د. محمد الجمال يكتب.. أنقذوا صناعة الألومنيوم من الفوضى

من يعرف صناعة قطاعات الألومنيوم في مصر قبل عشر سنوات ويقارنها بما يحدث فيها اليوم، سيدرك أن شيئًا كبيرًا قد تغير، وليس كل تغير بالضرورة تطورًا، فقد عاشت هذه الصناعة سنوات كانت فيها واحدة من الصناعات الواعدة والجاذبة للاستثمار، وكان دخول مصنع جديد إلى السوق يعني إضافة طاقة إنتاجية واستثمار جديد وفرص عمل، أما اليوم فقد أصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا أمام ما يجري، لأن الزيادة الكبيرة والمتسارعة في أعداد المصانع وخطوط الإنتاج لم تعد تعكس وحدها قوة الصناعة، بل أصبحت تطرح أسئلة صعبة حول قدرة السوق على استيعاب كل هذا الإنتاج، وحول الجودة والمواصفات والعمالة، والأهم حول مستقبل صناعة مهمة لا نريد أن تستهلك نفسها من الداخل.
وفي الحقيقة فإن أحد أهم التحولات التي شهدتها الصناعة خلال السنوات الأخيرة يرتبط بسهولة الحصول على خطوط إنتاج صينية بأسعار منخفضة مقارنة بما كان متاحًا في السابق، وهذه النقطة تحتاج إلى قدر من الإنصاف؛ فالمشكلة ليست في الصناعة الصينية، ولا في استخدام التكنولوجيا الصينية، فالصين قوة صناعية كبرى، ومنها خطوط إنتاج على أعلى مستوى، وإنما المشكلة في أن بعض خطوط الإنتاج منخفضة التكلفة جعلت الدخول إلى صناعة قطاعات الألومنيوم أسهل كثيرًا، حتى أصبح البعض يتصور أن امتلاك خط إنتاج ومكان لتشغيله وعدد من العمال يكفي لكي يصبح لدينا مصنع جديد.
وهذا هو الخلط الذي يجب تصحيحه، لأن شراء الماكينة شيء، وبناء مصنع شيء آخر تمامًا.
المصنع الحقيقي يبدأ قبل أن تدور الماكينة، يبدأ بدراسة جدوى حقيقية، وبقراءة السوق ومعرفة احتياجاتها، وباختيار الخامة المناسبة والالتزام بالمواصفات القياسية، ويمتد إلى العمالة المدربة ونظم الجودة والتسويق، وينتهي بالسؤال الذي أصبح شديد الأهمية اليوم: هل سينتج هذا المصنع للسوق المحلية فقط، أم يمتلك رؤية تمكنه من المنافسة والتصدير؟
أتذكر أن عدد المصانع العاملة في هذه الصناعة منذ سنوات قليلة كان محدودًا، وفي حدود 11 إلى 15 مصنعًا وفق ما كان معروفًا بين العاملين بالقطاع، أما اليوم فالحديث داخل السوق يدور عن 50 و60 وربما أكثر من ذلك بين مصانع وخطوط إنتاج، وهي أرقام تحتاج بالطبع إلى حصر رسمي دقيق، لكن المؤكد لمن يعمل في هذه الصناعة أن حجم الداخلين إليها تضاعف بصورة كبيرة وفي فترة زمنية قصيرة.
والزيادة في حد ذاتها لا تزعجني، بل أتمنى أن يصبح لدينا مائة مصنع وألف مصنع إذا كانت هناك سوق تستوعب إنتاجها، وكانت هذه المصانع تضيف إلى الصناعة وتفتح أسواقًا جديدة في الخارج. ما يقلقني هو أن تسبق الماكينات قراءة السوق، وأن يصبح إنشاء المصنع هو الهدف بينما لا يسأل أحد: لمن سيبيع كل هؤلاء؟
لقد تغيرت حتى طبيعة الأطراف الموجودة داخل السوق، فالصورة التقليدية كانت تضم تاجر الخردة والمصنع ثم تاجر القطاعات أو الموزع، وكانت لكل حلقة وظيفتها، لكن انخفاض تكلفة بعض خطوط الإنتاج أغرى أطرافًا من حلقات التجارة والتوزيع بالدخول مباشرة إلى التصنيع، فأصبح تاجر الخردة قادرًا على الاحتفاظ بالخامة وشراء خط إنتاج، وأصبح الموزع قادرًا على التحول إلى مُصنّع.
وهذا أيضًا ليس خطأ في حد ذاته، بل إن تحول التاجر إلى الصناعة أمر إيجابي ونحتاج إليه في الاقتصاد المصري، لكن بشرط ألا يكون التحول مجرد شراء ماكينة. الصناعة ثقافة وخبرة ومسؤولية قبل أن تكون خط إنتاج.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن أي سوق لها طاقة على الاستيعاب، وعندما يتجاوز المعروض حجم الطلب تبدأ المنافسة السعرية الحادة، ثم يدخل الجميع في دائرة تخفيض التكلفة، وعندها أخشى أن تصبح الجودة هي الحلقة الأضعف.
فالمصنع الجاد الذي يلتزم بخامة جيدة ومواصفات ثابتة وعمالة مدربة ويتحمل تكلفة الجودة يجد نفسه أمام منتج آخر أقل سعرًا، بينما المستهلك في النهاية لا يستطيع بمجرد النظر إلى قطاع الألومنيوم أن يعرف الفارق الحقيقي بين المنتجين. ومع الظروف الاقتصادية يصبح السعر عنصرًا حاسمًا في الاختيار، وهنا قد نصل إلى أخطر نتيجة يمكن أن تواجه أي صناعة: أن يعاقب السوق من يحافظ على الجودة، ويكافئ من يخفض السعر على حسابها.
والمسألة لا تخص المصنعين وحدهم، فقطاعات الألومنيوم تدخل في النوافذ والأبواب والمطابخ والواجهات واستخدامات عديدة تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، والمستهلك ليس مطلوبًا منه أن يعرف نوع السبيكة أو يقيس السمك أو يجري اختبارًا للتحمل قبل شراء باب أو شباك، ولذلك فإن ضبط الجودة ليس رفاهية ولا شأنًا داخليًا بين المصانع، وإنما حماية للمستهلك قبل أي شيء آخر.
وللفوضى وجه آخر بدأنا نشعر به بوضوح داخل المصانع، وهو العمالة. فخطوط الإنتاج تتزايد، لكن العمالة الفنية المدربة لا تتزايد بالمعدل نفسه، والنتيجة أن المصنع الجديد لا يجد أمامه حلًا سريعًا سوى جذب عمال من مصنع قائم، فيرفع الأجر قليلًا وينتقل العامل، ثم يأتي مصنع ثالث فيكرر الأمر، فنصبح أمام حركة مستمرة للعمالة بين المصانع دون أن نضيف إلى الصناعة العدد الكافي من الفنيين الجدد.
ومن الضروري هنا ألا تكون قراءة السوق قاصرة على حجم الإنتاج والمبيعات فقط، وإنما يجب أن تشمل احتياجات الصناعة من العمالة خلال السنوات المقبلة. وربما آن الأوان لإنشاء مدرسة تكنولوجية متخصصة في صناعة الألومنيوم، يشارك كبار المصنعين في دعمها ووضع برامجها، لتخرج فنيًا يعرف الماكينة والخامة والمواصفات، بدلًا من أن تظل المصانع تتنافس على العدد نفسه من العمال.
لكن تبقى القضية الأكبر في رأيي هي التصدير، لأن الحل ليس أن نمنع إنشاء مصانع جديدة، وإنما أن نجعل نمو المصانع متوازيًا مع نمو الأسواق. وإذا كنا نريد مضاعفة الإنتاج فعلينا أن نضاعف قدرتنا على الوصول إلى الخارج، فليس منطقيًا أن تستثمر عشرات المصانع في خطوط جديدة ثم تتزاحم جميعًا على المستهلك المصري نفسه.
وهنا تحديدًا تأتي رسالتي إلى وزير الصناعة.
إن هذه الصناعة لا تحتاج إلى حماية من المنافسة، ولا يطلب المصنع الجاد إغلاق الباب أمام مستثمر جديد، وإنما تحتاج إلى حماية المنافسة من الفوضى. ومن الضروري أن يكون لدينا حصر دقيق للمصانع وخطوط الإنتاج وطاقاتها، ودراسة واضحة لحجم الطلب والإنتاج، ومراجعة مستمرة للمواصفات والجودة، وقراءة حقيقية للسوق المحلية وأسواق التصدير، بالتوازي مع إعداد العمالة التي يحتاج إليها هذا التوسع.
نحن نريد خطوط الإنتاج الصينية وغير الصينية، ونريد استثمارات جديدة ومصانع أكثر، ولكننا نريد أن تكون كل ماكينة تدخل مصر إضافة إلى صناعة قوية، لا مجرد طاقة جديدة تلقى بإنتاجها في سوق تعاني أصلًا من التخمة.
فالخطر إذا استمرت الفوضى لن يقع على مصنع بعينه؛ بل سينعكس على الجميع: ضغط متزايد على الأسعار، وتراجع محتمل في الجودة، واضطراب في العمالة، وإضعاف للمصانع الملتزمة، ومخاطر يتحملها المستهلك، وضياع لفرص التصدير، ثم صناعة تستنزف نفسها في منافسة داخلية بدلًا من أن تتنافس على أسواق العالم.
ولهذا أقول لوزير الصناعة: رجاء فتح هذا الملف الآن، ليس لإبطاء نمو صناعة الألومنيوم، وإنما لحماية هذا النمو وتنظيمه، فمصر تحتاج إلى المزيد من المصانع، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى صناعة قوية. والخشية الحقيقية ليست من قلة عدد خطوط الإنتاج، وإنما من أن نستيقظ يومًا فنجد أن لدينا عشرات المصانع وآلاف الأطنان من الإنتاج.. لكننا أضعنا الصناعة وسط الزحام.