السيناريوهات الثلاثة.. كيف تخطط “أنصار الله” لمعادلة باب المندب؟

محمد ربيع الشرقاوي- باحث مشارك في العلاقات الدولية.
رغم عدم انخراط جماعة أنصار الله بشكل مباشر في الحرب على إيران، فإن تصاعد خطابها خلال الأسابيع الماضية يعكس قابلية عالية للانخراط في أي لحظة، بما يضع الممر الملاحي أمام سيناريوهات مفتوحة.
ولا يمكن قراءة هذا “الهدوء الحذر” دون استحضار تجربة البحر الأحمر خلال الحرب الإسرائيلية على غزة (2023)، التي شهدت تحولًا نوعيًا في سلوك الجماعة الحوثية، من نمط الاستهداف عن بعد إلى الاشتباك المباشر مع السفن، بالتوازي مع استخدام مكثف للصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي هذا السياق، فإن أي انخراط حوثي في الصراع الراهن، في ظل الخبرات المتراكمة منذ 2023، قد يدفع باتجاه تصعيد واسع النطاق في البحر الأحمر، بما ينعكس سلبًا على الأمن الإقليمي وسلاسل الإمداد العالمية، ويفرض ضغوطًا مباشرة على الدولة المصرية، خاصة في ظل الارتباط العضوي بين باب المندب وقناة السويس.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التقدير للإجابة على سؤال: إلى أي مدى يدفع تصاعد الصراع الأمريكي/ الإسرائيلي – الإيراني نحو تحويل باب المندب من ممر ملاحي إلى أداة لإدارة الصراع غير المباشر؟
مكانة المضيق:
يعد مضيق باب المندب نقطة اختناق تتحكم في وصل البحر الأحمر بخليج عدن والبحر العربي، وتُجبر السفن على المرور عبر ممر بالغ الضيق – عند أضيق نقطة منه لا يتجاوز 18 ميلًا- مع وجود ممرين ملاحيين فقط تقريبًا لا يُسمح لهما بهامش كبير من الخطأ، وهو ما يجعل من أي اضطراب فيه أعلى بكثير من قيمته المحلية؛ لأن التهديد في نقطة صغيرة يمكن أن يعيد تشكيل مسار التجارة بين آسيا وأوروبا بأكملها.
وتزداد أهمية المضيق لأنه ليس معزولًا عن منظومة ملاحة أوسع، بل يعمل بوصفه البوابة الجنوبية الإلزامية للمسار الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم قناة السويس إلى المتوسط، فالسفن العابرة بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس لا بد أن تمر من باب المندب، كما أن معظم صادرات النفط والغاز من الخليج التي تصل إلى المتوسط أو تعبر قناة السويس، لذلك فإن أي ضغط على باب المندب يصيب سلسلة كاملة من الإمداد والطاقة والعبور التجاري تمتد من الخليج إلى أوروبا.
وتشير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) إلى أن النقل البحري ينقل أكثر من 80% من تجارة السلع عالميًا، وفي هذه البيئة تصبح الممرات الضيقة هي نقاط ضرب مضاعفة: تعطل الحركة، ورفع كلفة التأمين، وإطالة زمن الرحلة، ثم دفع الشركات إلى إعادة تسعير المخاطر.
وأوضحت مؤشرات المنظمة في عام 2025، أن الاضطرابات في البحر الأحمر وباب المندب أعادت تشكيل خريطة الشحن، إلى درجة أن السفن التي كانت تعبر البحر الأحمر في أيام صارت تلتف حول رأس الرجاء الصالح لأسابيع، مع ارتفاع الكلفة وتزايد الانبعاثات وتراجع اليقين الملاحي،
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كانت طرق السويس/ سوميد/ باب المندب تمثل نحو 6% من تجارة النفط المنقولة بحرًا في النصف الأول من 2025، بعد أن كانت الإمدادات قد شهدت تراجعًا حادًا في 2024 مع هجمات البحر الأحمر، بينما هبطت تدفقات النفط عبر باب المندب بأكثر من 50% في الأشهر الثمانية الأولى من 2024 مقارنةً بالوضع السابق، وهو ما يعني أن المضيق لم يعد مجرد ممر محتمل للضغط، بل صار بالفعل ساحة اختبار لمعادلة الردع البحري والالتفاف اللوجستي.
وبالتالي فإنه لا يمكن التعامل مع المضيق على كونه ممرًا ملاحيًا فقط، بل كمضاعف للمخاطر، فالإغلاق الكامل قد يكون مكلفًا وصعب الاستدامة، لكن تعطيله عبر التهديد المستمر كافٍ لإرباك الأسواق ودفع السفن إلى تغيير مساراتها، وبذلك، لا يكمن الخطر الحقيقي في الغلق الفعلي، بل في خلق بيئة تجعل المرور غير مجدٍ اقتصاديًا.
وهنا لا يمكن فصل باب المندب عن قناة السويس، حيث يشكلان معًا ممرًا واحدًا ممتدًا، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن اضطرابات البحر الأحمر خفّضت إيرادات القناة بنحو 6 مليارات دولار في 2024، وهو ما يكشف أن أي ضغط على المضيق ينعكس مباشرة على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي المصرية؛ لذا فإن فأي اهتزاز فيه يمتد أثره إلى التجارة العالمية، وأمن الطاقة، وقناة السويس، ثم إلى الاقتصاد المصري ذاته، وهو ما يجعله أداة ضغط استراتيجية محتملة ضمن الصراع الأمريكي/الإسرائيلي – الإيراني.
إعادة تشكيل قواعد الاشتباك:
يبرز البحر الأحمر ليس كساحة قتال تقليدية، بل كمسرح تأثير استراتيجي، حيث يمكن لتحرك محدود أن ينعكس على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة في آن واحد.
وبالتالي فإنه لا يمكن قراءة دور جماعة أنصار الله الحوثي باعتبارها مجرد ذراع تنفيذية لإيران، بل بوصفها أداة مرنة لإدارة مستوى التصعيد، فالجماعة تتيح لطهران إمكانية رفع أو خفض حدة التوتر دون الانخراط المباشر، وهو ما يظهر بوضوح في تطور نمط الاستهداف.
وأظهرت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، أن الاستهداف لم يعد مقتصراً على السفن المرتبطة بإسرائيل بشكل مباشر، بل اتسع ليشمل نطاقًا أوسع قائمًا على علاقات الملكية أو الإدارة أو حتى المسارات السابقة، بما يؤدي إلى خلق بيئة بحرية يغيب عنها اليقين، وتتحول فيها كل حركة عبور إلى مخاطرة محتملة.
وفي الوقت نفسه، انتقلت وظيفة هذا الاستهداف من الضغط السياسي المرتبط بسياق معين إلى محاولة إعادة تشكيل قواعد المرور في البحر الأحمر، بحيث لم يعد الهدف إلحاق الضرر بخصم بعينه، بل إعادة تعريف من يملك حق العبور الآمن داخل هذا الممر الحيوي.
في المقابل، لم يظل التدخل الأمريكي محصورًا في حماية الملاحة بالمعنى التقليدي، بل اتجه نحو تثبيت حضور عسكري مستمر وتوسيع نطاق العمليات ليشمل البنية العملياتية للحوثيين، بما يعكس تحولًا من إدارة أزمة مؤقتة إلى إدارة توازن ردع داخل بيئة بحرية مفتوحة.
ويعكس هذا النمط من التفاعل إدراكًا متزايدًا بأن التهديد في البحر الأحمر ليس حدثًا عابرًا، بل حالة ممتدة يصعب حسمها بشكل تقليدي، خاصة في ظل طبيعة المجال البحري الذي يتيح قدرًا كبيرًا من المناورة وعدم اليقين.
ومع دخول إسرائيل – بشكل مباشر- على خط التصعيد، لم يعد البحر الأحمر مسرحًا منفصلًا، بل أصبح جزءً من شبكة تفاعلات إقليمية أوسع تمتد من إيران إلى غزة وسوريا، وهو ترابط أدى إلى تداخل مسارات التصعيد، بحيث يمكن لأي تطور في إحدى الساحات أن ينعكس على الأخرى، ويحوّل أي حادث بحري إلى امتداد لصراع متعدد الجبهات، وبذلك يفقد باب المندب طابعه كممر جغرافي مستقل، ويتحول إلى عقدة مركزية داخل شبكة صراع إقليمي معقد.
وهنا يبرز التحول الأهم في طبيعة استخدام القوة، حيث لم تعد الممرات البحرية مجرد ضحية للصراع، بل أصبحت أحد أدواته الأساسية؛ فالإغلاق الكامل للمضيق يظل خيارًا مكلفًا وصعب الاستدامة، بينما يتيح التهديد المستمر تحقيق أثر مماثل بكلفة أقل بكثير، عبر دفع شركات الشحن إلى إعادة توجيه مساراتها ورفع كلفة التأمين وتقليص الاعتماد على الممر، وهنا تتغير دلالة السيطرة ذاتها، إذ لم تعد تعني منع المرور فعليًا، بل القدرة على جعله غير قابل للاستخدام اقتصاديًا.
وبالتالي فلا يمكن بأي شكل اختزال الصراع في البحر الأحمر في مجرد تصعيد بحري عابر، بل يتخطى ذلك إلى كونه يعكس تحولًا في منطق إدارة الصراع الإقليمي، حيث تسعى إيران، عبر أدواتها غير المباشرة، إلى تدويل كلفة المواجهة ونقل الضغط من ساحات الاشتباك التقليدية إلى سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، وفي هذا الإطار، يتحول باب المندب من مجرد ممر ملاحي إلى أداة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك، بحيث يصبح التحكم في تدفقات التجارة جزءًا من معادلة القوة، لا مجرد نتيجة لها.
تداعيات خطرة:
لا يتعلق السؤال الأدق في تقدير موقف باب المندب بإمكانية “إغلاقه” بالمعنى التقليدي، بل بمدى القدرة على تحويله إلى ممر غير قابل للاستخدام اقتصاديًا، حتى لو ظل مفتوحًا من الناحية القانونية، فطبيعة المضيق الجغرافية – بضيق ممراته واعتماد الملاحة فيه على مسارات محدودة – تجعل أي تهديد أمني، حتى لو كان محدودًا، كافيًا لرفع مستوى المخاطر إلى حد يدفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها، وفي هذا السياق، لا يصبح القرار مرتبطًا بإمكانية العبور، بل بجدواه، وهو فارق جوهري في فهم طبيعة التهديد.
وتعكس بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) هذه الحقيقة بوضوح، إذ يقع باب المندب ضمن شبكة تمر عبرها تدفقات النفط والغاز المرتبطة بالبحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل أي اضطراب فيه لا يقتصر على تعطيل ممر بعينه، بل يمتد ليعيد تشكيل مسارات الطاقة العالمية، ويدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يعني زيادة زمن الرحلة وارتفاع التكلفة التشغيلية والتأمينية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع “الغلق” بوصفه حالة واحدة، بل كطيف من المستويات المتدرجة. فالإغلاق الكامل يظل الخيار الأعلى كلفة والأصعب تحقيقًا، لأنه يتطلب سيطرة مادية مباشرة أو قدرة مستدامة على منع المرور، وهو ما يصعب الحفاظ عليه في بيئة بحرية مفتوحة.
وفي المقابل، يظهر نمط أكثر مرونة يتمثل في التعطيل الجزئي أو الانتقائي، عبر استهداف سفن محددة أو تكثيف التهديد في لحظات حساسة، بما يخلق حالة من القلق الملاحي دون إعلان رسمي عن إغلاق الممر، أما المستوى الأكثر تأثيرًا عمليًا، فيتمثل في ما يمكن وصفه بـ”الإغلاق الناعم”، حيث يبقى المضيق مفتوحًا شكليًا، لكنه يفقد وظيفته الاقتصادية نتيجة ارتفاع المخاطر وتراجع الثقة، وهو ما يدفع الشركات إلى تجنبه طوعًا.
وتكشف تطورات 2024 – 2025 أن هذا النمط الأخير لم يعد افتراضيًا، بل تحول إلى واقع، فقد تراجعت التدفقات النفطية عبر المضيق بشكل ملحوظ، في الوقت الذي أعادت فيه خطوط الشحن العالمية توجيه مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر لفترات ممتدة، وهو تحول يعكس أن التأثير الحقيقي لا يتحقق عبر المنع المباشر، بل عبر خلق بيئة تجعل المرور غير مبرر اقتصاديًا.
وهنا تبرز أهمية عنصر “عدم اليقين” بوصفه الأداة الأكثر فاعلية. فوفق تقييمات مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة UKMTO في مارس 2026، ظل مستوى التهديد في البحر الأحمر وباب المندب مرتفعًا، مع استمرار امتلاك الحوثيين لقدرات متنوعة تشمل الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، والمركبات البحرية غير المأهولة، حيث ظلت حركة الملاحة منخفضة، على الرغم من محدودية بعض الهجمات في فترات معينة، وهو ما يشير إلى أن الأثر النفسي والاقتصادي للتهديد يسبق استخدام القوة المباشرة.
ويفسر هذا الواقع تحول البحر الأحمر من مسرح لحوادث متفرقة إلى بيئة تهديد مستمرة، فالتكتيكات العملياتية المستخدمة – من مسيّرات وصواريخ وعمليات استهداف انتقائي – تؤكد أن تعطيل الملاحة لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل نمطًا قابلاً للتكرار، بينما في المقابل يعكس الرد الأمريكي، عبر حملات عسكرية ممتدة واستهداف البنية العملياتية للحوثيين، إدراكًا بأن المسألة تتجاوز حماية ممر ملاحي إلى احتواء نموذج جديد من التهديد منخفض الكلفة عالي التأثير.
وفي سياق التصعيد الأوسع المرتبط بالحرب الأمريكية/الإسرائيلية – الإيرانية، يكتسب باب المندب وظيفة إضافية تتجاوز الجغرافيا، إذ يصبح جزءًا من آلية توسيع نطاق الصراع أفقيًا، فالتوترات التي تصاعدت في 2026 دفعت عددًا من كبرى شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر البحر الأحمر، في وقت أعلنت فيه جماعة الحوثي استعدادها للتدخل في حال توسع المواجهة، وهي مؤشرات لا تعني بالضرورة اقتراب إغلاق رسمي للمضيق، لكنها تعكس قابليته للتحول إلى أداة ضغط تُستخدم عند الحاجة لرفع كلفة الصراع على الخصوم.
وبالتالي، فإن أدوات التعطيل لا تتساوى في أهميتها. فالأكثر فاعلية ليس الإغلاق الكامل، بل الاستهداف الانتقائي المتكرر الذي يرفع منسوب القلق، يليه التهديد باستخدام الوسائط غير التقليدية مثل المسيّرات والصواريخ، ثم الخطاب التصعيدي الذي يعزز حالة عدم اليقين، وهنا يكون هذا المزيج كافيًا لدفع الشركات إلى اتخاذ قرار ذاتي بتجنب الممر، دون الحاجة إلى فرض حظر فعلي.
وعليه، فإن جوهر المسألة لا يكمن في القدرة على غلق باب المندب ماديًا، بل في القدرة على تقويض جدواه الاقتصادية، وهو ما أثبتته تطورات المنطقة 2024–2026، حيث أصبح تعطيل الممر ممكنًا دون السيطرة عليه، وأصبح التهديد المستمر بديلًا عمليًا للإغلاق الكامل، لذا فإن أي تقدير واقعي للمشهد يجب أن ينطلق من هذه المعادلة: أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في إغلاق المضيق، بل في جعله غير قابل للاستخدام.
مستوى الصدمة:
لا تكمن خطورة تعطيل باب المندب في كونه يعطل ممرًا بحريًا مهمًا فحسب، بل في كونه يحوّل الاضطراب الجغرافي إلى صدمة اقتصادية ممتدة داخل بنية النظام التجاري العالمي، فالتأثير هنا لا يتوقف عند تغيير مسارات السفن، بل يمتد إلى إعادة تشكيل معادلة الزمن والتكلفة والمخاطر التي تقوم عليها التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، أصبح التهديد البحري متغيرًا اقتصاديًا يدخل مباشرة في عملية التسعير، فمع اضطرار السفن إلى سلوك مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح، لم تعد تقتصر المشكلة على طول الرحلة، بل فيما يترتب عليها من تضخم في عناصر التكلفة: (وقود إضافي، تمويل أطول، تأمين أعلى، ومخزون عالق لفترات ممتدة)، وبهذا المعنى، يتحول “زمن العبور” من عنصر تشغيلي إلى عنصر ضاغط على الأسعار.
ويعكس هذا التحول انتقالًا أعمق من مجرد اضطراب مؤقت إلى إعادة تسعير هيكلية للمخاطر، فشركات الشحن لم تعد تتعامل مع البحر الأحمر كمسار طبيعي مع مخاطر عرضية، بل كبيئة غير مستقرة تُسعَّر فيها المخاطر بشكل دائم، وهو ما يظهر في فرض رسوم إضافية وارتفاع أقساط التأمين، وتحول هذه التكاليف من بند طارئ إلى جزء ثابت من تكلفة التشغيل.
وتنتقل هذه الزيادة إلى الاقتصاد الحقيقي وليس منظومة النقل فقط؛ فارتفاع تكلفة الشحن ينعكس على أسعار السلع المستوردة، ويُترجم إلى ضغوط تضخمية، خاصة في الاقتصادات المعتمدة على الواردات، وهنا يتحول باب المندب من عامل جغرافي إلى متغير يؤثر في معدلات التضخم، وهو ما يفسر ارتباط اضطرابات البحر الأحمر بارتفاع الأسعار عالميًا خلال فترات التصعيد.
ويتخذ هذا التأثير طابعًا أكثر حساسية في قطاع الطاقة، كون إطالة مسارات نقل النفط والمنتجات البترولية تزيد من قابلية الأسواق للتقلب بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار، حيث تصبح الإمدادات أكثر عرضة للتأخير، وتفقد الأسواق جزءً من مرونتها في مواجهة الصدمات، وهو الأمر الذي يتضاعف حين تتشابك اضطرابات المضيق مع أزمات إقليمية؛ ليظهر في صورة تذبذب في أسعار الوقود والمنتجات المكررة.
وعلى هذا النحو، لا يعمل باب المندب كممر ضمن شبكة التجارة العالمية، بل كنقطة تأثير قادرة على نقل التوترات الجيوسياسية إلى داخل بنية الاقتصاد العالمي، فالتعطيل لا ينتج أزمة ملاحة فقط، بل يعيد تشكيل سلوك الشركات، ويغير قرارات الشحن، ويدخل المخاطر السياسية في معادلة التسعير، وهو ما يحول الصراع الإقليمي إلى صدمة نظامية تمتد آثارها من الممرات البحرية إلى الأسواق العالمية.
السيناريوهات الثلاثة:
لا تشير المعطيات الحالية على الساحة الدولية إلى اقتراب “حسم” في مسار باب المندب، بقدر ما تعكس استقرارًا عند مستوى مرتفع من التوتر، يمكن وصفه بـ”توازن ردع غير مستقر”، فمستوى التهديد في البحر الأحمر لا يزال مرتفعًا، في حين تراجعت حركة العبور بشكل ملحوظ، رغم غياب هجمات مؤكدة على سفن تجارية خلال بعض الفترات الأخيرة، وهو تناقش بين انخفاض العمليات المباشرة واستمرار تراجع الملاحة يكشف أن العامل الحاسم لم يعد الفعل العسكري ذاته، بل إدراك المخاطر واحتمالات التصعيد.
وفي الوقت نفسه، تتجه مؤشرات التصعيد الإقليمي إلى مزيد من التشابك، فدخول الحوثيين على خط المواجهة بشكل أكثر وضوحًا، والتلويح باستخدام باب المندب كورقة ضغط، بالتوازي مع إشارات إلى استعداد إيراني لتوسيع نطاق الاشتباك البحري إذا تصاعدت المواجهة مع الولايات المتحدة، يعكس أن المضيق لم يعد مجرد ممر متأثر بالصراع، بل أداة محتملة ضمن أدواته.
في هذا السياق، يمكن قراءة مستقبل باب المندب من خلال ثلاثة مسارات رئيسية، لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتحرك وفق توازنات التصعيد والاحتواء، وهي:
(-) السيناريو الأول،- يتمثل في انزلاق الوضع نحو تعطيل واسع النطاق قد يقترب من الغلق الفعلي، وهو مسار يرتبط بتوسع مباشر في الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية – الإيرانية، أو بقرار إيراني باستخدام الممرات البحرية كوسيلة ضغط موازية، خاصة إذا تعرضت خطوطها الحيوية في مناطق أخرى مثل مضيق هرمز للتهديد.
ورغم أن بعض مؤشراته ظهرت بالفعل، سواء في الخطاب الحوثي أو في تزايد القلق داخل أسواق الطاقة، فإن تحققه الكامل يظل مرهونًا بقدرة أطراف الصراع على تحمل كلفة تصعيد بهذا الحجم، وهو ما يجعله سيناريو محتملًا لكنه غير مرجح في المدى القريب.
(-) السيناريو الثاني،– يعد هذا السيناريو هو الأقرب إلى الواقع الحالي، ويقوم على استمرار حالة “التعطيل العملي” دون إعلان غلق رسمي، وفي هذا النمط، يبقى المضيق مفتوحًا من الناحية القانونية، لكنه يفقد وظيفته الاقتصادية نتيجة ارتفاع المخاطر، واستمرار التحذيرات الأمنية، وقرارات شركات الشحن بتجنب المرور.
وتدعم هذا الاتجاه سلوكيات خطوط الملاحة العالمية التي أعادت توجيه جزء من عملياتها حول رأس الرجاء الصالح، إلى جانب تقييمات أمنية تشير إلى أن انخفاض العبور لا يرتبط بغياب التهديد، بل باستمراره. وبهذا المعنى، يتحول باب المندب إلى ممر “قابل للاستخدام نظريًا” لكنه غير قابل للاعتماد عمليًا.
ويتعزز هذا السيناريو أيضًا بهشاشة التعافي الملاحي، فرغم تسجيل تحسن نسبي في حركة العبور عبر قناة السويس خلال بعض الفترات في 2026، فإن هذا التحسن ظل مرتبطًا بدرجة الهدوء المؤقت، ولم يتحول إلى اتجاه مستقر، كما أن سلوك شركات الشحن يعكس حذرًا واضحًا، حيث يتم استعادة بعض الخطوط تدريجيًا دون العودة الكاملة إلى النمط السابق، وهو ما يشير إلى استمرار أزمة الثقة في أمن الممر.
(-) السيناريو الثالث،– يقوم السيناريو الثالث على فرضية التهدئة التدريجية وعودة الملاحة إلى مسارها الطبيعي، غير أن هذا المسار يتطلب تحقق شرطين لم تتبلور مؤشرات قوية عليهما حتى الآن: أولهما خفض ملموس ومستدام في مستوى التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ وثانيهما تراجع دور الحوثيين كأداة ضغط داخل هذا الصراع.
ورغم وجود إشارات محدودة على عودة بعض السفن إلى المسار التقليدي، فإن هذه المؤشرات تظل مرتبطة بعوامل ظرفية، ولا تعكس تحولًا هيكليًا في البيئة الأمنية.
وعليه، فإن الترجيح الأقرب في ضوء المعطيات الحالية يتمثل في استمرار نمط “الاحتواء المتوتر”، حيث لا يصل التصعيد إلى حد الغلق الكامل، ولا ينخفض إلى مستوى يسمح بعودة طبيعية للملاحة، فالممر يظل مفتوحًا شكليًا، لكنه يعمل بكفاءة منخفضة، في ظل بقاء التهديد قائمًا، واستمرار اعتماد الشركات على بدائل أكثر كلفة لكنها أكثر يقينًا.
ويحمل هذا الترجيح دلالة استراتيجية مهمة، إذ يشير إلى أن مستقبل باب المندب لن يُحسم عبر حدث واحد، بل سيظل رهينًا بإدارة مستمرة للتوتر، تتحكم فيها قرارات الفاعلين السياسيين بقدر ما تحددها حسابات الفاعلين الاقتصاديين.
________________مراجع_____________
https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=63446&utm
https://www.centcom.mil/MEDIA/PRESS-RELEASES/Press-Release-View/Article/4167047/uscentcom-forces-continue-to-target-houthi-terrorists/