النصر لمن؟

 “وكُلٌّ يدَّعي وصلاً بِلَيلي وليلي لا تُقرُّ لهم بذاكَ” هذا حال كل أطراف المعركة اليوم؛ حتي المنتسبين إليها من طرف خفي!

الجميع يدعي الانتصار؛ زائفاً كان أو جزئياً أو معدوماً.. لكن المؤكد أن الجميع خسر فى هذه الحرب ما يصعب تعويضه فى المستقبل القريب؛ أمريكا وإسرائيل وإيران والخليج، بل والعالم أجمع يئن بسبب حرب لم يكن لها سبب مفهوم أو دافع مؤكد.. ورغم هذا لا تزال رحاها تدور بلا توقف، فلماذا ولمصلحة من؟!

 لو أننا تصورنا أن الحرب توقفت غداً. وذهب كل طرف يحسب غنائمه وخسائره، فماذا سيجد إلا الخراب وكراهية الناس؟! فهل سيظل العالم رهناً لهذا الجنون طويلاً؟

 فإذا استمرت الحرب، فما مآلاتها؟ ومن سيكتب لها كلمة النهاية؟

الثابت والمتحرك!

 قبل أن نجزم بالطرف المنتصر والآخر المهزوم، علينا أولاً أن نضع النقاط فوق الحروف، إذ أن أرض المعركة أثبتت أنها كالرمال المتحركة لا تستقر على حال..

 لقد بدأ الأزرق ضربته الأولي ومعه العم سام، فإذا بإيران ترد عشوائياً فى كل اتجاه، فانضمت أطراف أخري سريعاً، بعضها يعمل فى الخفاء والبعض الآخر أعلن انحيازاته بوضوح. لا يمكن الآن القول إن الحرب لا أحلاف فيها، حتي لو أن الناتو تخلي عن ترامب، فهناك من يدعمه سواء أعلن أو لم يعلن. كما لا يمكن القول إن إيران تحقق كل هذه الضربات الموجعة فى تل أبيب والقواعد الأمريكية بدقة كبيرة دون معونة من حلفائها التقليديين.. هذا معناه أننا أمام حربين؛ إحداهما تمثل قمة جبل النار، والأخرى تدور فى العمق فى منأى عن أعين الراصدين..

  الواضح أن الحرب تتجه نحو التصعيد السريع؛ ترامب خرج يؤكد أن جنوده على أعتاب جزيرة “خرج” مستهدفاً نفط إيران ومضيق هرمز، وإيران تريد التعويضات، ومن وراء ذلك كله روسيا والصين يريدان لأمريكا أن تنغرز أكثر فى أرض المعركة، وأن يستمر نزيفها العسكري والاقتصادي أطول فترة ممكنة.

 كل طرف من أطراف تلك المعادلة المعقدة له أهداف، وهذه الأهداف تتغير وتتحور وتتكيف طبقاً لمجريات المعركة؛ فترامب بدأ الحرب زاعماً أنه يبغي تحرير إيران من قبضة نظامها القديم وتسليمها لنظام مُستأنس. ثم ادعي أنه إنما يريد القضاء على النووي الإيراني الذي سبق وادعي أنه قضي عليه فى حرب الإثني عشر يوماً! ثم قال: بل الهدف هو القضاء على الباليستي، والآن تقلص هدفه لفتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً بالفعل قبل الحرب!

 الأزرق دائماً وأبداً له أهداف تخريبية على طول الخط. هو يدفع للحرب على الدوام وإن لم يكن لها هدف إلا الدمار. فتخريب المنطقة هدف من أسمي أهدافه! وأما إيران فهي الطرف المدافع والمقاوم.. ومجرد صمودها فى وجه المعتدين يُعد انتصاراً فى ذاته. غير أن أهداف إيران لم تعد ملكاً لها وحدها، فهناك أهداف خفية لاستدامة الحرب، تتبناها الصين فى الأساس..

غنائم مؤجلة

 بهذا الفهم؛ ربما ندرك أن المنتصرين فى هذه الحرب ليسوا هم من بدأوها، ولا من يظهرون فى ساحتها كأطراف مُعلنة، بل إن المكاسب الكبري سوف يحصدها أولئك الذين يديرون المعركة من بعيد..

 روسيا جنت مكاسب فورية من الحرب؛ وهو ما يشجعها على إطالة أمدها.. فكلما امتدت المعركة سوف تظل الحاجة العالمية لنفطها وغازها قائمة، وسوف تفرض شروطها على الجميع. وأما الصين فهي اللاعب الأقوي بين الجميع، وهي الرابح الأكبر فى المعادلة..

 الصين الآن تمارس أقوي وأوسع مناورة عسكرية ضد أمريكا على ساحة مفتوحة على مصراعيها أمام مراصدها وأقمارها الصناعية وتكنولوجيتها المختلفة تمام الاختلاف عن التكنولوجيا الأمريكية؛ ولهذا لم تستطع الدفاعات الجوية الأمريكية التشويش على صواريخ إيران المعدلة وفق التكنولوجيا الصينية. هكذا سوف تدرس الصين كل نقاط الضعف فى الجيش الأمريكي؛ بحراً وجواً وبراً، حتي يصبح أمر استيلائها على تايوان مجرد تحصيل حاصل..

 إن أول قرار اتخذته الصين الآن فى الحرب، أنها منعت تصدير المعادن النادرة المستخدمة في صناعة الصواريخ الدفاعية لأمريكا؛ لتؤخر قدرة أمريكا على تعويض المفقود من صواريخها. ثم إن هناك ألاعيب صينية تجري الآن فى البورصة العالمية والعملات الرقمية والدولار، والهجمات السيبرانية الصينية التي تعرضت لها أمريكا على عهد الرئيس بايدن قد تتكرر مع نهايات الحرب لتزيد من النزيف الأمريكي فى الاقتصاد، لكن الصين لن تتخذ مواقف عدائية ضد أمريكا الآن، بل إنها تلين جانبها وتخفض صوتها إلى حد الهمس؛ لأنها تريد الإمعان فى لعب دور لاعب الظل؛ حتي يتسني لها أن تحصل على أكبر مكاسب دون أن تطلق رصاصة واحدة!

 الصين الآن زادت من استيراد النفط من إيران بأسعار زهيدة، وهي لا تدفع شيئاً فى الواقع؛ لأنها تقايض النفط بالعتاد العسكري، ورغم أنها تنادي بالتفاوض والسلام، لكنها تدفع فى اتجاه استمرار المعركة، وانغماس أمريكا أكثر وأكثر فى وحل الحرب؛ لأن كل خسارة أمريكية هي غنيمة حرب صينية بالضرورة.

استدراك الشَتات

 المأساة أننا كعرب وكشرق أوسط متأخرون ومشتتون، لا نريد أن نجتمع على كلمة حتي فى أحلك الظروف، وهل هناك أشد قتامة مما يجري الآن؟!

 متي سيصبح للعرب ناتو عسكري لا وجود فيه لغرباء لا يكترثون إلا لمصالحهم؟ متي سيصبح لنا موقف موحد وكلمة لا ترد؟ كيف ونحن يهاجم بعضنا بعضاَ، ويأكل بعضنا لحم بعض؟!

 الشرق الأوسط اليوم فى لحظة مفصلية فارقة، ولا نجاة له من هذه المعمعة الطاحنة إلا بالتوحد واستدراك هذا الشتات وذلك التشرذم والارتباك. لن يأتي الحل من شرق ولا غرب، وإنما نحن فقط، بأيدينا وأموالنا ومواردنا نستطيع أن نقف بثبات فى مواجهة الرياح العاتية القادمة التي ستعصف بالجميع.

 كثير من المحللين والمراقبين يتخوفون من أن العالم كله ينجر لحرب عالمية قد تأتي الآن أو غداً أو بعد غد فتأتي على الأخضر واليابس، فكيف نبقي على تخبطنا وارتباكنا وشتاتنا بينما تقف المنطقة والعالم على حافة هاوية سحيقة لا ندري لها قعراً؟!

 القرار العربي الآن قرار مصيري؛ إما إلي نجاة، ولا نجاة إلا باجتماع الكلمة، وإما إلى غير ذلك مما لا نتمناه لعدو ولا حبيب..

خارطة المستقبل

 أوروبا الآن تعيد حساباتها، وعلينا أن نفعل المثل..

 بريطانيا مثلاً، تعيد بناء تحالفاتها الاقتصادية مع شريك رابح هو كندا. وأغلب دول أوروبا الآن ليس لديها مانع أن تتحالف مع الصين، وأن تسترضي روسيا لتحصل على الغاز والنفط، وتحجم أطماعها التوسعية إلى حين إعادة القدرات العسكرية الأوروبية بعد أن أبدي الحليف الأمريكي رغبته فى الانسحاب من الناتو.

 هكذا نري بوضوح أن خريطة التحالفات يعاد رسمها عالمياً؛ لا سيما وقد أصبح النظام العالمي بشكله الحالي الواهن المريض على حافة الزوال والفناء. فأين موقعنا كعرب فى الخريطة القادمة، هل سنبقي رهائن المنظومة العالمية القديمة البالية، هل سنصر على موقعنا فى خريطة تتمزق الآن ويعاد رسمها من جديد؟!

 أنا لا أتكلم عن البريكس ومجموعة السبع ومجموعة العشرين، وهلم جرا. بل أتكلم عن خريطة ترسم بالرصاص والدم، عن قانون غاب سوف يتحكم فى المشهد القادم، عن عودة للسياسات الإمبريالية بقوانينها المعتمة القاتمة. عن مستقبل عاصف لن يتمكن من مواجهته إلا الأقوياء، وعلينا أن نتقوي ببعضنا البعض قبل مجيء العاصفة الأشد عنفاً وتدميراً.

abdelsalamfarpuk@yahoo.com

 

 

عبدالسلام فاروق

عبدالسلام فاروق- باحث وصحفي مصري، يشغل منصب مدير تحرير بمؤسسة الأهرام الصحفية. يهتم في كتاباته بتحليل قضايا الأمن القومي ودراسات علم الاجتماع السياسي، وله إسهامات متعددة في هذا المجال عبر مقالات وتحليلات منشورة في الصحافة المصرية. كما يتولى رئاسة تحرير سلسلة "عقول" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وله عدد من الدراسات والكتب التي تتناول قضايا الفكر والسياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى