“معركة السماء”.. هل يحسم “سلاح الجو” الحرب الأوكرانية؟

سمر عبدالله- باحثة ماجستير بكلية الدراسات الأفريقية العليا

“إذا خسرنا الحرب في الجو.. خسرنا الحرب وبسرعةٍ كبيرة”.. قاعدة أرساها الجنرال برنارد مونتجمري، القائد العسكري في الجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية، وظلّت نبراسًا لكل قائد يضعها نُصب أعينه في ميادين القِتال. وعليه، تُطرح التساؤلات الآتية: لماذا لم تحسم الأسلحة الصراع الدائر في الحرب الروسية الأوكرانية؟، والسؤال الأكثر عقلانية في العلوم العسكرية، هو: لماذا لم يحسم الجيش الروسي حتى الآن المعركة لصالحه؟.

صعوبات مستمرة: 

صعوبات جمّة تواجه روسيا في حربها مع أوكرانيا، فرغم تفوّق روسيا جويًا إلا أن هذا لم يُترجم على الأرض، في الوقت الذي تحاول فيه كييف الحصول على أكبر عدد من الطائرات المقاتلة، تلك التي يخشى الغرب أن يُسلمها لكييف.

خلال الأيام الماضية، سلمّت سلوفاكيا أول أربع طائرات مقاتلة من أصل 13 طائرة إلى أوكرانيا، على أن يتم تسليم باقي الطائرات خلال الأسابيع المقبلة، لتصبح ثاني دولة توافق على تزويد كييف بطائرات “ميج-29″، بعد يوم واحد من إعلان بولندا أنها سترسل أربع طائرات لأوكرانيا.

تواجه القوات الجوية لأوكرانيا تحديات كبيرة أمام الطرف الروسي، فصواريخ أرض- جو “سام” توفر نظاما دفاعيا متعدد الطبقات، كما أن الطائرات الحربية المزودة بصواريخ متطورة من طراز “جو- جو” وأنظمة رادار، وتقنيات الحرب الإلكترونية، والدعم اللوجستي مثل تزويد الطائرات بالوقود في الجو يمثل قوة كامنة كبيرة لروسيا في مواجهة الأوكرانيين.

يلعب سلاح الجو دورًا حيويًا في أي معركة قِتالية، فمنذ بداية الحرب حتى الآن، أسقط الأوكرانيون 130 طائرة حربية روسية أي ما يقرب من 10% من إجمالي الطائرات الحربية الروسية.

الحسم المحتمل بسلاح الجو:

“إن توفرت القوة الجوية إلى أوكرانيا ستصبح قادرة على سحق الدفاعات الروسية”.. هذه هي رؤية القيادة العسكرية الأوكرانية للحرب الدائرة، إن الطائرات الحربية ذات قدرات قتالية كبيرة، لكنها أيضا معقدة للغاية، لذا أبدى الطيارون الأوكرانيون إحباطهم من الطائرات التي بحوزتهم حاليا، فهي من طراز “ميج”، ويعود تاريخ صناعتها إلى الحقبة السوفيتية، وفي حال حصل الأوكرانيون على مقاتلات من طراز “إف-16″، أو أي مقاتلات حربية مشابهة، فإن ذلك سيلبي حاجات البلاد الأمنية على المدى المتوسط.

عامل التوقيت أيضًا يمثل تحديًا هامًا أمام القوات الأوكرانية، إذ يحتاج الطيارون الأوكرانيون إلى وقت طويل للتدرب على هذه الطائرات والمعدات المعقدة الخاصة بها، لذا عقب الحرب بأشهر قليلة رأت أوكرانيا أن النهج الأكثر واقعية هو تحسين المقاتلات الحربية لدى أوكرانيا من طراز “ميج”.

مطالبة الرئيس الأوكراني فولاديمير زيلينسكي بإرسال دبابات ثقيلة إلى كييف قوبل باستجابة من حلف شمال الأطلسي “ناتو”، ما فتح شهيته نحو المطالبة بطائرات مقاتلة لتحويل مسار الحرب في صالحه، لما لها من أهمية كُبرى يدركها زيلينسكي والجيش الأوكراني، وبعد إرسال الولايات المتحدة دبابات طراز “إبرامز”، وإرسال برلين دبابات طراز “ليوبارد 2″، وإرسال لندن دبابات “تشالنجر 2″، أصبح الغرب في مواجهة مباشرة مع روسيا أكثر من أي وقتٍ مضى، لكن الكلمة الحاسمة لسلاح الجو.

ورغم أن أوكرانيا بحاجة إلى ما يقرب لـ300 دبابة إضافية و600-700 مركبة مدرعة و500 قطعة مدفعية، بخلاف المقاتلات والصواريخ بعيدة المدى لاستهداف خطوط إمداد الروس وقطعها، فإن طموحات زيلينسكي لا تتوقف على مقاتلات “إف-16” فحسب، بل امتدت لتشمل طائرات من الجيل الرابع، ما يُبرز أهمية سلاح الجو في الحرب الدائرة.

صرخات استغاثة أطلقها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لزعماء دول الاتحاد الأوروبي مفادها بأن “التأخر” في تزويد بلاده بطائرات حربية وصواريخ بعيدة المدى قد يطيل أمد الحرب، في الوقت الذي أعلن فيه الغرب إمداد كييف بمليون قذيفة مدفعية خلال الأشهر الـ12 المقبلة، لكن تمسك زيلينسكي بتزويد بلاده بطائرات حربية حديثة وصواريخ بعيدة المدى يؤكد أن معركة السماء -أي استخدام سلاح الجو- الوحيد القادر على حسم المعركة.

معركة الربيع:

في الوقت الذي تحشد فيه الولايات المتحدة والغرب أسلحتهم استعدادًا لمعركة الربيع المقرر اندلاعها في أبريل المقبل، تزداد الاستعدادات العسكرية من قِبل روسيا بدعمٍ صيني يُربك الغرب، فالولايات المتحدة تستعد لنقل مقاتلات حديثة من الشرق الأوسط إلى منطقتي آسيا والمحيط الهادي وأوروبا، في خطوة تمثل جزءًا من خطة أوسع تنص على الاحتفاظ بقوات بحرية وبرية متواضعة في منطقة الشرق الأوسط، لردع روسيا والصين.

رغم تفوق روسيا على أوكرانيا من حيث القدرات الجوية وعدد الطائرات لكن موسكو لم تستطع حسم “معركة السماء” حتى الآن، ما يثير التعجب أكثر أن روسيا تحتل المرتبة الثانية عالميا من حيث القوة الجوية، بينما تأتي أوكرانيا في المرتبة 31 بين أقوى القوات الجوية على مستوى العالم، وفقا لتصنيف “جلوبال فاير باور” لعام 2023.

منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، كان التوقعات تشير إلى أن روسيا ستحقق تفوقا جويا ثم تقصف المدن، على غرار ما فعلته في سوريا وجورجيا والشيشان، لكن التقليل من قدرات أوكرانيا بأنظمة الدفاع الأرضي غيّر استراتجيتها ما أطال أمد الحرب.

لعبت صواريخ أرض – جو “سام” التي تستخدم تكنولوجيا الرادار لتحديد وتحييد التهديدات القادمة، دورًا محوريًا في عدم سقوط أوكرانيا حتى الآن.

فـ قبل الغزو كانت أوكرانيا تمتلك مخزونا كبيرا من تلك الصواريخ- أرض – جو “سام”- يعود إلى الحقبة السوفيتية وكان أهمها من الناحية الاستراتيجية (9M38M1) والتي يشار إليها باسم “نظام صواريخ بوك”، التي دخلت الخدمة مع الجيش السوفيتي في عام 1980، ويمكن لنظام الدفاع الجوي هزيمة الطائرات والمروحيات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة أو عالية عندما يستخدم العدو تدابير مضادة إلكترونية.

ورغم أن أوكرانيا تشهد معركة جوية لكنها في النهاية طبقًا للعلوم العسكرية ليست معركة “جو-جو” إنما معركة “أرض- جو”.

وفي المدن الأوكرانية المحاصرة مثل ماريوبول، تمكنت روسيا من تدمير صواريخ “سام” الأوكرانية وقصف المدينة بالصواريخ، واستطاعت القوات الروسية تدمير المدينة الساحلية الواقعة بجنوب شرق أوكرانيا بشكل كامل، ليصبح هذا مثالًا لما يحدث عندما تنجح روسيا في كسب التفوق الجوي.

في 21 أبريل 2022، أعلنت روسيا دخولها ماريوبول، الميناء الاستراتيجي على بحر آزوف، لكن ما يقرب من 2000 مقاتل أوكراني واصلوا القتال متحصنين في متاهة مصنع آزوفستال تحت الأرض مع ألف مدني، وقاوم المقاتلون حتى منتصف مايو قبل الاستسلام، ونتج عن ذلك دمار 90 بالمئة من ماريوبول وقتل 20 ألف شخص، ما يُعد مثالًا بسيطًا لقوة روسيا.

وفي أماكن أخرى، أبقت أوكرانيا صواريخ “سام” في حالة حركة باستمرار، ما قوّض قدرة الروس على تدميرهم، وأجبر القوات الجوية الروسية على الطيران على ارتفاع منخفض، لأن هذا يجعل صواريخ “سام” أقل فعالية.

 مسارات الحرب الجوية:

فجر 24 فبراير 2022، بدأ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، “عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا”، وبدأ الغزو واسع النطاق بضربات جوية في جميع أنحاء البلاد، وخلال المرحلة الأولى من الحروب الجوية والتي تمتد من بداية الغزو في 24 فبراير وحتى نهاية أبريل من العام الماضي، كثف الطيران الروسي من قصفه للمدن الأوكرانية، ودوت قرابة 6800 صافرة إنذار في جميع أنحاء أوكرانيا.

في الشهر الأول من الحرب، نفذت  روسيا 200 طلعة جوية يوميا، مقارنة بخمس إلى عشر طلعات جوية نفذتها أوكرانيا، وفقا لوزارة الدفاع الأميركية “البنتاجون”.

وبحلول نهاية الربيع، كانت آمال روسيا في الاستيلاء على العاصمة كييف بسرعة تحتاج إلى إعادة نظر، واستقرت الخطوط الأمامية في الشرق وتغيرت طبيعة الحرب الجوية.

بعد شهرين من الحرب؛ تحديدًا في أبريل، أعلنت أوكرانيا تحرير كييف بأكملها بعد “الانسحاب السريع” للقوات الروسية التي أعادت انتشارها في الشرق والجنوب من أجل “الحفاظ على سيطرتها” على الأراضي التي تحتلها هناك، وبشكل أساسي، تخلى الروس عن طلعات جوية تخترق الخطوط الأمامية بطائراتهم المقاتلة وطائراتهم المروحية في أبريل من العام الماضي.

تغيرت المعارك الجوية في سبتمبر 2022، بعدما اشترت روسيا مسيرات إيرانية من طراز “شاهد -136″، واستخدم الروس هذه الطائرات بشكل مكثف طوال شهر أكتوبر.

و”شاهد-136″، هي طائرات إيرانية بدون طيار تنفجر رؤوسها الحربية في عمليات “هبوط انتحارية”، واستخدمتها روسيا لضرب البنية التحتية المدنية للطاقة في أوكرانيا.

ومنذ أكتوبر، قصفت روسيا بشكل منهجي محطات الطاقة والمحولات الأوكرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، فغرق السكان في الظلام والبرد القارس، وتبلغ تكلفة تلك المسيرات حوالي 25000 دولار، لكنها بطيئة وتُصدر ضجيجًا وبالتالي يسهل إسقاطها، وبالفعل اسقطت أوكرانيا 85 في المائة من هذه الطائرات في أكتوبر.

في مجال الاستخبارات، هناك مبدأ يُسمى بـ “لعبة الخداع” يتلخص في التحايل على عدوك وإثقال دفاعاته عن طريق جذب انظارهم إلى اتجاه وإطلاق الصواريخ في اتجاه آخر، وهو ما نفذته القوات الجوية الروسية بامتياز، إذ غيرّت روسيا أهدافها، فابتعدت عن محاولة ضرب “صواريخ سام”، الأوكرانية نحو استخدام الطائرات بدون طيار والصواريخ لضرب أهداف ثابتة مثل البنية التحتية للطاقة.

ومنذ بداية الحرب وحتى نهاية يناير الماضي، تم إطلاق أكثر من 21500 صافرة إنذار للغارات الجوية في جميع أنحاء أوكرانيا، ودُمّر ما يقرب من 150 ألف مبنى سكني بحلول نهاية العام الماضي.

في الوقت الحالي، توقفت الحروب الجوية حيث لم يكن أي من الجانبين على استعداد للمخاطرة بتحليق طائراتهم ومسيراتهم عبر خط المواجهة ليواجهوا تحدي وحدات الدفاع الجوي الأرضية للخصم.

آمال زيلينسكي ازدادت خلال الأسابيع الماضية، حين ذهب في جولة بالعواصم الأوروبية للضغط من أجل الحصول على تبرعات بطائرات مقاتلة لتحديث أسطول أوكرانيا الذي يعود إلى الحقبة السوفيتية، لذا دأبت أوكرانيا على مطالبة حلفائها بإرسال مقاتلات حديثة، لتحل محل أسطولها القديم من طائرات ميج وسوخوي السوفيتية، لعلمها جيدًا بأن الطائرات المقاتلة ستحسن قدرات أوكرانيا الجوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى