السيناريو الأرجح.. هل تنفذ “القسام” تهديدها بإعدام الأسرى؟

في الساعات الأولى من الـ 8 من أكتوبر الجاري، نشرت بعض وسائل الإعلام كلمة صوتية للناطق العسكري باسم “كتائب القسام” أبوعبيدة، هدد فيها جيش الاحتلال، بأنهم سيردون على كل قصف جديد بإعدام الأسري الإسرائيليين المحتجزين لديها بالصوت والصورة.
تأسيسا على ذلك، يناقش هذا التحليل حدود تنفيذ “كتائب القسام” لما ورد في بيان متحدثها العسكري، وتداعيات بيانه، وتأثيرات تنفيذه واحتمالاته على المدى الزمني للحرب.
بيان قوى:
بداية، جاء نص البيان كالتالي على لسان أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، إن “كل استهداف لأبناء شعبنا الآمنين في بيوتهم دون سابق إنذار، سنقابله بإعدام الرهائن المدنيين لدينا وسنبثه بالصوت والصورة “، “العدو لا يفهم لغة الإنسانية والأخلاق، وسنخاطبه باللغة التي يعرفها”.
ويأتي هذا الإعلان في ظل قصف إسرائيلي متصاعد على قطاع غزة، استهدف منازل وبني تحتية مدنية، وأسفر عن عشرات القتلى والمصابين من الجانب الفلسطيني. فمن خلال قراءة معمقة لبيان كتائب القسام، تجدر الإشارة إلى:
(*) إنذار مبكر تجاه التهديد الإسرائيلي بالتدخل البري لغزة: البيان يشير إلى طول نفس المقاومة الفلسطينية هذه المرة، وأنها لم تكتف بالفعل أو الرد فقط في انتظار وساطة دولية أو إقليمية لإنهاء القتال كما كان في السابق، بل تحاول التأكيد أنها جاهزة لمواجهة التحرك البري من جيش الاحتلال لقطاع غزة.
(*) تغير في استراتيجية التعامل مع الأسري: فعادة ما يتم تسويق حسن معاملة الأسرى، والتعامل في إطار الأخلاق والمبادئ الدينية، فالبيان الصادر عن “كتائب القسام” يمثل صورة مخالفة تماما لما تم ترويجه في اليوم الأول من عملية “طوفان الأقصى”، المتمثلة في حسن استقبال ومعاملة الأسرى. مما يؤشر إلى أنه ثمة تغير طرأ في مسلمات الحرب لدى حماس، وفقا لتطورات المشهد.
(*) تكتيك جديد في الإعلام العسكري لحركات المقاومة الفلسطينية: من الملاحظ أن حماس بدأت تستخدم الأسلوب التصويري في الحرب، وقد يكون إدراكا منها لتأثير الأداة الدعائية ضد إسرائيل، فمنذ بداية الهجوم وتروج حماس لأي تقدم على الأرض لصالحها عبر الصور، حتى أنها وفقا للبيان هددت إسرائيل ببث عملية إعدام الأسرى الإسرائيليين علنا.
(*) استخدام محسوب للرأي العام الإسرائيلي: تحاول حركات المقاومة الفلسطينية، استغلال الوضع الداخلي الهش في إسرائيل، وتأجيج مشاعر الغضب تجاه نتنياهو من قبل الرأي العام والمعارضة بشكل أكبر، والمتوقع أن تتضاعف في حالة بث عملية إعدام الأسرى أمام أعين ذويهم.
تأسيسا على ما تم تحديده سابقًا، يمكن القول إن “كتائب القسام”، لجأت لاتباع أسلوب مشابه لما تتبعه داعش في محاولة الرد أو إلحاق الهزيمة المعنوية والمادية بأعدائها، فقد اعتادت داعش على تصوير وبث عملية اقتياد ومعاقبة عناصرها للأسرى، كذلك عمليات الإعدام الجماعية والفردية، بل وطرقها الخاصة في تنفيذ الإعدام. فقد سبق ونشرت صور وفيديوهات لعملية إعدام جماعية من خلال حرق الضحايا داخل عربة، أو ربطهم بحبل ناسف وغيرها.
ولكن، ليس من الواضح حتى الآن مبررات حماس من وراء هذا البيان، هل هو تصعيد مقابل التصعيد أم إنه محاولة لبدء الحوار وتجنب مزيد من الخسائر المادية والبشرية في صفوفها وصفوف المدنيين الفلسطينيين ؟.
ترجيحات مختلفة:
وفقا للمعطيات الراهنة، قد تتطور الأمور على الأرض وفقا لأحد السيناريوهين، هما كالتالي:
(&) السيناريو الأول، يتمثل في عدم إمكانية كتائب القسام تنفيذ ما تضمنه بيان متحدثها العسكري، في ظل حضور ملف الأسري، وهو ملف بالغ الحساسية بالنسبة لإسرائيل، ففي وقت سابق استمرت في البحث لسنوات عن الجندي جلعات شليط الذي أسر في ٢٠٠٦، ولم يتم العثور عليه إلا حينما أرادت حماس المساومة عليه، بأن تفرج إسرائيل عن ألف أسير فلسطيني مقابل الإفراج عن شليط، وهو ما قد حدث. أضف إلى ذلك، أن ملف الأسرى مرتبط بضغوطات داخلية تتصدرها وسائل الإعلام والمعارضة، بل والرأي العام عمومًا، وليس فقط أهالي المحتجزين.
وقد تزداد حساسية ملف الأسري، مع وجود احتمالية احتجاز حماس لأسرى أجانب من جنسيات مختلفة، لمضاعفة الضغوط على إسرائيل والغرب، فإيطاليا مثلا، أعلنت عن تغيب اثنين من مواطنيها في إسرائيل، ووضعت احتمالية بأن يكونوا محتجزين لدى حماس، كذلك الولايات المتحدة وغيرها.
بالذات وأن الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة أعلن في اليوم الثالث من القتال أن الحركة وحدها لديها ” أكثر من 30 أسيرًا من العدو “، كما تمكنت حماس من أسر عدد غير معلوم حتى الآن من الإسرائيليين، بينهم جنود وضباط بارزين، وفقا للنخالة. هذا بالإضافة إلى أن حماس نفسها، أكدت أن عدد الأسرى الإسرائيليين لديها أضعاف ما أعلنه نتنياهو، حتى أن أبو عبيدة أطلق تصريحا في وقت سابق يؤكد ذلك، ” أسراكم موجودون بكل المحاور في قطاع غزة وسيجري عليهم ما يجري على أهالي قطاع غزة.. إياكم أن تخطئوا بالتقدير “.
إلى جانب ذلك، ووفقا لآخر حصيلة، فقد تم الإعلان عن استشهاد ٦٥٠ فلسطينيا و٢٩٠٠ مصابا، مقابل إصابة ٢٥٠٦ إسرائيليا و ٨٠٠ قتيلا. وكلها عوامل قد تدفع طرفي الصراع، والأطراف الخارجية كذلك، للبحث عن سبل للتهدئة.
(&) السيناريو الثاني، إمكانية التنفيذ، فمن الصعوبة بمكان تأكيد مثل هذا الاحتمال حاليًا، ولكن يمكن طرحه أيضًا في ضوء عدة مؤشرات، أهمها؛ الأول، هو أن البيان يحمل صيغة حاسمة، وهي الأولى من نوعها تقريبًا منذ أن بدأت الحروب بين حماس وإسرائيل، وبالتالي لا يسعنا الوقت والمعطيات الراهنة للحكم على مدى جدية حماس في تنفيذ تهديدها، ولكنه يبقي احتمالًا قائمًا.
أما المؤشر الثاني، وفقا لردة الفعل الإسرائيلية نفسها على البيان، ومدى استجابتها وخضوعها لتهديدات حماس، وهو غير واضح حتى تاريخه، بالنظر إلى العنجهية والشراسة التي قابلت بها إسرائيل هجمات حماس، وتحفز المسئولين الإسرائيليين للرد بعد أن نالت عملية طوفان الأقصى من الهيبة الإسرائيلية على كافة المستويات.
لذا، ففي حالة استمرار إسرائيل في قصف المواقع المدنية، واستخدامها للقوات البرية في اقتحام غزة، قد تضطر بالفعل حماس لبدء تنفيذ ما هددت به في بيانها، وفي هذه الحالة من المرجح أن يطول أمد الحرب أكثر وأكثر مخالفا جُل التوقعات المتعلقة بالمدى الزمني لانتهاء الحرب، لأن أي فعل إسرائيلي سيتبعه بذلك رد من قبل حماس، وهكذا.
إلى جانب رغبة حماس في تأكيد مدى الجدية والمصداقية التي تتمتع بها، بالنسبة للشعب الفلسطيني، وفصائل المقاومة الأخرى، كذلك إسرائيل، والأهم، بقية الأطراف الدولية والإقليمية، بهدف وضع مطالب وتهديدات حماس في عين الاعتبار في المستقبل.
ولهذا من المرجح أن تلجأ حماس حال استمر القصف الإسرائيلي على مواقع مدنية، إلى تنفيذ محدود ومتواضع بنحو بضعة أفراد على التوالي مع كل قصف في البداية، بهدف أخذ تهديداتها على محمل الجد، ومنها إلى وقف القتال، وإفشال مخطط التحرك البري من قبل جيش الاختلال تجاه غزة، بالذات مع تأكيد حماس أنها ” لن تتفاوض حول الأسري تحت القصف “.
وفي هذه الحالة، ولتفادي مثل هذا السيناريو، تتعلق الآمال على الجهود الدولية والإقليمية التي تكثفت خلال الساعات الأخيرة بصورة جلية. فعلى سبيل المثال، أبدت حماس نوعا من المرونة في اليوم الثالث من القتال، فوفقا لتقارير إعلامية، توصل وسطاء قطريون لاتفاق مع قادة حماس، يقضي بالتفاوض حول إطلاق سراح نساء وأطفال إسرائيليين تحتجزهم الحركة في غزة، مقابل إطلاق سراح 36 امرأة وطفلا فلسطينيا من السجون الإسرائيلية.
ولكن ذلك لا ينفي أن طول أمد القتال بين حماس وإسرائيل، يؤكد استمرارية الأخيرة في الحصول على الدعم الغربي المكثف لحين وقف القتال، وفي هذه الحالة من المرجح أن تطول الفترة الزمنية للقتال أكثر. خاصة في ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل، وإرسال “واشنطن” حاملة طائرات، تحسبا لضربة إيرانية.
استكمالا لما سبق توضيحه، يمكن التأكيد على عدم وضوح طريقة تعامل إسرائيل عقب البيان، فهل ستستمر في القصف أم أنها ستلجأ بالفعل إلى خفض التصعيد، الذي قد تؤيده القوى الدولية، بالذات بعد إعلان كتائب القسام عن مقتل أربعة أسرى من الإسرائيليين لديها، بالإضافة إلى اثنين من آسريهم من مجاهدي القسام جراء القصف الإسرائيلي على غزة.
وفي الختام، يمكن القول إن عملية طوفان الأقصى بتفاصيلها اللافتة، وتطوراتها، وما نتج عنها من رد إسرائيلي قاس، إلى جانب رد الفعل الدولي والإقليمي تجاهها، وحتى سياسة المساومات بها، أقل ما يقال عنها أنها عملية نوعية، وسيناريوهاتها مازالت مفتوحة.