شبكات متداخلة: ما دلالات ظهور ماليزيا في خلية اليونان الإرهابية؟

أعلنت السلطات اليونانية توقيف فلسطيني يبلغ من العمر 37 عامًا في جزيرة كريت، للاشتباه في تخطيطه لهجمات وارتباطه بحركة حماس، مع ربط التحقيقات بينه وبين أربعة فلسطينيين أوقفوا في قبرص على خلفية اتهامات متعلقة بالإرهاب. ووفق ما نشرته وكالة أسوشيتد برس، فإن المشتبه به كان مقيمًا في كريت منذ عام ويعمل كهربائيًا، وطلب عبر الإنترنت مواد كيميائية يمكن استخدامها في تصنيع متفجرات، كما كشفت عمليات التفتيش في كريت وأثينا عن هواتف وأجهزة كمبيوتر وأقراص تخزين وبطاقات مصرفية. وتشير التحقيقات إلى أن المتهم تلقى تدريبات -في معسكر تابع لحماس داخل ماليزيا- على تصنيع المتفجرات باستخدام مواد كيميائية متاحة تجاريًا.
وتزداد أهمية القضية مع ما ذكرته تقارير غربية من أن الهدف المحتمل كان سفينة سياحية إسرائيلية كان مقررًا وصولها إلى جزيرة كريت، إلى جانب احتمال استهداف مصالح إسرائيلية أخرى في أوروبا. ومن هنا يبرز سؤال رئيسي: هل تكشف هذه القضية عن تحول نوعي في أنماط الإرهاب المرتبط بالصراعات الإقليمية، أم أنها واقعة أمنية محدودة فرضتها أجواء الحرب في غزة؟ ويتفرع عن ذلك سؤالان: الأول، ماذا تعني محاولة استهداف أهداف إسرائيلية مدنية وسياحية خارج ساحة الصراع المباشر؟ والثاني، ما دلالة امتداد خيوط القضية بين فلسطين واليونان وقبرص وماليزيا؟
من الجبهة المباشرة إلى الأهداف الرخوة:
تكشف القضية عن انتقال مهم في منطق الاستهداف؛ فالأمر لا يتعلق بعملية داخل غزة أو الضفة الغربية أو على الحدود الإسرائيلية، وإنما بمحاولة نقل الصراع إلى ساحة أوروبية وسياحية في شرق المتوسط. ويدخل هذا النوع من الاستهداف ضمن ما يعرف أمنيًا بـ”الأهداف الرخوة”، وهي الأهداف المدنية الأقل تحصينًا والأكثر تأثيرًا إعلاميًا ونفسيًا. فاستهداف سفينة سياحية إسرائيلية لا يوجه رسالة إلى إسرائيل وحدها، بل يشكل ضغطًا على اليونان، ويضرب صورة الأمن السياحي، ويحول البحر المتوسط من بيئة سياحية وتجارية إلى ساحة تهديد محتملة.
وتاريخيًا، فضلت كثير من التنظيمات الأهداف السياحية والمدنية لأنها تحقق صدمة واسعة بتكلفة محدودة. فقد استهدفت هجمات بالي عام 2002 مناطق سياحية، كما استهدفت هجمات مومباي عام 2008 فنادق ومرافق مدنية ذات رمزية دولية. وفي الحالة اليونانية تصبح السفينة الإسرائيلية هدفًا ذا رمزية مزدوجة؛ فهي مدنية وسياحية من ناحية، ومرتبطة بإسرائيل من ناحية أخرى.
ومن ثم، فإن أي هجوم ناجح على هدف مدني أو سياحي في هذه المنطقة قد ينعكس على حركة السياحة والثقة الاستثمارية وصورة الأمن الإقليمي، بما يجعل آثاره تتجاوز الدولة المستهدفة مباشرة. ورغم اختلاف طبيعة العملية عن الهجمات التي تستهدف تعطيل الملاحة الدولية كما يفعل الحوثيون في البحر الأحمر، فإن القاسم المشترك يتمثل في السعي إلى إنتاج تأثير اقتصادي ونفسي يتجاوز النطاق الجغرافي المباشر للحادث.
كما أن اختيار كريت أو قبرص ليس مصادفة؛ فشرق المتوسط أصبح خلال السنوات الأخيرة منطقة شديدة الحساسية، تتداخل فيها ملفات أمن الطاقة وخطوط الملاحة والهجرة غير الشرعية والسياحة الدولية والعلاقات الأمنية بين إسرائيل واليونان وقبرص. لذلك فإن أي تهديد في هذه الساحة لا يُقرأ بوصفه حادثًا محليًا، بل باعتباره مؤشرًا على هشاشة الأمن الإقليمي في منطقة تجمع بين أوروبا والشرق الأوسط.
ولا تقتصر أهمية هذه المؤشرات على الكشف عن خلية محتملة فحسب، بل تكشف كذلك عن طبيعة التهديدات الأمنية الجديدة في شرق المتوسط. فالعثور على مواد كيميائية وأجهزة تخزين واتصالات عابرة للحدود يوحي بأن الأمر يتجاوز فكرة المنفذ الفردي، ليعكس وجود بنية لوجستية قادرة على توفير الدعم والتنسيق عبر أكثر من دولة.
وتزداد دلالة ذلك إذا ما وُضع في سياق الموقع الجغرافي لليونان باعتبارها نقطة التقاء بين الشرق الأوسط وأوروبا، وممرًا رئيسيًا لحركة السياحة والتجارة والطاقة. ومن ثم، فإن أي نشاط إرهابي محتمل داخل هذه البيئة لا يهدد دولة بعينها، بل يثير مخاوف أوسع تتعلق بأمن الممرات البحرية وسلامة الحركة السياحية وقدرة التنظيمات العابرة للحدود على استغلال مساحات الانفتاح الأوروبية للوصول إلى أهدافها.
إعادة تشكيل للحسابات الأوروبية:
أدت الحرب في قطاع غزة إلى إعادة ترتيب أولويات المؤسسات الأمنية الأوروبية، بعدما عززت قناعة متنامية بأن الصراعات الإقليمية لم تعد تقتصر آثارها على حدودها الجغرافية المباشرة، بل أصبحت تمتلك قدرة متزايدة على إنتاج تداعيات أمنية وسياسية عابرة للحدود. وفي هذا السياق دفعت الحرب أجهزة الأمن الأوروبية إلى توسيع نطاق الرصد والمتابعة تجاه الأفراد والشبكات المرتبطة بمناطق النزاعات. وبالنظر إلى بداية كشف الخلية، نجد أن الأمر لم يبدأ من اليونان، بل من التحقيقات القبرصية.
فوفقًا لوكالة أسوشيتد برس، بدأت السلطات القبرصية في 22 مايو باعتقال فلسطينيين بعد ورود معلومات استخباراتية قادت إلى العثور داخل مساكن مرتبطة بهم على مواد يمكن استخدامها في تصنيع المتفجرات، ثم توسعت التحقيقات لتشمل فلسطينيين آخرين، قبل أن تقود خيوط الاتصالات والعلاقات إلى المشتبه به الموجود في جزيرة كريت اليونانية. وقد أكدت الشرطة اليونانية أن اعتقاله جاء مرتبطًا مباشرة بالموقوفين الأربعة في قبرص.
وأظهرت القضية تنامي مستوى اليقظة والتعاون الاستخباراتي العابر للحدود. فالمشتبه بهم موزعون بين قبرص واليونان، بينما ارتبطت بعض تحركاتهم بماليزيا، ما يعني أن أيًا من هذه الدول لم يكن قادرًا بمفرده على تكوين الصورة الكاملة. لذلك أصبحت فعالية مكافحة الإرهاب في أوروبا مرتبطة بقدرة الأجهزة الأمنية على تبادل المعلومات وربط المعطيات المتفرقة في أكثر من دولة.
كما تبرز دلالة أخرى مهمة تتعلق بموقع قبرص واليونان بوصفهما بوابتين رئيسيتين للهجرة واللجوء إلى أوروبا. فالمتابعة الأمنية التي بدأت في قبرص لم تركز فقط على أفراد مشتبه بهم، وإنما جاءت أيضًا في سياق مراقبة بيئات العبور والتحركات المرتبطة بالوافدين القادمين من مناطق النزاعات. وهو ما يعكس اتجاهًا أوروبيًا متناميًا ينظر إلى بعض مسارات الهجرة واللجوء باعتبارها مناطق ذات أولوية استخباراتية مرتفعة، ليس بسبب المهاجرين أنفسهم، وإنما بسبب المخاوف من استغلال هذه المسارات في بناء شبكات اتصال أو دعم لوجستي عابر للحدود.
ومن هذا المنطلق، تعزز القضية الاتجاه المتنامي داخل أوروبا الداعي إلى الربط بين سياسات اللجوء ومتطلبات الأمن القومي، وتدفع العديد من الحكومات إلى مراجعة إجراءات التدقيق الأمني الخاصة بطالبي اللجوء والقادمين من مناطق النزاعات. كما توفر هذه النوعية من القضايا زخمًا إضافيًا للتيارات اليمينية التي تبني جزءًا من خطابها على اعتبار الهجرة أحد التحديات الأمنية الرئيسية التي تواجه القارة.
ما وراء ظهور ماليزيا في القضية:
يثير ظهور ماليزيا في هذه القضية تساؤلات تتجاوز الواقعة الأمنية ذاتها، خاصة أن الدولة تقع خارج مسرح الأحداث الذي يمتد بين فلسطين وقبرص واليونان. وتكمن أهمية هذا الظهور في أن ماليزيا تمثل منذ عقود إحدى نقاط الالتقاء الرئيسية بين الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، سواء من خلال الجامعات التي تستقبل آلاف الطلاب الأجانب، أو عبر المؤسسات الدينية والشبكات الخيرية والخدمية العابرة للحدود التي أسهم بعضها في توفير بيئات مناسبة لانتقال الأفكار والتنظيمات المتطرفة.
ويرتبط اسم ماليزيا تاريخيًا بعدد من الشبكات والتنظيمات التي نشطت في جنوب شرق آسيا خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، وعلى رأسها تنظيم “الجماعة الإسلامية”، الذي استغل الطبيعة المنفتحة للمنطقة في بناء شبكات اتصال بين ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وسنغافورة. وقد كشفت تحقيقات دولية عديدة أن بعض الاجتماعات واللقاءات التنظيمية التي سبقت هجمات إرهابية بارزة في المنطقة جرت داخل الأراضي الماليزية، ليس بسبب دعم الدولة أو مؤسساتها الرسمية لهذه الأنشطة، وإنما نتيجة استفادة تلك الجماعات من سهولة الحركة والتنقل ووجود بيئات اجتماعية وتعليمية مفتوحة تسمح ببناء العلاقات وتبادل الخبرات بعيدًا عن مناطق الصراع التقليدية.
وفي ضوء ذلك، فإن دلالة ظهور ماليزيا في القضية الحالية لا ترتبط بوجود معسكرات إرهابية بالمعنى التقليدي الذي عرفته أفغانستان في فترات مختلفة، وإنما تعكس نمطًا أكثر تطورًا في عمل الشبكات العابرة للحدود. فالمعلومات المتداولة تشير إلى وجود لاجئ فلسطيني يقيم في أوروبا، وعناصر موقوفة في قبرص، وتدريب في جنوب شرق آسيا، وهدف إسرائيلي داخل شرق المتوسط. وهذا النمط يكشف عن انتقال التنظيمات والشبكات المتطرفة من الاعتماد على مراكز تدريب ثابتة إلى الاستفادة من فضاءات الحركة الدولية وشبكات التعليم والهجرة في بناء قدراتها البشرية والفنية.
في النهاية يمكن القول إن ظهور ماليزيا في هذه القضية، يمثل مؤشرًا على الطبيعة العالمية المتزايدة للشبكات المتطرفة، التي أصبحت تتحرك عبر مسارات معقدة تربط بين الشرق الأوسط وأوروبا وجنوب شرق آسيا في إطار منظومة واحدة تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية. ففي عالم تتجاوز فيه التهديدات الحدود والجوازات والخرائط، لم يعد الأمن معركة تُخاض على خطوط التماس فقط، بل أصبح صراعًا دائمًا لفهم الأفكار قبل أن تتحول إلى شبكات، والشبكات قبل أن تتحول إلى أحداث.