في اليوم الثاني لندوة جامعة الدول العربية.. “رع” يطرح رؤية حول أزمة الهوية الوطنية في سوريا

كتب التقرير… على السعدني

واصل مركز رع للدراسات الاستراتيجية مشاركته في أعمال ندوة “انعكاسات التنوع على الهوية العربية.. نحو مقاربة تكاملية”، التي تنظمها جامعة الدول العربية، حيث شهد اليوم الثاني من الندوة مشاركة الدكتور حسام البقيعي، رئيس وحدة الدراسات الدولية بالمركز، بورقة بحثية بعنوان: “إشكالية غياب الهوية الوطنية ودورها في تفكيك المجتمع والدولة: سوريا نموذجًا”.

وتناولت الورقة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في المشهد العربي المعاصر، وهي علاقة الهوية الوطنية بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها واستقرارها، متخذة من الحالة السورية نموذجًا كاشفًا لتعقيدات هذه الإشكالية. وطرحت الورقة تساؤلًا رئيسًا حول الكيفية التي أسهم بها غياب هوية وطنية جامعة في تفكيك المجتمع السوري وإضعاف الدولة، مع التوقف عند عدد من الأسئلة المرتبطة بمفهوم الهوية الوطنية، والعوامل التي أعاقت تشكلها في سوريا، وانعكاسات ذلك على وحدة المجتمع وبنية الدولة.

وأوضح الدكتور حسام البقيعي، خلال ورقته، أن الهوية الوطنية لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد حاصل جمع للهويات الفرعية داخل المجتمع، وإنما باعتبارها إطارًا سياسيًا وقانونيًا ودستوريًا ناظمًا للعلاقة بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية والإثنية والدينية داخل الدولة. وأشار إلى أن غياب هذا الإطار الجامع يفتح المجال أمام تصاعد الهويات الفرعية وتحولها إلى أدوات للتنازع والانقسام، بما يقوض فكرة الدولة الوطنية الحديثة.

وركزت الورقة على جملة من العوامل التاريخية والسياسية والجغرافية التي حالت دون تشكل هوية وطنية سورية مستقرة، وفي مقدمتها طبيعة نشأة الدولة السورية الحديثة في سياق التقسيمات الاستعمارية، وما ترتب على ذلك من بقاء سؤال الانتماء وحدود الدولة وهوية الكيان السياسي مطروحًا دون حسم. كما أبرزت الورقة أثر التعدد الإثني والديني والمذهبي في سوريا، في ظل غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب هذا التنوع ضمن إطار الدولة.

كما ناقشت الورقة تأثير الجغرافيا السورية في تشكيل المعضلة التاريخية للهوية، موضحة أن الموقع الجيوسياسي لسوريا، بوصفها ساحة مفتوحة للتفاعلات الإمبراطورية والإقليمية عبر التاريخ، ساهم في تعقيد مسار بناء الدولة الوطنية، ورسخ حالة من الهشاشة البنيوية التي أعاقت تبلور هوية سياسية مستقرة تستند إلى مفهوم المواطنة والانتماء الوطني الجامع.

وتطرقت الورقة كذلك إلى مسارات البحث عن هوية بديلة في الحالة السورية، سواء من خلال القومية العربية، أو القومية السورية، أو الهوية الإسلامية، أو الأممية الماركسية، معتبرة أن هذه المسارات، رغم اختلاف مرجعياتها، عكست جميعها أزمة عميقة في تعريف الذات الوطنية السورية، وأظهرت حجم التباين في التصورات المتعلقة بشكل الدولة وحدودها ومرجعيتها.

وفي ختام الورقة، أشار الدكتور حسام البقيعي إلى أن التطورات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، وما أعقب سقوط نظام بشار الأسد من توترات وصدامات بين مكونات المجتمع السوري، تؤكد أن أزمة الهوية الوطنية لا تزال تمثل جوهر المأزق السوري، وأن أي حديث عن استعادة الاستقرار سيظل ناقصًا ما لم يُبنَ على مشروع وطني جامع يعيد تعريف الدولة بوصفها إطارًا سياسيًا وقانونيًا مشتركًا لجميع السوريين.

وتأتي مشاركة مركز رع للدراسات الاستراتيجية في أعمال الندوة استمرارًا لاهتمامه بطرح مقاربات بحثية وتحليلية تتناول التحولات التي تشهدها المنطقة العربية، لا سيما ما يتعلق بقضايا الهوية والدولة والتنوع الاجتماعي، وانعكاسات ذلك على الأمن القومي العربي واستقرار المجتمعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى