توظيف التوتر: كيف يُدار الصراع في الشرق الأوسط؟

في الشرق الأوسط لا تُقاس الأحداث بحدة ما يُقال، بل بعمق ما يُدار في الظل، وأن التصريحات الصاخبة ليست بالضرورة إعلانًا للحرب، كما أن الهدوء النسبي لا يعني استقرارًا حقيقيًا، والمشهد الراهن بكل تعقيداته يعكس إدارة دقيقة للتوتر تُستخدم فيها أدوات القوة والسياسة والإعلام في آنٍ واحد ضمن حسابات دقيقة تتجاوز الواقع إلى ما هو أبعد.

توازن محسوب فوق أرض الصراع:

تشهد المنطقة تصاعدًا تدريجيًا بين إيران من جهة وتحالف تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى في سياق دولي شديد التعقيد، ورغم حدة التصعيد تدور التفاعلات داخل حدود محسوبة تعكس نمطًا من إدارة الصراع وليس اندفاعًا نحو مواجهة شاملة، وتشير تصريحات المفاوضين الأمريكيين إلى أن مسار التفاوض مع إيران يسير في إطار مطمئن مع وجود تفاهمات أولية بين الأطراف، ما يعكس وجود توازن دقيق بين التصعيد الظاهر والسياسة الدبلوماسية الموازية.

المشهد الراهن.. تصعيد محسوب وانضباط غير معلن:

تتزايد وتيرة الخطاب السياسي والعسكري بالتوازي مع تحركات محدودة النطاق في نمط يعكس تصعيدًا ذا إيقاع منضبط. هذا التوازن بين الفعل والتصعيد ليس عشوائيًا، بل يعكس إدراكًا مشتركًا لكلفة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، ما يدفع الأطراف إلى التحرك ضمن حدود غير محسوبة لكنها مفهومة ضمنيًا.

منطق المرحلة.. إدارة الصراع بدلاً من الحسم:

تشير المعطيات إلى أن الأطراف تميل إلى توظيف التوتر كأداة استراتيجية بدل السعي إلى حسم عسكري مباشر لتحقيق أهداف متعددة، وهي:

١- تعزيز الردع دون مواجهة شاملة.

٢- تثبيت النفوذ الإقليمي.

٣- تحسين شروط التفاوض غير المباشر.

وتؤكد التصريحات الأمريكية الأخيرة أن مسار الحوار مع إيران لا يزال قائمًا ويجري في أجواء مطمئنة نسبيًا مع وجود مساحات تفاهم قيد البحث، وهو ما يعزز فرضية التوازن بين التصعيد الظاهر والتفاوض غير المعلن.

ما وراء المشهد.. القنوات غير المباشرة كآلية توازن:

رغم غياب الإعلان الرسمي عن تفاهمات مباشرة، تشير التصريحات إلى وجود قنوات اتصال غير مباشرة وترتيبات غير معلنة تسهم في ضبط إيقاع التصعيد، وتقوم هذه الآلية على محددات دقيقة على النحو التالي:

١- تجنب ضربات تفقد السيطرة.

٢- ضبط ردود الفعل لمنع التصعيد الشامل.

٣- احترام الخطوط الحمراء التي تم تحديدها سابقًا.

وعليه، تمثل هذه المحددات إطارًا غير معلن لإدارة التوازن يهدف إلى منع الانفجار دون إيقاف التوتر.

الإعلام كسلاح موازٍ.. إدارة الإدراك لا نقل الوقائع:

لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح أداة فاعلة في تشكيلها، حيث يتم توظيفه للآتي:

١- بناء تأثير نفسي يعزز الردع.

٢- تمرير رسائل سياسية غير مباشرة.

٣- توجيه إدراك الرأي العام.

وبالتالي، فإن قراءة المشهد الإعلامي تتطلب فهمه كجزء من أدوات الصراع لا كمرآة له.

المخاطر الكامنة.. التوازن الهش وحدود السيطرة:

على الرغم من الطابع المحسوب للتصعيد، تظل البيئة الإقليمية عرضة لمخاطر حقيقية، وهي:

١- سوء التقدير الاستراتيجي.

٢- ردود الفعل غير المتوقعة.

٣- تدخل أطراف لا تلتزم بالقواعد.

وتكمن الخطورة في أن هذه العوامل قد تدفع الأحداث إلى مسار غير محسوب يتحول فيه الصراع من إدارة منضبطة إلى مواجهة مفتوحة.

صوت التهدئة.. الموقف المصري ورسائل السلام:

يبرز الموقف المصري كصوت داعٍ إلى ضبط النفس وترسيخ منطق الاستقرار. خلال افتتاح مؤتمر الطاقة في 30 مارس 2026 دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تجنب التصعيد ووقف الحرب، مؤكدًا أن الحروب لا تُنتج سوى الخراب والدمار، وأن العالم بحاجة إلى السلام والاستقرار، كما وجّه رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي مشيرًا إلى أن قوة القرار بيده وأن الحروب لن تحقق سوى الخسائر البشرية والاقتصادية.

البعد المجتمعي.. الوعي كخط دفاع استراتيجي:

يمتد تأثير التصعيد إلى المجتمعات على النحو التالي:

١- تتأثر الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

٢- تتزايد مشاعر القلق وعدم الثقة فيما يُدار من أحداث.

٣- تنتشر المعلومات غير الدقيقة.

ومن هنا يصبح تعزيز الوعي المجتمعي ضرورة استراتيجية لدعم الاستقرار الداخلي ومواجهة تداعيات الأزمات.

الاستنتاجات.. صراع مستمر بلا حسم نهائي:

١- الصراع الحالي يُدار ضمن حدود محسوبة.

٢- التصعيد لا يعكس بالضرورة نوايا حرب شاملة.

٣- المسارات التفاوضية الموازية تمثل عنصر توازن مهم.

٤- المخاطر ترتبط بإمكانية الخطأ أكثر من تعمد التصعيد.

التوصيات.. نحو إدارة أكثر اتزانًا للأزمة:

١- دعم الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف.

٢- تعزيز قنوات الاتصال غير المباشر.

٣- ضبط الخطاب الإعلامي للحد من التوتر.

٤- رفع مستوى الجاهزية دون تضخيم التهديد.

٥- دعم المبادرات الإقليمية والدولية الداعية للسلام.

التوقعات المستقبلية.. سيناريوهات مفتوحة على الاحتمال:

١- استمرار الوضع القائم: تصعيد محدود ضمن حدود محسوبة مع استمرار التفاوض غير المباشر.

٢- تهدئة تدريجية: نجاح الدبلوماسية في خفض حدة التوتر وفتح قنوات تفاهم أوسع.

٣- انزلاق غير محسوب: خطأ في التقدير يؤدي إلى تصعيد سريع خارج السيطرة.

يبقى السيناريو الثالث، هو الأكثر خطورة لكنه الأقل احتمالًا إذا تم الالتزام بالضوابط والتفاهمات غير المعلنة.

في النهاية،  يمكن القول إن الشرق الأوسط اليوم لا يعيش حربًا شاملة ولا ينعم بسلام مستقر، بل يقف في منطقة رمادية حيث التوازن هش والاحتمالات مفتوحة، والخطر الحقيقي لا يكمن في التصعيد بل في الاعتقاد بإمكانية السيطرة الدائمة عليه، وفي مثل هذا الواقع يأتي السؤال: هل سيتم اتساع نطاق الحرب؟ ومتى قد يحدث الخطأ الذي يغير كل شيء؟

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى