معادلة السلطة: من يحسم الانتخابات الرئاسية في جيبوتي؟

د. محمود صلاح- باحث ببرنامج دراسات البحر الأحمر وأفريقيا 

من المتوقع أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في جيبوتي بتاريخ 10 أبريل 2026، في ظل استمرار الرئيس إسماعيل عمر جيله في الحكم منذ عام 1999، وهو ما يجعل هذا الاستحقاق الانتخابي محطة مهمة لقراءة طبيعة النظام السياسي في البلاد واتجاهاته المستقبلية. فقد أعلن جيله رسميًا ترشحه لولاية سادسة بعد إلغاء القيود على عدد الولايات في عام 2010، ثم إجراء تعديل دستوري جديد في عام 2025 أزال الحد العمري للترشح، الأمر الذي أتاح له التقدم لولاية جديدة رغم تجاوزه السن التي كانت محددة سابقًا بـ75 عامًا.
وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات الرئاسية في جيبوتي أهمية استثنائية، ليس فقط لارتباطها بمسألة تداول السلطة، بل أيضًا بسبب الموقع الجيوسياسي الحيوي للبلاد، الذي يجعل أي تطورات سياسية فيها محل اهتمام إقليمي ودولي واسع، وهو ما يفرض قراءة دقيقة للمشهد الانتخابي واستشراف مآلاته المحتملة.
يتولى الرئيس إسماعيل عمر جيله قيادة البلاد منذ عام 1999، حين خلف الرئيس المؤسس حسن جوليد أبتيدون، أول رئيس لجيبوتي بعد الاستقلال. ويُعد جيله من بين أقدم القادة الأفارقة الذين لا يزالون في الحكم، إلى جانب يويري موسيفيني في أوغندا وأسياس أفورقي في إريتريا. وفي انتخابات عام 2021، حقق جيله فوزًا بولاية خامسة بنسبة تجاوزت 98%، وسط مقاطعة من عدد من الأحزاب المعارضة.
خريطة المرشحين:
(*) إسماعيل عمر جيله: المولود عام 1947، أعلن حزب التجمع الشعبي من أجل التقدم رسميًا ترشيح الرئيس إسماعيل عمر جيله لخوض الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في أبريل 2026. وجاء هذا الإعلان خلال مؤتمر استثنائي نظمه الحزب في قصر الشعب، وشهد حضورًا واسعًا لأنصار الحزب من مختلف أرجاء البلاد. وقد عبّر الرئيس جيله عن امتنانه لقبول الترشيح، مؤكدًا التزامه بمواصلة العمل من أجل تحقيق الوحدة الوطنية وتعزيز الاستقرار ودفع عجلة التنمية، رغم التحديات التي تشهدها الساحة الدولية.
كما حظي ترشيحه بدعم قوي من الأحزاب المتحالفة ضمن تحالف الاتحاد من أجل الأغلبية الرئاسية، بما في ذلك الحزب المعارض البارز “الاتحاد من أجل الديمقراطية والعدالة”، وهو ما يعكس درجة من التوافق السياسي الداخلي حول استمرار القيادة الحالية.
وخلال فترة حكمه، شهدت جيبوتي تحولات ملحوظة على الصعيدين الاقتصادي والبنيوي، حيث عززت مكانتها كقاعدة إقليمية محورية للتجارة والنقل البحري في منطقة القرن الإفريقي. وقد استفادت البلاد بشكل كبير من موقعها الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية العالمية، كما نجحت في جذب استثمارات دولية ضخمة في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والبنية التحتية.
إلى جانب ذلك، أصبحت جيبوتي مركزًا لاستضافة قواعد عسكرية تابعة لقوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وفرنسا، وهو ما أسهم في تعزيز دورها كمحور أساسي للأمن الإقليمي والدولي.
(*) محمد فرح سماتر: وفقًا للمرسوم المنشور في الجريدة الرسمية، أعلنت السلطات الجيبوتية رسميًا ترشح محمد فرح سماتر للانتخابات الرئاسية، وهو عضو سابق في الحزب الحاكم ورئيس حزب المركز الديمقراطي الموحّد، الذي لا يتمتع بتمثيل برلماني. ويُعد سماتر المنافس الوحيد للرئيس إسماعيل عمر جيله في هذا الاستحقاق الانتخابي.
ملامح المشهد الانتخابي:
يمكن رصد وقراءة المشهد الانتخابي في جيبوتي على النحو التالي:
(*) الهندسة الدستورية الإقصائية: تُستخدم التعديلات الدستورية في جيبوتي كأداة لإعادة صياغة النصوص القانونية بما يعزز بقاء القيادة السياسية في السلطة لفترات أطول. ففي عام 2010، تم إلغاء القيود التي تحدد عدد الفترات الرئاسية، ما أتاح استمرار الرئيس في الحكم دون سقف زمني محدد، ثم أُلغي الحد العمري للترشح في عام 2025، الأمر الذي مهد الطريق لترشحه لفترة رئاسية سادسة.
وبذلك، تتشكل شرعية الحكم في إطار مؤسسي قانوني، لكنها لا تعكس بالضرورة تداولًا ديمقراطيًا حقيقيًا للسلطة.
(*) موقف المعارضة: تواجه المعارضة في جيبوتي ضغوطًا متزايدة على الساحة السياسية مع اقتراب موعد انتخابات أبريل 2026، وقد أعربت عن رفضها للتعديلات الدستورية التي وصفتها بأنها تمثل “انقلابًا تشريعيًا”، معتبرة أن الهدف الأساسي منها هو تمكين الرئيس إسماعيل عمر جيله من الاستمرار في السلطة لفترة أطول.
وتأتي هذه التعديلات في ظل أجواء انتخابية تتسم بضعف التعددية السياسية وافتقارها إلى منافسة حقيقية، إذ ترى المعارضة أن النظام الحاكم يوظف الأدوات الدستورية لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يضمن استمرار الهيمنة على السلطة.
كما شهدت الساحة السياسية استقالات بارزة، من بينها استقالة أليكسيس محمد غويلدون، أحد أبرز مستشاري الرئيس وناطقه الرسمي على المستوى الدولي، الذي وصف التعديلات الدستورية بأنها دليل على “تراجع الديمقراطية” وتكريس لما اعتبره “إدارة زبائنية”، مؤكدًا أن هذه التغييرات تهدف إلى تعزيز قبضة السلطة الحالية وتعطيل فرص ظهور منافسة سياسية حقيقية.
(*) الأبعاد الإقليمية والدولية: تتمتع جيبوتي بموقع استراتيجي فريد عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو موقع يمنحها دورًا محوريًا في منظومة الأمن على المستويين الإقليمي والدولي. وقد جعل هذا الموقع البلاد مركزًا لتواجد قواعد عسكرية لدول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان، وهو ما يزيد من أهمية الحفاظ على الاستقرار السياسي في الداخل.
وفي هذا السياق، تميل بعض القوى الدولية إلى اعتبار استمرار القيادة الحالية عاملًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار، حيث تُظهر هذه القوى غالبًا تفضيل الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية على متطلبات التحول الديمقراطي. ومن ثم، يُفهم التساهل تجاه محدودية الانفتاح السياسي في جيبوتي باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على التوازن الجيوسياسي في منطقة القرن الإفريقي، التي تُعد من أكثر المناطق حساسية وأهمية في النظام الدولي الراهن.
سيناريوهات محتملة:
يمكن تصور السيناريوهات الرئيسية لمآلات الانتخابات الرئاسية في جيبوتي عام 2026 على النحو التالي:
(-) السيناريو الأول: استمرار الوضع الراهن: يتمثل هذا السيناريو في احتفاظ الرئيس إسماعيل عمر جيله بالسلطة بدعم من الحزب الحاكم والتحالفات السياسية القائمة، في ظل غياب منافسة انتخابية حقيقية. ويؤدي ذلك إلى حالة من الاستقرار السياسي الظاهري دون تغييرات جوهرية في بنية النظام السياسي.
ومن المتوقع أن يسهم هذا الوضع في استمرار الدعم الدولي الذي تستفيد منه جيبوتي بسبب أهميتها الجيوسياسية، كما يكرّس مفهوم الشرعية السياسية عبر المؤسسات الشكلية بدلًا من تطبيق آليات التداول الديمقراطي الفعلي. ويُعد هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا، نظرًا لهيمنة النظام على المؤسسات السياسية، وتفضيل القوى الدولية للاستقرار على حساب التحول الديمقراطي.
(-) السيناريو الثاني: تصاعد الاعتراضات أو المقاطعة السياسية: قد تتجه بعض الأحزاب أو الشخصيات السياسية إلى الامتناع عن المشاركة في الانتخابات احتجاجًا على ما تعتبره غيابًا للتنافس الحقيقي في العملية الانتخابية. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تترتب عليه عدة نتائج، من بينها انخفاض نسبة الإقبال الشعبي على التصويت، وتصاعد الضغوط الدولية الداعية إلى إجراء إصلاحات سياسية، وتعزيز خطاب المعارضة المطالب بتوسيع هامش المشاركة والانفتاح السياسي.

في المحصلة، تعكس الانتخابات الرئاسية في جيبوتي طبيعة نظام سياسي يقوم على معادلة دقيقة بين الاستقرار السياسي والاعتبارات الجيوسياسية من جهة، ومحدودية التنافسية السياسية من جهة أخرى. فبينما يسعى النظام الحاكم إلى تعزيز شرعيته عبر أدوات دستورية ومؤسسية، تواصل المعارضة طرح تساؤلات حول مستقبل التداول الديمقراطي في البلاد.
ويبقى مسار المشهد السياسي في جيبوتي خلال المرحلة المقبلة مرهونًا بقدرة النظام على إدارة توازن معقد بين متطلبات الاستقرار الداخلي وضغوط الإصلاح السياسي، في ظل بيئة إقليمية ودولية تمنح الاعتبارات الأمنية أولوية متقدمة على حساب التحولات الديمقراطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى