مؤشرات النفوذ: كيف يتغلل التيار القطبي الإخواني في ماليزيا؟

لم يظهر تأثير التيارات الإسلامية المتشددة والمتأثرة بالأدبيات القطبية في ماليزيا في صورة موجة عنف مباشرة، بل جاء نتيجة مسار تراكمي طويل من التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية. فقد بدأ هذا التأثير داخل الجامعات والحركات التي اتصفت بالدعوية منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم تمدد تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الأحزاب والولايات، ليجد في منصات التواصل الاجتماعي مساحة أوسع وأسرع للتعبئة والتأثير.
لذلك؛ فإن قراءة هذا التيار لا يجب أن تتوقف عند سؤال: هل أنتج هذا التيار إرهابًا منظمًا أم لا؟ بل يجب أن تبدأ انطلاقًا من سؤال أدق: إلى أي مدى نجح في إعادة تشكيل المجال العام، وما المؤشرات التي تكشف هذا التأثير؟
تمدد مبكر:
منذ السبعينيات، بدأ الخطاب الإسلامي الحركي في ماليزيا عبر الحركات الطلابية والدعوية التي ركزت على الهوية الإسلامية والتربية الدينية والعمل المجتمعي. لم تكن خطورة هذا التأثير في عدد التنظيمات، بل في طبيعة المجال الذي اخترقه، إذ بدأ من الجامعات والطبقة المتعلمة، وهي المساحة التي تنتج النخب السياسية والإدارية لاحقًا. من هنا ظهرت دلالته مبكرًا على أن التأثير لم يكن مجرد نشاط دعوي محدود الأثر، بل تأسيسًا تدريجيًا مدروسًا لقاعدة فكرية متشددة داخل المجتمع الملايوي، انتقلت لاحقًا من المجال الاجتماعي إلى المجال المؤسسي مع دخول الثمانينيات.
وفي المراحل اللاحقة من هذا التمدد، ومع اتساع تبادل الأدبيات المتطرفة عبر الحدود، برز عدد من الممارسات التي تعكس محاولات نشر وترويج أدبيات ذات طابع قطبي داخل المجال الدعوي والتربوي، تمثلت في تداول كتب ومقتطفات من مؤلفات سيد قطب في حلقات دراسية غير رسمية داخل بعض المساجد والأنشطة الشبابية، وتبني مفاهيم مثل الحاكمية والجاهلية المعاصرة والاصطفاء العقدي في الخطاب الوعظي والتربوي. ولا تعني هذه الممارسات وجود تنظيمات عنيفة، لكنها تشير إلى انتقال التأثير من مجرد مظاهر التدين إلى بناء خطاب فكري أكثر صلابة يسعى لتشكيل الوعي الديني والاجتماعي على مدى أطول.
وفي الثمانينيات، ظهر أول مؤشر مهم على انتقال الخطاب من المجتمع إلى الدولة، مع توسع المؤسسات ذات الطابع الإسلامي، وفي مقدمتها إنشاء أول بنك إسلامي عام ١٩٨٣، ثم اتساع التعليم الديني والمؤسسات الشرعية. دلالة هذا التحول أن الدولة لم تترك التيار الديني خارج سيطرتها، بل أدخلته داخل الإطار الرسمي حتى تسيطر عليه وتحد من انفلاته. وهنا تظهر أهمية سيطرة الدولة على المجال الديني باعتبارها أحد الأسباب المركزية التي منعت الخطاب المتشدد من التحول إلى تنظيمات عنف، فالدولة فتحت المجال للخطاب الديني المنظم، ولم تتركه بلا رقابة.
على الصعيد السياسي؛ تجلى هذا التحول بوضوح في صعود حزب PAS والتيار المتشدد داخل عدد من الولايات. فمنذ عام ١٩٩٠، حافظ الحزب على نفوذ واسع وممتد في كلنتن، ثم توسع حضور التيار المتشدد في ولايات أخرى. وفي انتخابات الولايات عام ٢٠٢٣، فاز تحالف PN الذي يضم PAS بـ٤٣ مقعدًا من ٤٥ في كلنتن، و٣٢ من أصل ٣٢ في ترنغانو، و٣٣ من أصل ٣٦ في قدح، كما حصل على ١٤٦ إجمالًا من أصل ٢٤٥ في انتخابات الولايات الست.
تعكس هذه الأرقام توسعًا انتخابيًا واضحًا للتيار الإسلاموي في عدد من الولايات، دون أن تعني بالضرورة سيطرة كاملة على المشهد السياسي، إذ حافظت قوى أخرى على نفوذها في ولايات رئيسية، بما يعكس حالة توازن سياسي أكثر منها هيمنة أحادية. ففي انتخابات ٢٠٢٣ نفسها، احتفظت الحكومة بولايات مثل سيلانجور وبينانغ ونيغري سمبيلان، أي إن البلاد انقسمت سياسيًا بين ولايات إسلامية وولايات أكثر تعددية وانفتاحًا. هذا التوزيع يفسر لماذا لم يتحول التيار الإسلامي إلى مشروع حكم أحادي، لأنه قوي اجتماعيًا في نطاقات محددة، لكنه يصطدم ببنية اجتماعية متعددة الأعراق والأديان على المستوى الاتحادي.
في هذا السياق؛ ازدادت حدة كل تلك العوامل في عام ٢٠١٥، فقد شهد هذا العام انقسامًا داخل التيار الإسلامي مع خروج قيادات من PAS وتأسيس حزب Amanah. هذا الانقسام لم يكن واقعة هامشية، بل مؤشرًا على أن الإسلام السياسي الماليزي لم يكن كتلة واحدة، فهناك تيار تمسك بالتشدد، وتيار وُصف بالإصلاحي حاول تقديم صيغة أكثر انفتاحًا تتسق مع المعطيات السياسية والاجتماعية وفق الأطر البرجماتية.
وقد أشارت دراسة صدرت عام ٢٠١٦ إلى أن Amanah قدم نفسه كتيار إسلامي ديمقراطي وشامل، لكنه واجه صعوبة في كسب أصوات الملايو المسلمين، إذ حصل على نحو ثلثي أصوات الصينيين، وأقل من ١٠٪ من أصوات الملايو المسلمين. وهذه دلالة تكشف أن الاعتدال الإسلامي قد يكون مقبولًا لدى الأقليات التي تبحث غالبًا عن خطاب توافقي، لكنه يواجه صعوبة في اختراق القاعدة الملايوية التي يهيمن عليها خطاب PAS، التي تميل إلى خطاب الهوية الدينية الصارمة. من ثم؛ فإن المسألة لا تتعلق بضعف الخطاب المعتدل بقدر ما ترتبط بطبيعة البيئة الاجتماعية التي تحدد سقف القبول السياسي والديني المتشدد داخل المجتمع.
مناخ حاضن:
من هذه المنطلقات؛ ظهر مفهوم “ما بعد الإسلام السياسي” الذي تناولته دراسة ISEAS عام ٢٠٢٣، فماليزيا وفقًا للدراسة لا تعيش فقط صراعًا بين إسلاميين وعلمانيين، بل صراعًا داخل الإسلام السياسي نفسه بين خطاب أيديولوجي متشدد وخطاب أكثر برجماتية يحاول التكيف مع الدولة الحديثة والتعددية. الدراسة تشير إلى أن PAS يمتلك ٤٣ مقعدًا في البرلمان ويسيطر على أربع ولايات، بما يجعل المواجهة بين أنور إبراهيم وPAS جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل الإسلام السياسي في ماليزيا. دلالة ذلك أن التيار المتشدد لم يعد هامشيًا، لكنه أيضًا لم يعد قادرًا على فرض نفسه وحده دون الدخول في معادلات تحالفية معقدة.
بناءً عليه؛ يمكن قياس تأثير التيار الإسلامي المتشدد اجتماعيًا من خلال ثلاث مؤشرات؛ انتشار المظهر الديني، وتمدد التعليم الديني، واتساع الرقابة الأخلاقية المجتمعية. ما يعكس أن التيار المتشدد لا يحتاج بالضرورة إلى القانون كي يفرض أثره، يكفي أن يصنع مناخًا اجتماعيًا يجعل الممارسات الشمولية هي السلوك المقبول حصريًا. وهذه هي خطورة الأسلمة الاجتماعية، أنها لا تتحرك دائمًا بقرار رسمي، بل عبر ضغط ثقافي وتربوي ممتد.
قانونيًا؛ يظهر مؤشر تأثير التيار المتشدد في توسع حضور المحاكم الشرعية داخل اختصاصاتها المتعلقة بالمسلمين، خصوصًا في بعض المخالفات الدينية والأخلاقية. وقد انعكس أثره كذلك في طبيعة بعض العقوبات التي تفرضها المحاكم الشرعية المتمثلة في الجلد. دلالة ذلك أن الشريعة في ماليزيا ليست نظامًا جنائيًا يسيطر على الدولة، لكنها تمتلك مساحة عقابية رمزية مؤثرة في تشكيل العقل الجمعي.
فقد تحول هذا البعد القانوني إلى مؤشر سياسي واجتماعي واضح عام ٢٠٢٤، عندما نُفذت عقوبة جلد علني في ترنغانو بسبب مخالفة “خلوة”، وشملت العقوبة ست جلدات وغرامة، ونُفذت أمام نحو ٩٠ شخصًا بعد صلاة الجمعة، في ولاية يحكمها PAS. دلالة الواقعة هنا ليست فقط في طبيعة العقوبة، بل في رمزيتها، فانتقال القانون الشرعي من نص إلى مشهد علني منح التيار المتشدد فرصة لتقديم نفسه كحارس للأخلاق، وهو ما أثار انتقادات حقوقية ودستورية واسعة.
أما في ملف الأقليات؛ فتظهر مؤشرات التوتر بوضوح في أزمة استخدام كلمة “الله” في المنشورات المسيحية. ففي عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٠ تعرضت ١٠ كنائس على الأقل لهجمات أو محاولات تخريب عقب الجدل القضائي حول استخدام الكلمة. الدلالة هنا أن الخطاب المتشدد لا تكمن خطورته في صناعة أعمال عنف واسعة، لكنه قادر على تحويل قضية لغوية أو قانونية إلى أزمة هوية دينية، خاصة عندما تُضخم عبر الإعلام والسوشيال ميديا.
ولم يكن تضخيم هذه الأزمات بمعزل عن الفضاء الرقمي، إذ تحولت المنصات الإلكترونية إلى بيئة حاضنة لانتشار أنماط جديدة من جرائم التحريض المرتبطة بالهوية الدينية والعرقية. فقد برزت عبر الإنترنت ممارسات متعددة تثير التوترات، منها نشر خطاب التكفير والتشدد الديني، والتحريض على مقاطعة جماعات دينية أو اجتماعية بعينها، وتداول شائعات تستهدف تأجيج النزاعات، فضلًا عن الدعوة للتظاهر أو الاحتشاد تحت شعارات دينية متشددة، أو الإساءة إلى الرموز الدينية بما يستفز مشاعر قطاعات واسعة من المواطنين. في هذا السياق لم يعد الخطاب المتطرف مجرد رأي عابر، بل أصبح أداة ضغط اجتماعي قادرة على تحويل الخلافات المحدودة إلى توترات عامة عندما تجد طريقها إلى التداول الرقمي الواسع.
أمام هذا الوضع المشحون؛ أدركت الدولة الماليزية أن إدارة التعدد الديني والعرقي لم تعد مسألة وعظ أو تهدئة اجتماعية فحسب، بل قضية تنظيم تشريعي للفضاء الرقمي ذاته. لذلك بدأت في ١ يناير ٢٠٢٥ تطبيق نظام إلزامي لترخيص منصات التواصل وخدمات الرسائل التي يتجاوز عدد مستخدميها ثمانية ملايين مستخدم، بما يتيح للسلطات حجب المحتوى التحريضي، وفرض عقوبات على الجهات التي تتقاعس عن منع خطاب الكراهية أو التحريض الديني والعرقي. كما تم توسيع صلاحيات الأجهزة المختصة لملاحقة جرائم التحريض الإلكتروني. وتعكس هذه الإجراءات انتقال الدولة من مرحلة إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى انتهاج سياسة استباقية تستهدف منع تحول الخطاب المتشدد إلى تهديد فعلي للاستقرار الاجتماعي.
رغم كل المؤشرات السابق بيانها، فإن التأثير القطبي على الواقع الماليزي لم يتحول إلى إرهاب منظم، ويمكن إرجاع ذلك إلى الأسباب التالية؛
(-) السبب الأول أن الدولة سيطرت على هامش مساحة آمنة من العمل الحزبي والانتخابي لتلك التيارات، فجعلت علاقتها بتلك التيارات تنسيقية وليست صدامية.
(-) السبب الثاني أن الدولة احتفظت بسيطرة مؤسسية على الخطاب الديني عبر الهيئات الرسمية والتنظيم القانوني.
(-) السبب الثالث أن التعدد العرقي والديني في ماليزيا جعل أي مشروع أحادي يصطدم بحدود اجتماعية وسياسية. السبب الرابع أن الأجهزة الأمنية تدخلت مبكرًا ضد الخلايا والأفراد المرتبطين بتنظيمات عابرة للحدود، فبقي الخطر الأمني محدودًا مقارنة بحجم الخطاب المتشدد.
بناءً على هذه المؤشرات؛ يمكن القول إن مستوى التهديد الإسلاموي في ماليزيا متوسط اجتماعيًا وسياسيًا، ومنخفض أمنيًا. متوسط سياسيًا لأن التيار المتشدد يسيطر على ولايات ويحصد عشرات المقاعد دون أن يتعدى النسب الآمنة، خاصة في ظل عدم وجود محاولات سابقة للسيطرة العنيفة على الدولة. ومتوسط اجتماعيًا لأن مظاهر التشدد، رغم تقبلها في أوساط معينة، تجد معارضة في أوساط أخرى، مما يخلق حالة من التعددية والاختلاف. ومنخفض أمنيًا لأن هذا التأثير لتلك التيارات لم يتحول إلى إرهاب منظم، ولم تظهر أدلة على وجود دعم مؤسسي لجماعات خارجية، رغم وجود حالات فردية لعناصر أو متعاطفين مع جماعات متطرفة وافدة تعاملت معها الدولة بالتوقيف والترحيل.
الخلاصة؛ أن ما تقدمه الحالة محل الدراسة لا ينبغي فهمه باعتباره نموذجًا يُحتذى به، بل باعتباره حالة قيد الرصد والتحليل في سياقها الوطني الخاص، مع ضرورة مراعاة اختلاف الظروف والعوامل السياسية والاجتماعية والأمنية من دولة إلى أخرى. فنجاح ماليزيا في التنسيق مع التيار المتشدد دون السماح له بالسيطرة لا يعني بالضرورة صلاحية هذا النهج للتطبيق في كل البيئات، فالاعتدال الظاهري قد يكون تكتيكًا مرحليًا، أما النيات الراسخة فلا تتغير إلا بتغير الفكر ذاته.
من ثم؛ فإن المسؤولية المهنية والبحثية تقتضي قراءة هذه التجربة بوصفها تجربة تسهم في وصف الظاهرة، لا في تبريرها أو الاحتذاء بها، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل دولة خصوصيتها المؤسسية وتركيبتها الاجتماعية وتحدياتها الأمنية، وهو ما يجعل التعامل مع المسائل الأمنية والأفكار المتطرفة مسألة تقدير وطني يرتبط بحجم التهديد وطبيعة المجتمع. فالنيات لا تُقاس بالتصريحات، بل بالأفعال حين تتاح الفرصة.