على محمد الشرفاء الحمادي.. يكتب عن حرية الاعتقاد والسلام الإنساني

حرية الاعتقاد أصل ثابت في المنهج القرآني، فقد كرَّم الله عقل الإنسان وضميره، وترك له حق الاختيار دون إكراه أو إجبار. فالإيمان الحقيقي ينبع من اقتناع العقل وطمأنينة القلب، بينما تقتصر مهمة الرسالة على بيان الحق والدعوة إليه، ويظل الإنسان مسؤولًا عن اختياره أمام الله.

قال اللهُ سبحانه وتَعـالى مخاطبـاً رسولَه عليه السّلام: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر) (الكهف: 29)، ينهىَ اللهُ -سبحانه- في تشريعه عَنْ إرغام الناس على الدخول في دين الإسلام، وَتَرك لهم الحرية المطلقة في اختيار عقيدتِهم، ومذاهبِهم، وأديانهِم دون إكراهٍ، أو يفرض على الناس أداءَ الشعائر الإسلامية بالقوّة في الصلواتِ والزكاة والصومِ، والحجّ، وترك اللهُ للناس الحريةَ المطلقةَ في تأدية شعائر العبادات، وهو حقُ خالصُ من حقوق الإنسان، لا رقيب عليه غيرَ الله وحدَه يقضي ما يشاء على عبدهِ. ويؤكد الله على ذلك الحقّ مخاطباً رسوله عليه السلام بقوله -سبحانه:-( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256)، وقولُه -سبحانه- مخاطباً رسولهَ عليه السّلامُ: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ) (يونس: 99).

حرّيّةُ الاعتقادِ في القرآنِ.. تكريمٌ إلهيٌّ لعقلِ الإنسانِ وضميرِه:

قال اللهُ -سبحانه وتعالى- مخاطبًا رسولَه عليه السّلام: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر إِنّا أَعتَدنا لِلظّالِمينَ نارًا أَحاطَ بِهِم سُرادِقُها) (الكهف: 29).

وقال سبحانه: (لا إِكراهَ فِي الدّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ ۚ فَمَن يَكفُر بِالطّاغوتِ وَيُؤمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقىٰ لا انفِصامَ لَها وَاللَّـهُ سَميعٌ عَليمٌ)(البقرة: 256).

وقال جلّ شأنه: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ) (يونس: 99).

تكشفُ هذه الآياتُ الكريمةُ بمنتهى الوضوحِ والحسمِ أنّ حرّيّةَ الاعتقادِ أصلٌ ثابتٌ من أصولِ المنهجِ القرآني، وأنّ اللهَ سبحانه منحَ الإنسانَ حقَّ الاختيارِ في الإيمانِ والكفرِ، وتركَ له مسؤوليّةَ قرارهِ أمامَ ربّه يومَ الحساب، ولذلك جاء الخطابُ الإلهيُّ لرسولِه عليه السلام بصيغةِ البيانِ والتبليغِ لا بصيغةِ الإكراهِ والإجبار، لأنّ الإيمانَ الحقيقيَّ ينشأُ من اقتناعِ العقلِ وطمأنينةِ القلبِ واستجابةِ الفطرةِ لنداءِ الحقّ، ولا يولدُ تحتَ سوطِ القهر.

عندما نتأمَّلُ قولَ الله سبحانه وتعالى: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم) نكتشفُ أنّ اللهَ قد حدّدَ وظيفةَ الرسالةِ في بيانِ الحقِّ وكشفِ الطريقِ للناس، ثم تركَ للإنسانِ حرّيّةَ القرار: (فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر)، وفي هذا البناءِ القرآنيِّ المعجزِ تتَّضِحُ قيمةُ الإنسانِ عند ربّه؛ فقد خلقهُ اللهُ عاقلًا حرًّا مسؤولًا عن اختياراته، ولم يخلقْه آلةً تُقادُ بالقهرِ والإجبار.

كما أنّ قولَ اللهِ تعالى: (لا إِكراهَ فِي الدّينِ) جاء بصيغةِ النفيِ المطلقِ العام، دون تقييدٍ بزمنٍ أو جماعةٍ أو حالةٍ معيّنة، ليكونَ مبدأً قرآنيًا خالدًا يحكمُ علاقةَ المسلمينَ بالناسِ جميعًا، ثم جاءت العلّةُ الإلهيةُ الدقيقة: (قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ)؛ فعندما يكونُ الحقُّ واضحًا بالحجّةِ والبرهانِ والبيان، تنتفي الحاجةُ إلى الإكراه، لأنّ الحقيقةَ القويةَ البيِّنة تحتاجُ إلى عقلٍ يتدبّرُ وقلبٍ ينفتحُ للنور، لا إلى سيفٍ أو سلاحٍ يفرضُها.

الهدف وراءَ أنَّ اللهَ خاطبَ رسولَه عليه السلام بقولهِ: (أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ)، هو ليؤكّدَ أنّ الرسولَ نفسَه لا يملكُ حقَّ إكراهِ الناسِ على الإيمان، فكيفَ يملكُه غيرُه من الحكّامِ أو الجماعاتِ أو دعاةِ التشدّد والتكفير؟

تهدمُ هذه الآيةَ من الأساس كلَّ مشاريعِ القهرِ الدينيِّ التي شوّهتْ صورةَ الإسلامِ عبرَ التاريخ وحتى اليوم، وفتحتْ أبوابَ العنفِ والتكفيرِ وسفكِ الدماءِ باسمِ الإسلام.

حرّيّةُ الاعتقادِ تكريمٌ إلهيٌّ للإنسان:

قال اللهُ سبحانه وتعالى: (وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلىٰ كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا) (الإسراء: 70). وقال سبحانه: (خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ) (النساء: 1).

حرّيّةَ الاعتقادِ هي قيمة متفرّعةٌ عن قيمة تكريمِ اللهِ للإنسان (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَم)؛ لأنّ الإنسانَ المكرَّمَ لا يُسلبُ عقلُه، ولا يُصادَرُ ضميرُه، ولا يُرغَمُ على ما لا يقتنعُ به، ولذلك جاء المنهجُ القرآنيُّ قائمًا على احترامِ إرادةِ الإنسانِ في الاختيار، مع تحمّلهِ لمسؤوليّةِ قرارهِ أمامَ الله.

إذن يظهرُ جليًا الفارقُ الكبيرُ بين المنهجِ القرآنيِّ ومشاريعِ الاستبدادِ الدينيِّ التي حاولتْ عبرَ القرونِ تحويلَ الإسلام إلى سلطةِ قهرٍ وسيطرةٍ على الضمائر. فالقرآنُ يخاطبُ العقلَ بالحجّة، ويخاطبُ القلبَ بالموعظة، ويتركُ للإنسانِ حرّيّةَ الاستجابةِ أو الإعراض.

الدعوةُ بالحكمةِ لا بالإكراه:

قال اللهُ سبحانه وتعالى: (ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ) (النحل: 125). وقال سبحانه: (فَذَكِّر إِنَّما أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ) (الغاشية: 21-22).

يؤسّسُ القرآنُ منهجَ الدعوةِ على الحكمةِ والرحمةِ والجدالِ الحَسَن، لأنّ الغايةَ من الرسالةِ هدايةُ الإنسانِ لا إخضاعُه، ولذلك نفى اللهُ عن رسولِه صفةَ السيطرةِ على الناس، ليبقىَ الإيمانُ قرارًا نابعًا من الداخلِ الإنسانيِّ الحرّ.

وفي هذا المقصدِ القرآنيِّ حمايةٌ عظيمةٌ للمجتمعاتِ من الحروبِ الدينيةِ والطائفيةِ، لأنّ الاعترافَ بحقِّ الإنسانِ في الاختيارِ يفتحُ بابَ التعايشِ والسلامِ والتعاونِ بين البشر، ويمنعُ تحويلَ الاختلافِ العقائدي إلى صراعٍ دمويٍّ أو عداءٍ إنساني وأن احترام عقائد مختلف الطوائف في المجتمعات الإنسانية يساهم مساهمة عظيمة في تثبيت السلام بين كافة الطوائف مما يؤمنهم من اختلال العلاقات الاجتماعية والتعاون جميعاً في تحقيق الاستقرار والأمان عند افراد المجتمع جميعاً.

لا إكراهَ في العباداتِ والشعائر:

الصلاةَ والزكاةَ والصومَ والحجَّ هي عباداتٌ بين العبدِ وربّه، تقومُ على الإيمانِ والاقتناعِ والنيّةِ الصادقة، ولهذا تركَ اللهُ للإنسانِ حرّيّةَ أدائها بدون إجبار من سلطة، لأنّ العبادةَ التي تُنتزعُ بالقوّةِ تفقدُ معناها الروحيَّ والإنسانيَّ؛ فاللهُ سبحانه يريدُ من الإنسانِ قلبًا في سكينة وعقلا واعيًا ونفسًا مطمئنّةً تتوجّهُ إلى الله حبًّا واقتناعًا، ولا يحتاجُ إلى طقوسٍ قسرية ولا آلاف التسبيحات فالله قريب من الانسان كقربه من حبل الوريد كما قال الله سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16).

ربطَ اللهُ عزَّ وجلَّ الحسابَ بنفسِه وحده، ولم يمنحْ أحدًا سلطةَ التفتيشِ في قلوبِ الناسِ أو محاسبتِهم على معتقداتهم، فقال سبحانه: (إِنَّ إِلَينا إِيابَهُم (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَينا حِسابَهُم) (الغاشية: 25-26).

وهذا من أعظمِ أسرارِ السكينةِ في “مشروعِ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان”؛ لأنّ الإنسانَ عندما يعيشُ حرًّا في ضميرِه، آمنًا على اعتقادِه، مطمئنًا إلى أنّ علاقتَه بربّه لا يتحكّمُ فيها بشرٌ، تنمو في داخلهِ معاني الكَرامةِ والعِزة والسلامِ النفسيِّ والصدقِ مع الله.

حرّيّةُ الاعتقادِ أساسُ السلامِ الإنساني:

قال اللهُ سبحانه وتعالى: (لَكُم دينُكُم وَلِيَ دينِ) (الكافرون: 6). وقال سبحانه: (لا يَنهاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذينَ لَم يُقاتِلوكُم فِي الدّينِ وَلَم يُخرِجوكُم مِن دِيارِكُم أَن تَبَرّوهُم وَتُقسِطوا إِلَيهِم إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ المُقسِطينَ) (الممتحنة: 8).

لقد أرادَ القرآنُ للبشريةِ أن تعيشَ في إطارِ التعارفِ والتعاونِ والعدلِ والرحمة، ولذلك لم يجعلِ الاختلافَ الدينيَّ سببًا للعداوةِ أو إهدارِ الحقوق. فالبرُّ والقسطُ والإحسانُ تشملُ الناسَ جميعًا ما داموا يعيشونَ في سلامٍ وعدل.

وفي واقعِ المسلمينَ اليوم تزدادُ الحاجةُ الملحّةُ لإحياءِ هذا الفهمِ القرآنيِّ العظيم؛ لأنّ كثيرًا من صورِ التطرّفِ والعنفِ والصراعِ الطائفيِّ نشأتْ من مصادرةِ حقِّ الإنسانِ في الاختيار، ومن تحويلِ الإسلام إلى مشروعِ إكراهٍ وهيمنة، أمّا العودةُ إلى القرآنِ فتُعيدُ بناءَ العلاقةِ بين النَّاسِ على أساسِ الكرامةِ، والحرّيّةِ، والرحمةِ، والسلام.

هكذا يتَّضحُ أنّ حرّيّةَ الاعتقادِ في المنهجِ القرآنيِّ هي جزءٌ أصيلٌ من تكريمِ اللهِ للإنسان، وركنٌ أساسيٌّ في مشروعِ الرحمنِ لتحقيقِ السعادةِ للبشر وليست قضيةً فرعيةً أو تنازلًا مرحليًا؛ لأنّ الإنسانَ يعيشَ مطمئنًا سعيدًا في ظِل واقع مُزدهر، يتحاور فيه النَّاسُ بالحِكمَة ويتعايشونَ بالعدل، ويتنافسونَ في الخيرِ والعملِ الصالح تحتَ نُورِ قوله تعالى (لا إِكراهَ فِي الدّينِ)، وهو ما يختلف كليًا إذا عاش في واقع يتسلَّطُ ويُهيمنُ فيه القهر الفكري والديني.

حُرِّيَّةُ الاِعتِقادِ.. مِيثاقُ اللهِ لِكَرَامَةِ الإِنسانِ وَسِرُّ السَّلامِ فِي مَشرُوعِ الرَّحمنِ:

قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29)، وقالَ سُبحانَهُ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256)، وقالَ جلَّ شأنُه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس: 99).

تكشفُ هذه الآياتُ الكريمةُ عن أصلٍ عظيمٍ مِن أصولِ المنهاجِ القرآنيِّ في بناءِ حياةِ الإنسان، وهو أنّ اللهَ سبحانه منحَ الإنسانَ حريّةَ الاختيارِ في العقيدةِ والإيمان، وجعلَ مسؤوليّةَ الإنسانِ أمامَ ربِّه قائمةً على القناعةِ والوعيِ والإرادةِ الحرّة، لأنَّ الإيمانَ الذي يُولدُ تحتَ القهرِ لا يصنعُ إنسانًا مهتديًا، ولا يبني مجتمعًا مستقرًا، ولا يحقّقُ السكينةَ التي أرادها اللهُ لعبادِه في مشروعِه الرّحيمِ لسعادةِ الإنسان.

اللهَ سبحانه في سياق الحديث عن الإيمانِ ربطهُ دائمًا بالبصيرةِ والعقلِ والتفكّرِ والتدبّرِ؛ لأنّ العقيدةَ في القرآنِ هي رحلةُ اقتناعٍ داخليٍّ بين الإنسانِ وربِّه، ولذلك قالَ سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان: 3). وقالَ جلَّ وعلا: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) (الإنسان: 29).

في هذه الآياتِ إشارةٌ عميقةٌ إلى أنّ اللهَ سبحانه احترمَ إرادةَ الإنسانِ التي خلقهُ بها، وجعلَ الاختيارَ جزءًا من التكليفِ ذاته، لأنّ الإنسانَ لو كانَ مُجبَرًا على الإيمانِ لفقدَ الامتحانُ الإلهيُّ معناَه، ولسقطَتْ قيمةُ المسؤوليةِ والجزاءِ والثوابِ والعقابِ، ولهذا جاءَ الخطابُ القرآنيُّ موجَّهًا إلى عقلِ الإنسانِ وقلبِه وفطرتِه، يدعوهُ بالحكمةِ والبرهانِ والرحمةِ والموعظةِ الحسنةِ.

قالَ اللهُ سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).

أرادتْ الرسالةِ القرآنيةِ –وهذا سر عظمتها- أن تُحرِّرَ الإنسانَ مِن الاستعبادِ الفكريِّ والدينيِّ والسياسيِّ، لأنّ الإكراهَ يُنتجُ النفاقَ والخوفَ والكراهيةَ، أمّا الحريةُ فتفتحُ بابَ الاقتناعِ الصادقِ، وتُعيدُ للإنسانِ كرامتَه التي منحَه اللهُ إيّاها يومَ قالَ سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70).

ولذلك فإنَّ فرضَ العقائدِ بالقوّةِ، أو إرغامَ الناسِ على أداءِ الشعائرِ، أو ملاحقةَ الناسِ في ضمائرِهم وأفكارِهم، كلُّ ذلكَ يصطدمُ اصطدامًا مباشرًا بالمنهاجِ القرآنيِّ الذي جعلَ الحسابَ عندَ اللهِ وحدَه، ولم يجعلِ الإنسانَ وصيًّا على قلوبِ البشرِ، ولم يجعلْ العقيدة بطاقةَ انتماءٍ اجتماعيٍّ تُفرضُ بالسيفِ أو بالقانونِ أو بالخوف، قالَ تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) (يونس: 108).

ومن الإشاراتِ القرآنيةِ الدقيقةِ كذلك أنّ اللهَ سبحانه لو أرادَ أن يجعلَ الناسَ جميعًا مؤمنين لفعل، لأنّ القدرةَ قدرتُه، والخلقَ خلقُه، ولكنّه سبحانه شاءَ للإنسانِ أن يعيشَ تجربةَ الاختيارِ الحرِّ، ليظهرَ أثرُ العقلِ والضميرِ والهدايةِ والمسؤوليةِ، قالَ سبحانه وتعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (المائدة: 48).

وقالَ سبحانه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118).

إذنْ يُعَدُّ الاختلافُ في العقائدِ والأفكارِ والأديانِ جزءً من سننِ الحياةِ التي شاءها اللهُ لحكمةٍ عظيمةٍ، ليقومَ التعايشُ الإنسانيُّ على العدلِ والرحمةِ والتعارفِ والتعاونِ، لا على الإلغاءِ والاستئصالِ والكراهيةِ. ولذلك قالَ سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 13).

عندما يبتعدُ المسلمونَ اليومَ عن هذا النورِ القرآنيِّ، ويتحوّلُ الإسلامُ إلى أداةِ قهرٍ ومصادرةٍ للحريّاتِ وتخويفٍ للناسِ، فإنّ صورةَ الإسلامِ تتشوّهُ في العالم، وتتحوّلُ الرسالةُ التي نزلتْ رحمةً للعالمين إلى صراعاتٍ وخصوماتٍ وتمزّقٍ داخليٍّ يُبعدُ الناسَ عن هدايةِ القرآنِ.

أمّا عندما يعودُ المسلمونَ إلى المنهاجِ القرآنيِّ في حريّةِ الاعتقادِ، فإنّهم يقدّمونَ للإنسانيةِ نموذجًا راقيًا للإيمانِ القائمِ على الاقتناعِ والوعيِ والرحمةِ واحترامِ الكرامةِ الإنسانية.

إذنْ يتَّضِحُ الارتباطُ العميقُ بينَ حريّةِ الاعتقادِ وبينَ “مشروعُ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”؛ لأنّ الإنسانَ لا يشعرُ بالأمانِ النفسيِّ ولا بالسكينةِ الفكريةِ ولا بالكرامةِ الإنسانيةِ في مجتمعٍ يُطارَدُ فيه بسببِ أفكارِه أو يُكرَهُ فيه على إظهارِ ما لا يؤمنُ به.

أمّا المجتمعُ الذي يحكمُه القرآنُ بعدلِه ورحمتِه وحكمتِه، فإنّه يفتحُ أبوابَ التعايشِ والسلامِ والاستقرارِ والإبداعِ والتقدّمِ، ويجعلُ الإيمَانَ نورًا يُقبِلُ عليه الناسُ عن قناعةٍ ومحبّةٍ وطمأنينة.

ولهذا فإنّ تطبيقَ المسلمينَ اليومَ لقيمةِ حريّةِ الاعتقادِ وفقَ المنهاجِ القرآنيِّ يمثّلُ ركنًا أساسيًا في مشروعِ الإصلاحِ الحضاريِّ والإنسانيِّ، لأنّه يعيدُ بناءَ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والإسلام، على أساسِ الرحمةِ والوعيِ والاختيارِ الحرِّ، ويُفكِّكُ ويُسْقِطُ ثقافةَ القهرِ والتكفيرِ والاستباحةِ التي مزّقتِ الأمّةَ وأشعلتِ الصراعاتِ وأدخلتِ المجتمعاتِ في دوائرِ الخوفِ والاقتتالِ.

سيظلُّ القرآنُ الكريمُ يفتحُ للإنسانِ بابَ الهدايةِ بالحكمةِ والبيانِ إلى يومِ القيامة، ويتركُ له حريةَ القرارِ كاملةً، لأنّ اللهَ سبحَانه أرادَ للإنسانِ أن يأتيَه بقلبٍ واعٍ مُحبٍّ مُطمئنٍّ، لا بقلبٍ مكسُورٍ تحتَ سوطِ الإكراهِ والخوف.

الرِّسالاتُ الإلهيَّةُ دعوةٌ بالحِكمةِ لا سُلطانَ فيها للإكراهِ والقهر:

قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) (المائدة: 99). وقالَ جلَّ شأنُه: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد: 40)، وقالَ سبحانه: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (الشورى: 48)، وقالَ سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية: 21-22)، وقالَ جلَّ وعلا: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق: 45)، وقالَ سبحانه: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الأنعام: 107)، وقالَ سبحانه: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (الشورى: 6).

تكشفُ هذه الآياتُ الكريمةُ عن حقيقةٍ قرآنيّةٍ بالغةِ العمقِ والخطورةِ، وهي أنّ اللهَ سبحانه جعلَ مَهمّة الرُّسُلِ قائمةً على البيانِ والتذكيرِ والبلاغِ وإقامةِ الحُجّةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسن، لم يمنحهم سلطةَ السيطرةِ على ضمائرِ النَّاسِ، ولم يكلّفْهم بإجبارِ البشرِ على الإيمان، ولذلك تتكرّرُ في القرآنِ الكريمِ بصيغٍ متعدّدةٍ مصطلح ولفظ “البلاغ”، وكأنّ القرآنَ يريدُ أن يحسمَ منذُ البدايةِ طبيعةَ العلاقةِ بينَ الإسلام والإنسان، وبينَ الرسالةِ والسلطة.

نفى اللهَ سبحانه عن رسولِه الكريمِ أوصافَ القهرِ والسيطرةِ والجبرِ والحفظِ والوَكَالةِ على الناس، فقالَ: (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)، وقالَ: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ)، لأنّ الإيمانَ في المنهاجِ القرآنيِّ قضيةُ اقتناعٍ داخليٍّ لا تتحقّقُ بالعنفِ أو التخويفِ أو الإكراهِ؛ فالرسولُ عليه السلام يحملُ النورَ ويبلّغُ الرسالةَ ويتركُ للإنسانِ حريةَ الاختيار، أمّا الحسابُ فإلى اللهِ وحدَه: (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).

في هذا المعنى القرآنيِّ العظيمِ تحريرٌ للإنسانِ من كلِّ أشكالِ الوصايةِ الدينيةِ التي حوّلتِ الإسلامَ في عصورِ الانحطاطِ إلى سلطةٍ تُفتّشُ في القلوبِ وتُصادرُ العقولَ وتُلاحقُ الناسَ في أفكارِهم ومعتقداتِهم، فالقرآنُ يجعلُ العلاقةَ بينَ العبدِ وربِّه علاقةً مباشرةً قائمةً على الوعيِ والمسؤوليةِ الشخصية، ولهذا قالَ سبحانه: (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) (الإسراء: 15)، وقالَ اللهُ جلَّ وعلا: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38)، وقالَ سبحانه: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: 164).

تلكَ هي إذنْ عظمةُ التشريعِ القرآنيِّ في تأسيسِه لمبدأِ “المسؤوليةِ الفردية”، حيثُ لا يُحاسَبُ إنسانٌ على إيمانِ غيرِه أو كفرِه، ولا يحملُ أحدٌ ذنبَ أحد، ولا يملكُ بشرٌ أن يفرضَ الهدايةَ على بشرٍ آخر، لأنّ اللهَ وحدَه هو العليمُ بما في الصدور، وهو وحدَه صاحبُ الحكمِ يومَ القيامة.

يتّضحُ عندما نتأمَّلُ ونتدبَّرُ في الآيات القرآنية، أنّ القرآنَ أرادَ تحريرَ الدعوةِ إلى اللهِ من أدواتِ القهرِ السياسيِّ والعسكريِّ والاجتماعيِّ، حتى تبقى الرسالةُ نقيّةً قائمةً على الإقناعِ والرحمةِ والبيان، ولهذا فإنّ أيَّ جماعةٍ أو سلطةٍ تدّعي لنفسِها حقَّ إرغامِ النَّاسِ على مُعتقدٍ معيّن، أو معاقبتِهم على ما يعتقدون، فإنّها تصطدمُ مباشرةً بجوهرِ الخطابِ القرآنيِّ الذي حدّدَ وظيفةَ الرُّسُلِ أنفسِهم في “البلاغ”، لا في السيطرةِ والإكراه.

المسلمونَ اليومَ بحاجةٍ ماسّةٍ إلى إعادةِ اكتشافِ هذا الأصلِ القرآنيِّ العظيم، لأنّ كثيرًا من صورِ التشدّدِ والعنفِ والصراعِ الدينيِّ التي شوّهتْ صورةَ الإسلامِ في العالمِ نشأتْ من تحويلِ الإسلام من رسالةِ هدايةٍ إلى مشروعِ هيمنةٍ على ضمائرِ البشر، وحينَما يعودُ المسلمونَ إلى القرآنِ في فهمِ حريةِ الاعتقادِ وحدودِ وظيفةِ الدعوةِ، فإنّهم يعيدونَ للإسلامِ صورتَه الأولى (رسالةَ رحمةٍ ووعيٍ وكرامةٍ إنسانية).

ومن هنا يرتبطُ هذا المعنى ارتباطًا عميقًا ب “مشروعُ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”، لأنّ الإنسانَ تتحقّقُ سعادتُه بأن يعيشُ حرًّا في اختياراتِه، مسؤولًا عن قراراتِه، مطمئنًّا إلى أنّ اللهَ دعاهُ بالحكمةِ ولم يكلّفْ أحدًا بإكراهِه، كما أنَّه لا يبلغُ السكينةَ الحقيقيةَ في ظلِّ الخوفِ من القهرِ الفكريِّ والدينيِّ.

حينَما يلتزمُ المسلمونَ اليومَ بهذا المنهاجِ القرآنيِّ في الدعوةِ والحوارِ والتعاملِ مع المختلفينَ في العقيدةِ والفكر، فإنّهم يُسهمونَ في بناءِ مجتمعاتٍ أكثرَ استقرارًا ورحمةً وتعايشًا، ويقدّمونَ للعالمِ نموذجًا حضاريًا راقيًا يُعيدُ الثقةَ برسالةِ القرآنِ بوصفِها مشروعًا إلهيًا لتحريرِ الإنسانِ وإسعادِه، لا لإخضاعِه وإرهابِه.

التعَايشُ وَحُريةُ الاِنتماء.. القرآنُ يبني عالمَ السَّلام لا عالمَ الإِكرَاه:

قالَ اللهُ -سُبحانَهُ وَتَعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون: 6)، وقالَ جلَّ شأنُه: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت: 46).

تكشفُ هذه الآياتُ الكريمةُ عن أحدِ أعظمِ المبادئِ التي قامَ عليها المنهاجُ القرآنيُّ في تنظيمِ العلاقةِ بينَ البشر، وهو الاعترافُ بالتعدديّةِ الدينيّةِ والفكريّةِ كَوْنَها واقعًا إنسانيًا أرادهُ اللهُ بحكمتِه، وجعلَ التعاملَ معه قائمًا على الاحترامِ والحوارِ والعيشِ المشتركِ، لا على الإلغاءِ والصدامِ والكراهية.

ففي قولِه تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) تظهرُ قمّةُ الوضوحِ القرآنيِّ في تقريرِ حقِّ الإنسانِ في اختيارِ عقيدتِه والانتماءِ الذي يراه، مع حفظِ حقِّ الآخرينَ في الاختلاف.

عندما نتأمَّلُ الآيةِ نجدُ أنّها جاءتْ في سياقِ رفضِ المساومةِ على العقيدةِ من جهة، مع الحفاظِ على السِّلمِ الإنسانيِّ واحترامِ حريةِ الآخرِ من جهةٍ أخرى، وكأنّ القرآنَ يضعُ قاعدةً حضاريّةً خالدةً للعلاقاتِ بينَ الناس: (الثباتُ على الحقِّ مع بقاءِ مساحةِ التعايشِ والكرامةِ الإنسانية).

أمّا قولُه سبحانه وتعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)؛ فيكشفُ عن رُقيِّ المنهجِ القرآنيِّ في إدارةِ الاختلافِ الفكريِّ والدينيِّ، حيثُ يتحوّلُ الحوارُ إلى مساحةِ بيانٍ ورحمةٍ واحترامٍ للعقلِ الإنسانيِّ، بعيدًا عن السُبابِ والإهانةِ والتحريضِ والكراهية، فالقرآنُ يُعلّمُ المؤمنينَ أنَّ قوّةَ الحُجّةِ أرقى من قوّةِ القهر، وأنَّ الكلمةَ الطيّبةَ أقدرُ على فتحِ القلوبِ من العنفِ والصدام.

من الإشاراتِ القرآنيةِ الدقيقةِ أنّ اللهَ سبحانه حينَما تحدّثَ عن المختلفينَ في العقيدةِ فقد ردَّ الحسابَ إليه وحدَه سبحانه، ولم يأمرِ النَّاسَ بمطاردةِ ضمائرِهم، فقالَ جلَّ وعلا: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) (الغاشية: 25-26)، وقالَ سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (يونس: 93)، وقالَ سبحانه وتعالى: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (البقرة: 210).

وفي هذه الآياتِ تأسيسٌ قرآنيٌّ بالغُ العمقِ لإسقاطِ الوصايةِ البشريةِ على الإيمانِ والكفرِ، لأنّ الحكمَ النهائيَّ على النَّاسِ هو حقٌّ خالصٌ للهِ وحدَه يومَ القيامة، وليسَ من اختصاصِ الجماعاتِ، أو المؤسساتِ، أو رجالِ الدينِ، أو السلطاتِ السياسية، ولذلك لم يُكلّفِ اللهُ البشرَ بمحاكمةِ القلوبِ، وإنّما كلّفَهم بإقامةِ العدلِ والرحمةِ والإحسانِ في الأرض.

إذا غابَ هذا الفهمُ القرآنيُّ، تتحوّلُ المجتمعاتُ إلى ساحاتِ تخوينٍ وتكفيرٍ واقتتالٍ وتمزيقٍ للإنسانِ باسمِ الدفاعِ عن الإسلام، بينما القرآنُ أرادَ للدينِ أن يكونَ سبيلًا لحمايةِ الإنسانِ وكرامتِه وحريتِه وأمنِه النفسيِّ والاجتماعيِّ، ولهذا فإنّ من أعظمِ صورِ الإصلاحِ في واقعِ المسلمينَ اليومَ إعادةَ بناءِ ثقافةِ التعايشِ على أساسِ القرآن الكريم، حتى يتعلّمَ الناسُ كيف يختلفونَ دون كراهية، ويتحاورونَ دون عنف، وكيف يحفظونَ للإنسانِ حقَّه في التفكيرِ والاعتقادِ والانتماءِ.

إذنْ يرتبطُ هذا الأصلُ القرآنيُّ ارتباطًا عميقًا بمشروعُ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”؛ لأنّ السعادةَ الإنسانيّةَ تتحقّقُ حينَما يشعرُ الإنسانُ أنّ كرامتَه مَصُونةٌ، وأنّ حقَّه في التفكيرِ والاختيارِ مُحترمٌ، وأنّ العلاقةَ بينَه وبينَ ربِّه لا يتحكّمُ فيها بشرٌ أو سلطةٌ أو جماعة، كما أنها لا تتحقّقُ في بيئةِ الخوفِ والإقصاءِ والملاحقةِ الفكرية.

نستنتجُ أنَّ القرآنَ الكريمَ يبني حضارةً إنسانيّةً قائمةً على الرحمةِ والعدلِ والحريةِ والتعارفِ والسلام، ويجعلُ التنوّعَ بينَ النَّاسِ بابًا للتكَاملِ الإنسانيِّ لا سببًا للصراعِ والاقتتال، وفي حال التزمَ المسلمونَ اليومَ بهذا المنهجِ القرآنيِّ في التعايشِ واحترامِ الاختلافِ، فإنّهم يعيدونَ تقديمَ الإسلامِ للعالمِ في صورتِه النقيّةِ الأولى (رسالةَ رحمةٍ للعالمين، ومشروعاً إلهياً عظيماً لسعادةِ الإنسانِ واستقرارِه وطمأنينتِه).

المفكر على محمد الشرفاء

مفكر وكاتب عربي مشغول بهموم أمته.. لديه رؤية ومشروع استراتيجي لإعادة بناء النظام العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.. وينفذ مشروع عربي لنشر الفكر التنويري العقلاني وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.. الكاتب قدم للمكتبة العربية عدداً من المؤلفات التي تدور في معظمها حول أزمة الخطاب الديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى