام 2018، على الرغم من خسارة المنتخب السوري لكرة القدم في مباراته النهائية أمام المنتخب الأسترالي وعدم تمكنه من التأهل للمونديال، إلا أنه ساهم، حسب اتجاهات عديدة، في تجميع قطاع عريض من السوريين حول هدف واحد وهو التأهل لكأس العالم، مع الأخذ في الاعتبار أن معارضي النظام يطلقون على الفريق السوري الرياضي “منتخب الأسد” أو “منتخب البراميل”.

بالتالي، نجد أن نظام الأسد قد استخدم نجاحات المنتخب السوري لتحقيق أهداف سياسية، والترويج لدور قواته في الحرب ضد الإرهاب، عبر تصريح الرئيس بشار الأسد لصفحة رئاسة الجمهورية على موقع “فيس بوك” عقب تأهل المنتخب لمباراة الملحق الآسيوي، والذي جاء فيه: “إن ما حققه الرياضيون من إنجازات رفع خلالها العلم السوري في المحافل الدولية، على الرغم من ظروف الأزمة التي نمر بها منذ سنوات، كان بحد ذاته نوعًا من أنواع الدفاع عن سوريا في مواجهة ما نتعرض له”.

نخلص مما سبق، أن هناك علاقة وثيقة بين الألعاب الرياضية والتفاعلات السياسية، حيث أن الأصل في ممارسة الألعاب الرياضية أنها تقود إلى تعزيز السلام، إذ أنها تتغاضى عن الحدود الجغرافية والطبقات الاجتماعية، بل يمكنها أن تتجاوز الأزمات بين دولتين باعتبار أن الرياضة قادرة على جمع شمل الشعوب، نبذ التعصب بين الأوطان، فضلًا عن اعتماد بعض البلاد على رياضييها كدبلوماسيين ومبعوثين ممثلين لبلادهم في الهيئات العالمية، فالرياضة أصبحت جزءًا من تفاعلات السياسة الإقليمية، وبالتالي إذا كانت السياسة تصلح ما أفسدته الحروب، فإن الرياضة تصلح ما أفسدته السياسة في بعض الأحيان.

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى