على محمد الشرفاء الحمادي.. يكتب عن الأمان الإنساني فوق ساحة الحرب

عندما يتأمّلُ الإنسانُ تشريعَ القتالِ في القرآنِ الكريمِ يكتشفُ أنَّ اللهَ سبحانهُ وضعَ داخلَ لحظاتِ الصراعِ ذاتِها سياجًا أخلاقيًّا يحفظُ الكرامةَ الإنسانيّةَ ويمنعُ انحدارَ البشرِ إلى الوحشيّةِ والفوضى، ولم يجعلِ الحربَ ميدانًا لإلغاءِ الإنسان، وتتَّضح ذروةُ هذا المعنى في قولِه تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 6).
إنّها آيةٌ قرآنية مدهشةٌ في بنيتِها الأخلاقيّةِ والتشريعيّةِ والحضاريّة؛ لأنّها تتنزّلُ في سياقِ القتالِ، ومع ذلك تجعلُ أولويّةَ المؤمنِ حمايةَ الإنسانِ الذي جاءَ طالبًا للأمان، حتى وإن كان من الطرفِ المعادي؛ فالقرآنُ هنا يربطُ الأمانَ بإنسانيّةِ الإنسانِ وحقّهِ في أن يسمعَ كلمةَ اللهِ في مناخٍ آمنٍ خالٍ من الإكراهِ والخوفِ والتهديد ولا يربطُه بالانتماءِ الدينيّ، ثمّ يبلغُ التشريعُ قمّتَهُ الرّحيمةَ حينَما يأمرُ بإيصالِ المُستَجِيرِ إلى مأمنِه بعدَ انتهاءِ الحوارِ، بما يكشفُ أنَّ الغايةَ من الرسالةِ هدايةُ الإنسانِ لا سحقُه، وإنقاذُ الوعيِ لا تصفيةُ الجسد.
تنكشف إذن أمامنا مسافةُ هائلةُ بينَ المنهجِ القرآنيِّ وبينَ ثقافةِ الجماعاتِ التي حوّلتِ الإسلامَ إلى مشروعِ رعبٍ عالميّ، تستحلُّ به الدماءَ، وتزرعُ به الكراهيةَ، وتُنتجُ صورةً مُرعبةً عن الإسلامِ في ضميرِ العالم؛ فالقرآنُ يجعلُ تأمينَ الخصمِ فريضةً أخلاقيّة، بينما جعلتْ ثقافاتُ التطرّفِ قتلَ المخالفِ بابًا إلى الجنّةِ الموهُومة، فشوّهتِ الرسالةَ، وفتحتْ على المسلمينَ أبوابَ الخرابِ والاقتتالِ والعزلةِ الحضاريّةِ والانهيارِ الإنساني.
في مقابلِ هذا الانفلاتِ الدمويِّ يضعُ القرآنُ قاعدةً صَارمةً لحمايةِ الحياةِ الإنسانيّة، فيقولُ سبحانه: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93).
تكشفُ هذه الآيةُ الكريمة عن فداحةِ جريمةِ القتلِ في ميزانِ الله، حيثُ اجتمعَ فيها الخلودُ في جهنّم، وغضبُ الله، واللعنةُ، والعذابُ العظيمُ.
يفضحُ هذا التراكمُ الهائلُ في الوعيدِ كلَّ خطابٍ يُهوّنُ من الدماءِ أو يجعلُ القتلَ أداةً لتحقيقِ النفوذِ السياسي، أو المذهبي، أو الطائفي، أو التنظيمي، كما أنّ الآيةَ تؤسّسُ لوعيٍ حضاريٍّ جديدٍ يجعلُ حمايةَ الحياةِ أصلًا من أصولِ الإيمان، ويجعلُ العدوانَ على الإنسانِ تمرّدًا على مشروعِ الرحمنِ في الأرض.
إذا طبّقُ المسلمونَ هذا الفهمَ القرآنيَّ في واقعِهم المعاصرِ فإنّهم يشاركونَ في بناءِ عالمٍ أكثرَ أمنًا ورحمةً وعدلًا، عندها تتحوّلُ المساجدُ والمنابرُ والمؤسّساتُ التعليميّةُ والإعلاميّةُ إلى منصّاتٍ لترسيخِ قيمةِ الحياة، وتجريمِ العنفِ، وتجفيفِ منابعِ الكراهيةِ، وكشفِ زيفِ الخطاباتِ التي تتاجرُ بالإسلام لصناعةِ الموت، وعندها يستردُّ الإسلامُ صورتَهُ الحقيقيّةَ مشروعًا إلهيًّا لحمايةِ الإنسانِ وإسعادِه، ويصبحُ السلامُ المجتمعيُّ ثمرةً طبيعيّةً للإيمانِ بالقرآن، وتتحقّقُ إحدى أعظمِ غاياتِ كتابِ الله (أن يعيشَ الإنسانُ آمنًا على نفسِه، مطمئنًّا على حياتِه، مصونَ الكرامةِ والحقِّ والوجود، في ظلِّ مشروعِ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان.