علم السياسة.. بين “النيل” للدكتور أحمد يوسف أحمد و”التقديرية” للدكتور صفى الدين خربوش

د. مبارك مبارك أحمد – دكتوراة في العلوم السياسية – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة
يمتلكان نفس قسمات الوجه بمجرد أن تنظر إليهما تشعر بسكينة وطمأنينة منقطعة النظير، تخصصا فى العلوم السياسية بعد التفوق فى شهادة الثانوية العامة، وسلكا السلم الجامعي والأكاديمي، ليصلا إلى قمته كأستاذين مرموقين فى علم السياسة، والذي يُعرف بأنه علم السعادة فى روافد الفكر اليوناني عند أرسطو، ليتوِّج الله مسيرتهما العلمية والأكاديمية والإنسانية بالحصول فى نفس العام ٢٠٢٦ على جائزتي النيل في العلوم الاجتماعية للدكتور أحمد يوسف احمد، وجائزة الدولة التقديرية للدكتور صفى الدين خربوش.
وكما كان تعريف علم السياسة بأنه علم السعادة، فإنهما جعل من تلك السعادة مفهومًا مركزيًا فى علاقاتهما، سواء مع طلابهم أو فى مسيرتهم الاجتماعية التى تشابهت فى ارتباطهما برفيقتي رحلتيهما فى الحياة من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقد اقتسم الأستاذان المرموقان تلك السعادة من خلال بعدين رئيسيين، الأول: فى علاقاتهما بطلابهما في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا، فالسعادة جعلها الله لأولئك المؤمنين بأن العلم نور، كما قال وكيع لطالبه الشافعي عندما شكا إليه من تفلت العلم منه وتراجع ملكة حفظه للمعارف قائلًا فى البيت الشهير (شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدنى إلى ترك المعاصي.، وأخبرني بأن العلم نور ، ونور الله لا يهدى لعاص)، كما يردد أهل العلم بأن العلم رحم بين أهله، ويخبرنا الحديث النبوي الشريف بمنهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال.
وعليه فقد أضحى العلم هو النور الذى يضيء طريق الإنسان نحو السعادة الحقيقية، إذ يمنح العلم العقل راحة وفهمًا للحياة،
وقد أجرى الله سبحانه وتعالى العلم على يدي أستاذينا، لينشرانه فى ربوع الوطن العربي ويسعدان به طلابهما، فكان كل منهما هينًا لينًا قريبًا من طلابه، يعلمهم العلم النافع، صديقًا لكل طلابه، أبًا حنونًا ومعلمًا رحيمًا لمن يتعثر حتى ينهض ويستعيد بريقه، ويدفع كل منهما بطلابه إلى أرقى وأفضل الأماكن والمؤسسات التى تستقبل خريجى الاقتصاد والعلوم السياسية ليكونوا ليس فقط ضمن صفوفها بل من نخبتها المؤثرة، وفي طليعة تلك المؤسسات فى مختلف المجالات الأكاديمية، والدبلوماسية، والصحفية، والبحثية
والإعلامية وغيرها.
كان اتجاه الدكتور أحمد يوسف لدراسة العلاقات الدولية، وكانت دراسة الدكتوراة عن الدور المصري في اليمن من الدراسات الرائدة، وأبدع في دراسة الصراعات العربية العربية، واستطاع بأسلوبه العلمي الأخاذ في التوصل إلى مسلمات تقترب من قوانين العلوم الطبيعية.
تعلمنا منه في مادة الوطن العربي في السياسة الدولية في الفرقة الثالثة بقسم العلوم السياسية عام ١٩٩٩، وقبل تخرجنا في عام ٢٠٠٠ كواحدة من الدفعات الاستثنائية في مسيرة الكلية، وفى التمهيدي دكتوراه عام 2007 “أنه لا توجد حركة مقاومة صاحبة أرض هزمت في تاريخ حركات التحرر الوطني”، وأن الإخفاقات العربية يعقبها تضامن عربي عربي كما حدث مع مصر بعد نكسة 1967، وكذلك فإن الإنجازات العربية يعقبها خلافات عربية عربية، وهو ما حدث بعد انتصار مصر في حرب أكتوبر 1973.
أما الدكتور صفى الدين خربوش الذي تشرفت بأن أشرف لي على رسالتيَّ للماجستير والدكتوراة بالاشتراك مع أستاذي الأستاذ الدكتور عبد العزيز شادي -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- في الماجستير، والأستاذ الدكتور محمد سالمان طايع رئيس مجلس قسم العلوم السياسية، فقد اتجه نحو دراسة النظم السياسية المقارنة، وكان التخصص الدقيق للدكتور صفي هو النظم السياسية العربية ليصبح أحد أعمدة مدرستها في الوطن العربي، مرتكزًا في اهتماماته البحثية على المنهج العلمي في دراسة الظواهر السياسية والنظام السياسي المصري والنظم السياسية العربية والتحول الديمقراطي في النظم العربية والعلاقات العربية العربية والنظام الإقليمي العربي وعلاقتها بدول الجوار والقوى الكبرى.
وجمع الدكتور صفي الدين ما بين التنظير والممارسة، ودمج ما بين علم السياسية ونظرياته كأستاذ أكاديمي مرموق وبين الممارسة السياسية بعد أن أصبح رئيسًا للمجلس القومي للشباب بدرجة وزير؛ ليسير على نهج أبانا الذي علمنا العلم والتعبير للكاتب الصحفي المرموق الوزير ضياء رشوان وزير الإعلام، وهو أستاذنا الأستاذ الدكتور على الدين هلال، درة تاج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، متعه الله بموفور الصحة والعافية، كانت علاقة الدكتور على الدين هلال بطلابه هي النموذج الذي سار عليه كل المرموقين الأكاديميين من أبناء الكلية.
أما المستوى الثاني لتبني الأستاذين المرموقين لتعريف علم السياسة كعلم السعادة، فقد ارتبط كل منهما أيضًا برفيقة عمره من نفس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أو بالأحرى من “فيبس”، كما يسميها أهلها الفيبساوية، وهى كلمة اختصار للأحرف الأولى من مسمى الكلية باللغة الإنجليزية، وما أدراك ما فيبس، وبصماتها الخالدة في حياتنا من ذكريات، وحنين وممرات أدوارها الأربعة وشعارها في مدخلها العريق “التزام.. تميز رقى”، والصور التي التقطناها والشعار في الخلفية، وأحلامنا التي استودعناها الله عز وجل ليحققها، وذكرياتنا الدافئة، ورواياتنا وحكاوينا مع رحلة الحياة، وأصدقائنا الغاليين، وشلتنا بتنوع وثراء أعضاءها فكريًا وجغرافيًا وقصص الحب التي انتصرت، وتلك التي قيل إنها أوجعتنا، وربما جعلتنا أقوى لنستمد منها أجمل معاني النبل والرقي الإنساني كزاد في رحلة الحياة، وفى الإيمان بأقدار الله وروعتها، وكذلك نماذج محاكاتها، وعروض التكليفات بقاعات درسها، وأساتذتها المرموقين بتنوع أفكارهم ومدارسهم، وغرسهم الطيب لحب الوطن الذي يصبح عبادة، مستلهمين روح مصر الطيبة التي نجتمع على رفعتها ودعم مكانتها في كل المحافل، وكذلك مكتبتها التي قضينا نصف سنوات عمرنا الدراسي نبحث في دورياتها العلمية، ورسائلها الجامعية.
لقد قدر الله لـ”فيبس’ فخامة مبناها وأن يكون على واجهة الشارع الرئيسي المجاور للجامعة، ليظل الشارع وما يمثله من رمزية وما يشهده من تفاعلات معادلًا مهمًا يجد صداه فى قاعات درسها، كما كانت إطلالة الكلية هذا الشارع المحوري والذي يربط بين مدينة الجيزة بعراقتها وأصالتها، وصولًا إلى مدينتي ٦ أكتوبر وزايد عبر محور صفط اللبن، وكأنها رسالة لتظل الكلية ومسيرتها جامعة بين الأصالة والمعاصرة.
تحية للأستاذين المرموقين الأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد والأستاذ الدكتور صفى الدين خربوش، والذي جاء فوزهما بجائزتي النيل والتقديرية، ليبتهج طلابهما في ربوع الوطن العربي، وعبر أجيال العلوم السياسية المختلفة أدركت على يديهما أن علم السياسة هو علم السعادة، إسعاد من حولنا وإسعاد مجتمعاتنا.
دمتما بخير وفى كل خير أيها النبيلان.