عبدالسلام فاروق يكتب.. إما القاهرة أو الفوضى!

ثمة حقيقة أولى في علم السياسة، كما في علم الطبيعة، تقول إن الفراغ لا يدوم. وحين يقع فراغ في قلب أي نظام، إقليميًا كان أم دوليًا، فإن قوى متعددة تتدافع لملئه، بعضها يحمل مشروعًا، وبعضها لا يحمل سوى نزق المغامرة، وبعضها الآخر لا يملك إلا القدرة على إشعال الحرائق، ثم لا يعود يدري كيف يطفئها. والشرق الأوسط، هذا الإقليم المثخن بالتاريخ والدم والجيوبوليتيك، يعيش اليوم واحدة من لحظات الفراغ الاستراتيجي النادرة. لحظة بالغة التعقيد والخطورة، لا تشبه ما مر به من قبل، لأنها ليست مجرد فراغ ناتج عن انسحاب قوة إمبراطورية، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية حين انحسرت الإمبراطوريات العجوز، أو بعد حرب أكتوبر حين بدأت ملامح انسحاب الدور السوفييتي تتشكل.

ما يحدث الآن أعمق من ذلك وأشد. إنه فراغ هيكلي، مركب، يتكون من تراجع أدوار تقليدية كانت تحسب راسخة، وتفكك تحالفات بنيت على مدى نصف قرن، وتآكل في مفهوم الدولة الوطنية المركزية نفسها، بينما تتسارع وتيرة الاشتعال على جبهات متعددة، من غزة الصامدة إلى لبنان المنهك، إلى البحر الأحمر الذي صار مسرحًا مفتوحًا لحرب الظل.

في قلب هذا المشهد الملتهب، حيث يحرق الجميع جسورهم خلفهم، وتطغي أصوات المدافع والمسيرات على صوت العقل، يبرز سؤال مركزي لا مهرب من مواجهته في هذا الفراغ الممتد، من الذي يملك القدرة على إدارة الأزمات، لا مجرد التعليق عليها؟ من يستطيع أن يكون الجسر، لا أن يكون حطبًا في هذه النار المستعرة؟

الإجابة التي تفرض نفسها، ليس بقوة الرغبة أو الأمنيات، لكن بمنطق تراكم القوة الهادئ وفحص المعطيات على الأرض، هي أن مصر باتت الأقرب لملء هذا الفراغ. ولكن اسمحوا لي أن أكون دقيقًا هنا، فالمسألة ليست مسألة فرصة سنحت فجأة، أو هدية قدمتها الظروف. هذا لأن صناعة التاريخ عملية طويلة الأمد تبنى في صمت، بعيدًا عن ضجيج الشعارات. وما نحن بصدده اليوم هو نتيجة منطقية لسياسة مصرية امتدت عبر عقود، قامت على ركيزتين رئيستين، هما التوازن والتنوع في شبكة العلاقات.

ولعل مما يستحق التأمل هنا أن نقارن بين ما حدث لأدوار أخرى في الإقليم وما يحدث لمصر. لنأخذ نموذج الوساطة القطرية، ذلك النموذج الذي أتقن فن المسافة الآمنة، وحول الدوحة إلى مختبر للتسويات الهادئة. لقد تأثر هذا الدور، وتراجع بشكل واضح، ليس لأن الحكمة القطرية نضبت، ولكن لأن دوامة التصعيد التي تجتاح المنطقة، والتي لم يعد أحد بمنأى عنها، أصابت تلك المسافة الآمنة في مقتل. فقدان المسافة بالنسبة لدولة مثل قطر يعني فقدان الميزة التنافسية الجوهرية. في المقابل، نجد أن القاهرة، بحساب دقيق وإدراك عميق لطبيعة اللحظة، حافظت على تلك المسافة. ليس معنى ذلك أنها على الحياد، فالدولة المصرية ليست على الحياد مما يمس أمنها القومي المباشر. ولكنها منحازة، وبشكل مطلق، لمصالحها الاستراتيجية العليا. وهذا الموقف بالذات، الذي قد يبدو للبعض غامضًا، هو ما يجعلها مقبولة، أو على الأقل غير مرفوضة، من كل الأطراف في وقت الاستقطاب الحاد الذي يحول دون رؤية أي لون وسط.

 الذكاء الاستراتيجي المصري، وهذا شيء كثيرًا ما تحدثنا فيه، يتجسد في نسيج علاقاتها الفريد. انظروا إلى هذه الخريطة المعقدة، على الجانب الأمريكي، ثمة علاقة مؤسسية راسخة، ليست وليدة اللحظة، هي ابنة عقود من التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي العميق. وهي ايضا شراكة استراتيجية في إدارة ملفات المنطقة. وعلى الجانب الإسرائيلي، تدير القاهرة علاقتها بآليات واضحة يضبطها إطار اتفاقية السلام، ولكنها في الوقت ذاته ترفض بشكل قاطع أن تكون هذه العلاقة على حساب العمق العربي أو الحقوق الفلسطينية. وهذا التوازن الدقيق هو ما يجعل مصر وسيطًا مقبولاً لدى الفلسطينيين أنفسهم، وهذا أمر لا توفره أي عاصمة أخرى في العالم. وفي البعد الأكثر تعقيدًا، القاهرة لم تقطع قنواتها مع طهران، كما يفعل البعض، لكن أدارتها بهدوء ومن خلال صيغ غير مباشرة. إنها بذلك تخلق خط اتصال مع المحور الآخر، دون أن تدخل في مواجهة مع حلفائها التقليديين.

هذه القدرة الفائقة على التواجد في كل الغرف المغلقة في آن واحد، ليست رفاهية سياسية أو شطارة دبلوماسية، إنما هي شرط أساسي للوساطة الفاعلة في أزمات بهذا التشابك وهذا التعقيد. وهي قدرة لا أعتقد أن أي عاصمة في الإقليم تملكها الآن سوى القاهرة.

ولكن، ويا له من “ولكن” كبير، امتلاك شبكة العلاقات ليس كافيًا. كثيرون يملكون شبكات، لكنهم عاجزون عن نسج خيوطها. الوساطة الناجحة من الطراز الرفيع تتطلب خبرة تراكمية، نوعًا من الذاكرة المؤسسية التي تتراكم عبر السنين الطوال، وتتحول إلى ما يشبه علم آثار سياسي. وهنا تكمن الميزة التنافسية الأهم لمصر. لم يعد سرًا أن نقول إن القاهرة تملك أقدم وأعمق خبرة في التفاوض مع الإسرائيليين، ليس فقط على المستوى الرسمي، لكن أيضًا عبر إدارة الأزمات المتكررة في غزة. إنها خبرة تحولت إلى دم ولحم في أروقة المؤسسات السيادية والخارجية المصرية، ذاكرة تفهم كيمياء الداخل الإسرائيلي المعقد، وتقرأ تعقيدات البيت الفلسطيني الممزق. أضف إلى هذا كله عنصرًا جوهريًا لا يمكن إغفاله: الثقل الجيو-استراتيجي الذي يجعل مصر طرفًا مباشرًا وأصيلاً في المعادلة. فسيناء وغزة ليسا ملفين بعيدين، لكنهما بالقطع يمثلان خاصرة الأمن القومي المصري. وهذا ما يمنح القاهرة مصداقية من نوع خاص؛ فهي ليست مجرد وسيط أو ميسر للاتفاقات، إنما هي شريك في النتيجة، تتحمل تبعات الفشل وتدفع ثمن النجاح.

وفي هذا السياق، تبرز العلاقات المصرية السعودية كحجر زاوية لا غنى عنه في أي معادلة إقليمية مقبلة. فالرياض حليف استراتيجي للقاهرة في رسم ملامح النظام العربي الآخذ في التشكل. تمتلك السعودية ثقلاً اقتصادياً هائلاً وقدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، بينما تمتلك مصر العمق البشري والعسكري والخبرة المؤسسية الممتدة. التحالف المصري السعودي، إن ترجم إلى إطار عمل استراتيجي متين، سيكون نواة صلبة لاستعادة مركزية القرار العربي في وجه العواصف الإقليمية. هذا التحالف هو القادر على تقديم مشروع إقليمي مضاد لمشاريع الفوضى، مشروع يقوم على الدولة الوطنية المستقرة، والتنمية المتكاملة، و رفض تحويل الإقليم إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية. إن تقارب القاهرة والرياض ضرورة وجودية في لحظة تتآكل فيها الحدود بين ما هو دولة وما هو ميليشيا، وبين ما هو سيادة وما هو فراغ. فكلما تعمق الشرخ في جسد المنطقة، بدا واضحًا أن وحدها المحاور الصلبة، المؤسسة على مصالح راسخة ورؤية مشتركة، هي التي ستبقى واقفة بعد أن تهدأ العاصفة.

بيد أن الواقعية السياسية، التي هي فضيلة العقلاء وغيظ للحالمين، تقتضي أن نرى الصورة كاملة، بظلالها كما بإشراقاتها. فالفراغ الاستراتيجي هو بالفعل فرصة ذهبية، لكنه، وهذا هو المهم، يأتي محفوفًا بمخاطر استثنائية تجعل مهمة الوسيط أشبه بالسير في حقل ألغام. المشكلة أن المنطقة لم تعد كما كانت. لقد تغيرت طبيعة اللاعبين. الأطراف الإقليمية، من دول وميليشيات، أصبحت أكثر تشبعًا بالأيديولوجيا والمشاريع الكونية، التي لا تفهم لغة المصالح الجزئية أو الحلول الوسط. حساباتها ليست عقلانية بالمفهوم التقليدي للسياسة. إنهم لا يخوضون حروبًا من أجل حدود أو موارد، إنما من أجل غايات نهائية، وهذا أخطر ما يمكن. أي محاولة للوساطة، مهما كانت بارعة، قد تنهار في لحظة، ليس بسبب فشل الوسيط، لكن بفعل متغير عسكري غير محسوب، صاروخ طائش، أو حماقة يقدم عليها طرف يرى في الفوضى كل شيء.

وهنا، وفي عمق هذه الفوضى، يتسلل الخطر الأشد فتكًا بالأمة المصرية ومستقبل دورها الحروب الصامتة. تلك الحروب التي لا تعلن، ولا تستخدم فيها القنابل الذكية أو الدبابات، التي تستهدف العقول والهويات والروح المعنوية لجيوش بأكملها من المواطنين. إنها حروب الجيلين الرابع والخامس، التي تشن عبر الشاشات ومنصات التواصل، عبر الشائعة المصممة بعناية، وعبر تفكيك الثوابت الوطنية وتحويلها إلى مواضع تشكيك. هذه الحروب الصامتة تستهدف الدولة المصرية في صميم قوتها الناعمة والصلبة معًا، تسعى لإفقادها بوصلتها، وإغراقها في متاهات داخلية تفقدها القدرة على الحركة والفعل في محيطها الإقليمي والدولي. خطر هذه الحروب يتجاوز خطر الجيوش النظامية، لأنها تضرب المشروع الوطني في مقتله: إرادة الاستمرار، وثقة المواطن في دولته. فكيف لدولة أن تملأ فراغًا استراتيجيًا في الشرق الأوسط وهي تواجه يوميًا محاولات خبيثة لتفريغها من الداخل؟ إن الوعي بطبيعة هذه الحرب، وبناء دفاعات مجتمعية صلبة ضدها، وإدراك أن حماية الجبهة الداخلية هو الشرط الأول لأي دور إقليمي أو دولي طموح، كل ذلك أصبح عين المعركة. فمن يصمد في وجه الحروب الصامتة، ويفحم أبواق الهزيمة والتفكيك، هو وحده من يكتب له أن يمسك بدفة التاريخ في زمن العواصف.

وهنا نصل إلى السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه بصراحة ليس السؤال هو هل بوسع مصر أن تلعب هذا الدور؟، لأن الإجابة عن هذا السؤال هي نعم. السؤال الحقيقي، الذي ينبغي أن يكون موضع نقاش جاد، هو هل ستفعل مصر ذلك ضمن رؤية استراتيجية شاملة لإعادة تشكيل بيئتها الإقليمية، أم أنها ستكتفي بردود فعل على أزمات عابرة، أي أن تتحول إلى مجرد “ساعي بريد جيد” بين الغرف المحترقة؟ الفرق بين الحالتين هو الفرق بين من يدير الأزمة ومن يصنع المستقبل. إن المنطقة لا تحتاج إلى ساعي بريد، مهما كان ماهرًا. إنها تحتاج إلى مهندس للتهدئة، يدرك أن أي حرب إقليمية شاملة، إذا اندلعت ستكون تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، لأمنها المائي والغذائي، لاستقرارها الذي هو الشرط الأول للتنمية.

أخيرًا، نقف أمام حقيقة صارخة، تفرض نفسها بقوة الضرورة التاريخية. في لحظة الفراغ الراهنة، حيث أُغلقت النوافذ، وارتفعت أصوات المدافع، وتراجع دور هنا وصعد آخر هناك، تبدو مصر، بمؤسساتها الممتدة في عمق التاريخ، الأكثر جاهزية لقيادة مسار التهدئة. إنها تفعل ذلك، ليس تفضلاً على أحد، ولا سعيًا وراء أمجاد زائلة، هي تفعل ذلك دفاعًا عن أمنها القومي المباشر الذي صار مرمى لكل سهم طائش في الإقليم. هي تملك ما لا يملكه غيرها: شبكة العلاقات التي تشبه نسيجًا معقدًا محكم الصنع، والخبرة التي صارت ركيزة أساسية في ذاكرة مؤسساتها، والقوة العسكرية الرادعة التي تجعل من التهور مغامرة مكلفة.

ويبقى الرهان الأكبر، ليس على امتلاك هذه الأدوات، بل على الشجاعة والإرادة في تحويل هذه الجاهزية الباهرة إلى فعل ملموس، برؤية واضحة المعالم، تعيد ضبط المعادلة الإقليمية، في بيئة لا ترحم المترددين، ولا تمنح جائزة الوساطة الكبرى إلا لمن يدرك أن الحياد الإيجابي الفاعل هو ترف لا تملكه ولا تجيده إلا القوى الكبرى. والتاريخ، كما قلت دائمًا، لا يصالح من ينامون واقفين على أبوابه.

 

 

عبدالسلام فاروق

عبدالسلام فاروق- باحث وصحفي مصري، يشغل منصب مدير تحرير بمؤسسة الأهرام الصحفية. يهتم في كتاباته بتحليل قضايا الأمن القومي ودراسات علم الاجتماع السياسي، وله إسهامات متعددة في هذا المجال عبر مقالات وتحليلات منشورة في الصحافة المصرية. كما يتولى رئاسة تحرير سلسلة "عقول" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وله عدد من الدراسات والكتب التي تتناول قضايا الفكر والسياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى