الحسابات خلف قرار القاهرة: استبعاد أم اختيار استراتيجي؟
مصر خارج اتفاق مكة… الغياب الذي قد يكون خيارًا استراتيجيًا

أثار توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة المكرمة تساؤلات حول غياب مصر، خصوصًا أن القاهرة شاركت الدول الثلاث خلال الأشهر الماضية في اجتماعات رباعية تناولت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وأمن المنطقة. لكن وضع الحدث في سياقه يكشف أن المقارنة بين المسارين ليست دقيقة من الأساس؛ فالمجموعة الرباعية كانت مسارًا دبلوماسيًا تشاوريًا، بينما جاء اتفاق مكة من مسار دفاعي ثلاثي بدأ قبلها واستند إلى علاقات عسكرية وأمنية متراكمة بين الدول الموقعة.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس لماذا لم توقع مصر، وإنما هل كانت المشاركة في هذا الاتفاق تمثل مصلحة مصرية فعلية في هذه المرحلة، أم أن الاحتفاظ بمساحة أوسع من حرية الحركة هو في حد ذاته خيار استراتيجي؟
اتفاق مكة لم يخرج من «الرباعية».. بل سار في مسار موازٍ:
بدأت اجتماعات مصر والسعودية وتركيا وباكستان في الرياض في 20 مارس 2026، ثم انتقلت إلى إسلام آباد وأنطاليا والقاهرة، وتركزت على وقف التصعيد، وحماية الملاحة وأسواق الطاقة، ودعم الحلول السياسية. ووصف وزير الخارجية بدر عبد العاطي المجموعة بأنها «منصة تشاورية»، وهو توصيف يعكس طبيعتها السياسية لا العسكرية.
في المقابل، كان المسار السعودي–التركي–الباكستاني قائمًا قبل ذلك؛ إذ أعلن وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني في يناير أن مسودة الاتفاق الثلاثي كانت قيد البحث منذ نحو عشرة أشهر، أي منذ 2025 تقريبًا. وبالتالي، لا توجد علاقة مباشرة تجعل عدم انضمام مصر إلى الاتفاق نتيجة طبيعية لمشاركتها في الرباعية. ببساطة، مصر دخلت مسارًا، بينما واصلت الدول الثلاث مسارًا آخر له جذور أقدم.
لماذا نجحت الدول الثلاث في بناء اتفاق دفاعي؟
اتفاق مكة لم ينشئ علاقات دفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وإنما جمعها داخل إطار واحد. فالسعودية وباكستان تمتلكان تاريخًا طويلًا من التعاون العسكري، توج باتفاق دفاع مشترك بينهما في 2025، بينما ترتبط تركيا وباكستان بتعاون في التدريب والصناعات الدفاعية والسفن والتسليح. وفي الوقت نفسه، تطورت الشراكة السعودية–التركية من خلال صفقات المسيرات والتعاون في التصنيع والتوطين.
لذلك فإن الدول الثلاث لم تنتقل من الصفر إلى «حلف»، بل انتقلت من ثلاثة مسارات دفاعية ثنائية متراكمة إلى إطار ثلاثي أكثر تنظيمًا. وهذه النقطة تفسر أيضًا لماذا لا يمكن اعتبار غياب مصر عن الاتفاق دليلًا تلقائيًا على تراجع علاقاتها الدفاعية مع أي من هذه الدول؛ فالقاهرة لديها علاقات منفصلة ومباشرة معها، لكنها لم تكن جزءًا من البنية التي أنتجت الاتفاق الثلاثي.
اتفاق مكة ليس إعلان حرب:
النص الذي يعتبر الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا يمنح الاتفاق وزنًا ردعيًا، لكنه لا يعني أن تركيا أو باكستان ستدخلان تلقائيًا حربًا شاملة عند تعرض السعودية لهجوم. حتى المادة الخامسة للناتو لا تفرض على كل دولة شكلًا واحدًا من الرد؛ فقد تكون المساعدة عسكرية مباشرة، أو استخبارية، أو لوجستية، أو دفاعًا جويًا، أو تأمينًا للملاحة والإمدادات.
وهنا يجب قياس الاتفاق بما يمكن أن يغيره قبل الحرب: تبادل المعلومات، الإنذار المبكر، الدفاع الجوي والصاروخي، التدريب، الذخائر وقطع الغيار، والتنسيق العملياتي. فإذا أصبح الاعتداء على السعودية يعني أن المهاجم سيواجه قدرات ثلاث دول بدل دولة واحدة، فقد نجح الاتفاق في الردع حتى دون إرسال قوات برية إلى الميدان.
لكن قيمة الاتفاق ستظل مرتبطة بما سيأتي بعد التوقيع: هل ستنشأ آليات قيادة وتنسيق؟ هل ستقام تدريبات مشتركة؟ هل ستربط منظومات الإنذار والدفاع؟ هنا فقط يمكن الحكم على ما إذا كان الاتفاق تحول إلى بنية دفاعية حقيقية أم بقي إطارًا سياسيًا قويًا في صياغته.
غياب مصر يمكن فهمه من زاوية «حرية القرار» أكثر من زاوية الخلاف:
مصر ليست خارج التعاون الدفاعي مع الدول الثلاث، ولا تتعامل مع أمن الخليج باعتباره شأنًا بعيدًا عنها؛ بل تؤكد القاهرة باستمرار أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي العربي، كما طورت خلال الفترة الأخيرة تعاونها العسكري مع دول المنطقة.
لكن الاتفاق الدفاعي الجماعي يختلف عن التعاون العسكري. فعبارة «الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع» تفتح أسئلة عملية حول تعريف الاعتداء، ونطاق الالتزام، وطبيعة الرد، والقرار الخاص باستخدام القوة. والدستور المصري نفسه يضع إجراءات محددة لإعلان الحرب وإرسال القوات في مهمة قتالية خارج الحدود، بما في ذلك موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين بعد الإجراءات الدستورية ذات الصلة.
لذلك قد تكون القاهرة ببساطة أكثر تحفظًا تجاه الالتزام المسبق، وتفضل أن تحتفظ بقدرتها على تقييم كل أزمة على حدة، بدل الدخول في التزام قد يفرض عليها خيارات عسكرية قبل معرفة طبيعة الصراع المقبل وأطرافه.
مصر ليست أمام معادلة «إما مكة أو الغياب»:
الخطأ الأكبر في قراءة الموقف المصري هو التعامل مع اتفاق مكة باعتباره الاختبار الوحيد للحضور الإقليمي. القاهرة تستطيع أن تبقى داخل المسار الدبلوماسي الرباعي، وتطور تعاونها الدفاعي الثنائي مع السعودية وتركيا وباكستان، وتشارك في ترتيبات أمن الملاحة والطاقة، وتراقب في الوقت نفسه كيف سيتحول الاتفاق الثلاثي من نص سياسي إلى آلية دفاعية فعلية.
كما أن تصريحات تركية عقب التوقيع أبقت الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى، ما يعني أن عدم توقيع مصر في 7 أغسطس لا يمثل بالضرورة موقفًا نهائيًا أو قطيعة مع الاتفاق.
بناء على ما سبق فإن غياب مصر عن اتفاق مكة لا يبدو، وفق المعطيات المعلنة، دليلًا على استبعادها أو خلافها مع الدول الثلاث بقدر ما يعكس اختلافًا في طبيعة المسار والحسابات. السعودية وتركيا وباكستان اختارت الالتزام بإطار دفاعي جماعي، بينما تملك القاهرة مصلحة في الإبقاء على أدوات متعددة: الدبلوماسية، والتعاون العسكري، والردع الذاتي، وحرية القرار.
وفي السياسة الإقليمية، ليس بالضرورة أن تكون الدولة الأكثر حضورًا هي الدولة التي توقع على أكبر عدد من الاتفاقات؛ أحيانًا تكون القوة في أن تحتفظ الدولة بخياراتها مفتوحة.