موقف المعارضة من قانون نزع الأراضي في ظل التصعيد الأمريكي ضد “رامافوزا”

في 23 يناير الماضي، وقع الرئيس رامافوزا على قانون جديد ينظم عملية نزع ملكية الأراضي في جنوب أفريقيا، بعد خمس سنوات من التشاور العام والمناقشة البرلمانية. وذلك في إطار سعي الحكومة لمعالجة التفاوتات التاريخية في توزيع الأراضي. ويلغي قانون نزع الملكية في عام 1975، والذي كان يعرقل جهود إعادة توزيع الأراضي بشكل عادل.
يقدم القانون الجديد آلية قانونية لنزع ملكية الأراضي دون الحاجة إلى تعويض مالي، بما في ذلك محاولة التوصل إلى اتفاق مع المالك، بشرط أن تتوفر مبررات قوية تتعلق بالمصلحة العامة، مما يثير جدلاً واسعاً حول مدى دستورية هذا الإجراء، وفي الوقت نفسه، لا يزال التفاوت الكبير في ملكية الأراضي بين السود والبيض يشكل تحديًا كبيرًا، حيث يرى منتقدو القانون أنه لا يعالج جذور المشكلة. كما أن القانون يترك الباب مفتوحًا أمام تفسير واسع لمفهوم “المصلحة العامة”، مما يثير مخاوف بشأن إمكانية استغلال هذه السلطة بشكل تعسفي. خاصة، وأن الفترة التي تلت تطبيق القانون لم تشهد أي عمليات فعلية لنزع ملكية الأراضي حتى الآن، مما يشير إلى تأخر في تنفيذ بنود القانون المتعلقة بالإجراءات التنفيذية.
مسارات هامة:
فرض النظام العنصري في جنوب أفريقيا سياسات قمعية سلبت السود وأصحاب البشرة الملونة حقهم في امتلاك الأراضي، وحصرته بالأقلية البيضاء، حيث سلب قانون عام 1913 السود أراضيهم بالقوة، وحدد ملكية الأراضي الأفريقية بنسبة 7% فقط، ثم تم تعديلها لاحقًا إلى 13% في عام 1936. وحصره ملكية الأراضي بالأقلية البيضاء فقط، مما أدى إلى تهميش الأغلبية السوداء وتركيزهم في مناطق ضيقة.
رغم إلغاء قوانين الفصل العنصري العنصرية في عام 1991، وسعى دستور جنوب أفريقيا الديمقراطي إلى معالجة هذه التفاوتات التاريخية من خلال آليات قانونية تضمن إعادة توزيع عادلة للموارد ومن بينها الاراضي، إلا أن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بين العرقيات المختلفة في جنوب أفريقيا لا تزال قائمة، حيث احتفظ الأفريكانيين البيض، الذين ينحدرون من المستعمرين الهولنديين وغيرهم من الأوروبيين بأغلبية مساحات الأراضي الصالحة للزراعة، مما يعكس استمرار اللظلم التاريخي الذي تعرض له السود.
فشلت الإصلاحات الزراعية في تحقيق هدفها المتمثل في إعادة توزيع الأراضي بشكل عادل، مما يعكس صعوبة معالجة آثار نظام عنصري دام لسنوات طويلة. كشفت مراجعة الأراضي لعام 2017 عن استمرار التفاوتات الصارخة في ملكية الأراضي، حيث سيطر البيض ، الذين يشكلون 8٪ من السكان، يمتلكون حوالي ثلاثة أرباع المزارع والممتلكات الزراعية، بينما كان السود في جنوب إفريقيا يمتلكون 4٪ فقط، حيث استمرت الآليات التقليدية في تعزيز سيطرة البيض على الموارد الزراعية.
اتجاهات موقف الأفريكانرز:
يعارض حزب التحالف الديمقراطي القانون الجديد، معتبرًا أنه يتجاوز صلاحياته ويقوض مبدأ سيادة القانون، ويحذر من أنه قد يؤدي إلى هروب الاستثمارات، وتقويض الثقة في الاقتصاد، مما يعيق جهود تحقيق النمو الاقتصادي. بينما أكدت جبهة الحرية بلس، وهي حزب أبيض يميني عضو في حكومة الوحدة الوطنية، إنها ستطعن في دستورية القانون، وترى أن القانون الجديد يهدد بعرقلة جهود تحقيق المصالحة الوطنية، ويفتح الباب أمام تدخلات حكومية تعسفية في الملكية الخاصة، بالإضافة إلى أنه يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي للبلاد، حيث سيؤدي إلى هروب الاستثمارات وتقويض الثقة في الاقتصاد.
وتخشى بعض الأوساط داخل جنوب إفريقيا من أن تؤدي هذه التصريحات إلى تفاقم التوترات العرقية داخل البلاد. ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة “إيبسوس” في ديسمبر 2023، فإن 63% من السكان السود يؤيدون سياسات إصلاح الأراضي، بينما يعارضها 78% من السكان البيض. ويعكس هذا التفاوت العميق في الرأي العام مدى تعقيد هذه القضية، حيث يرى البعض أن الإصلاح الزراعي ضرورة لتحقيق العدالة الاجتماعية، بينما يعتبره آخرون تهديدًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
تصعيد ترامب:
في تصعيد للأزمة بين البلدين، قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على جنوب أفريقيا، وذلك بتجميد المساعدات المالية في السابع من فبراير الجاري، ردًا على ما وصفه ترامب بـ”الإجراءات الفظيعة” التي اتخذتها حكومة جنوب أفريقيا، بالإضافة إلى موقف بريتوريا الداعم للقضية الفلسطينية، وحافظها على علاقات وثيقة مع الصين وروسيا وخاصة في إطار تحالف البريكس، وعلاقاتها الوثيقة مع طهران. ويهدف ترامب من خلال هذه الخطوة إلى الضغط على حكومة جنوب أفريقيا والتدخل في سياستها الداخلية، وذلك باستخدام قضية الأقلية البيضاء كأداة ضغط، وحاول تشجيع هجرة الأقلية البيضاء من جنوب أفريقيا، زاعماً تعرضهم للتمييز، وذلك بهدف إضعاف الحكومة.
صعد ترامب وحلفاؤه، وخاصة الملياردير المولود في جنوب إفريقيا إيلون ماسك، من خطابهم ضد جنوب إفريقيا في رد فعل واضح على قانون نزع الملكية لعام 2024، واتهم حكومة رامابوزا باتباع “قوانين ملكية عنصرية علنية”. كما انضم وزير الخارجية ماركو روبيو إلى المنتقدين، قائلا إنه سيغيب عن محادثات مجموعة العشرين هذا الشهر في جنوب إفريقيا، متهما الحكومة المضيفة بأجندة “معادية لأمريكا”.
في مواجهة حملة لتشويه صورتها، أكدت تصريحات رامافوزا التي جاءت بعد أيام فقط من تهديد ترامب بقطع كل التمويل عن جنوب أفريقيا، وذكر بكل قوة أمام البرلمان لن نستسلم “للتنمر”، في إشارة إلى الرواية الكاذبة المستمرة منذ فترة طويلة بأن البيض في جنوب أفريقيا يتعرضون لسوء المعاملة من قبل حكومة ما بعد الفصل العنصري في البلاد، حيث تستند هذه الرواية الزائفة التي روّج لها اليمين المتطرف في جنوب أفريقيا، إلى رغبة الأقلية البيضاء في تشويه صورة الواقع وتضليل الرأي العام العالمي، بهدف عرقلة عملية الإصلاح الزراعي والحفاظ على امتيازاتهم التاريخية.
وترى جنوب أفريقيا أن الموقف الأمريكي مدفوع بدوافع سياسية، ويهدف إلى التدخل في شؤونها الداخلية، وتقويض جهودها لبناء مجتمع عادل ومتساوٍ. وردت حكومة جنوب أفريقيا في الثامن من فبراير، قائلة إن فرضية أمر ترامب “تفتقر إلى الدقة الواقعية وتفشل في الاعتراف بالتاريخ العميق والمؤلم لجنوب أفريقيا من الاستعمار والفصل العنصري”. ليست هذه المرة الأولى التي توجه فيها إدارة ترامب أصابع الاتهام إلى جنوب أفريقيا، فسبق وأن أطلقت تحقيقات مماثلة في عام 2018. كما أن أي تدخل خارجي في قضاياها الداخلية أمراً بالغ التعقيد ويحمل في طياته مخاطر تفاقم الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية التي ورثتها عن نظام الفصل العنصري، خاصة في ظل الاعتماد على المساعدات الخارجية في مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم.
وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة قدمت لجنوب إفريقيا مساعدات بقيمة 440 مليون دولار في عام 2023، معظمها مخصص لبرامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، وهو ما يقلل من تأثير أي قرار بقطع التمويل، مما سيؤثر بشكل كبير على قدرة البلاد على توفير العلاج والرعاية للملايين من المصابين.
ختامًا، تواجه جنوب أفريقيا صعوبة في الموازنة بين الحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة والتمسك بسياساتها المستقلة، حيث تسعى إلى تنويع شراكاتها الدولية للحد من تأثير الضغوط الأمريكية وتعزيز استقلاليتها في صنع القرار. تعكس مسألة توزيع الأراضي في جنوب أفريقيا تراكمًا تاريخيًا لعدم المساواة، حيث إن جذور هذه المشكلة تعود إلى نظام الفصل العنصري، وما زالت آثارها تتجلى حتى اليوم، ويُمثل قانون الإصلاح الزراعي الجديد محاولة لمعالجة هذه المشكلة، ولكنه يواجه تحديات كبيرة تتطلب حلولًا شاملة تأخذ في الاعتبار الحقائق التاريخية والواقع المعاصر.
وبالنسبة لفئة المزارعين البيض، وهم يمثلون شريحة اقتصادية مهمة، لكنهم أيضاً يشعرون بتهديد متزايد نتيجة السياسات الحكومية الأخيرة، وإذا تم تنفيذ سياسات الإصلاح الزراعي دون توازن اجتماعي، فقد يؤدي ذلك إلى نزوح جماعي لهذه الفئة، وهو ما قد يسبب انخفاضاً في الإنتاج الزراعي، لكن في المقابل، فإن التمسك ببنية الملكية الحالية دون تغيير سيبقي على حالة التفاوت الاجتماعي، مما يغذي مشاعر الظلم ويمنع أي تقدم في تحقيق العدالة الاجتماعية الحقيقية.
إن الحل الأمثل لهذه الأزمة يكمن في تبني نهج شامل يركز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويضمن تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، وذلك من خلال تجنب الحلول العقابية التي قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة وتعميق الانقسامات الاجتماعية.