دكتور محمد الجمال يكتب: دعمًا للصناعة.. دعوة لإسقاط غرامات التأخير الضريبي

تابعت أحوال بعض المتعثرين في سداد الضرائب المستحقة عليهم، وتوقفت أمام مشكلة تستحق أن نضعها على مكتب السيد أحمد كجوك، وزير المالية. فهناك أصحاب مصانع وأنشطة اقتصادية لا يرفضون سداد حق الدولة، ولا يسعون إلى التهرب من التزاماتهم، لكنهم يواجهون صعوبات مالية جعلتهم يتأخرون في السداد، وعندما يحاولون تسوية مواقفهم يجدون أنفسهم أمام مبالغ إضافية تراكمت على أصل الضريبة، حتى أصبحت في بعض الحالات عبئًا يفوق قدرتهم على الوفاء بما عليهم.

وما لفت انتباهي أن بعض هؤلاء لا يطلبون إعفاءهم من أصل الضريبة، وإنما يتطلعون إلى فرصة تمكنهم من سدادها دون أن تلاحقهم أعباء التأخير التي تراكمت خلال فترات التعثر. وهنا أعتقد أننا أمام قضية تتجاوز حدود العلاقة بين الممول ومصلحة الضرائب، وترتبط بصورة مباشرة بقدرة المصانع المصرية على الاستمرار في الإنتاج، والحفاظ على العمالة، والتوسع في النشاط.

راجعت ما جرى خلال الفترة التي سبقت انتهاء المواعيد المحددة للاستفادة من التيسيرات الضريبية، وتوقفت أمام القانون رقم 153 لسنة 2022، الذي أتاح التجاوز عن 65% من مقابل التأخير والضريبة الإضافية، وفق شروط تتعلق بسداد أصل الضريبة والنسبة المتبقية من المبالغ الإضافية. ثم جاء القانون رقم 5 لسنة 2025، الذي فتح الباب أمام تسوية بعض المنازعات الضريبية، وأتاح التجاوز الكامل عن مقابل التأخير أو الضريبة الإضافية في حالات محددة، بشرط سداد أصل الدين خلال المدة القانونية.

وقد انتهت مهلة تقديم طلبات الاستفادة من هذه التيسيرات في 12 أغسطس 2025، بينما استمر مسار آخر لإنهاء المنازعات الضريبية بموجب تشريعات لاحقة، وصولًا إلى القانون رقم 152 لسنة 2026، الذي جدد العمل بقانون إنهاء المنازعات حتى نهاية ديسمبر 2026. لكن تجديد هذا المسار لا يعني بالضرورة عودة مزايا الإعفاء التي انتهت مواعيدها.

قراءة الأرقام تشير إلى أن الدولة سبق أن اختارت تخفيف أعباء التأخير عندما رأت أن ذلك يساعد على تحصيل مستحقاتها. فالانتقال من التجاوز عن 65% في قانون 2022 إلى الإعفاء الكامل في حالات محددة بقانون 2025 يعكس وجود أدوات تشريعية يمكن الاستفادة منها مجددًا، دون المساس بأصل الضريبة أو إهدار حقوق الخزانة العامة.

وأشير هنا إلى أن المسألة لا تتعلق بالتسامح مع التهرب الضريبي، فهناك فارق واضح بين من يتعمد إخفاء نشاطه أو الامتناع عن السداد، وبين صاحب مصنع اضطر إلى توجيه السيولة المتاحة لديه لشراء المواد الخام، أو دفع أجور العاملين، أو الوفاء بالتزامات ضرورية حتى لا يتوقف الإنتاج.

والسؤال الذي أطرحه: ما الذي نكسبه إذا تمسكنا بتحصيل مقابل التأخير والضريبة الإضافية من مصنع يتعثر في سداد أصل الضريبة، بينما يمكن منحه فرصة للتسوية وإعادته إلى الانتظام؟

ولعل مراجعة التجارب الدولية تساعدنا على الإجابة. ففي إيطاليا، أُقر نظام للتسوية الضريبية عُرف باسم “Rottamazione-quater”، أتاح سداد ديون مشمولة بالتسوية دون بعض الغرامات وفوائد التأخير. ثم جاء قانون الموازنة لعام 2026 بتسوية جديدة عُرفت باسم “Rottamazione-quinquies”، أتاحت لفئات محددة من المدينين سداد أصل المديونية دون الجزاءات وفوائد التأخير، مع إمكانية التقسيط على فترات طويلة.

وفي تركيا، سمح القانون رقم 7440 لسنة 2023 بإعادة هيكلة الديون الضريبية، واستبدال فوائد وغرامات التأخير بمبالغ محسوبة وفق مؤشر أسعار المنتجين المحلي، مع إتاحة السداد على أقساط تصل إلى 48 شهرًا.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد اتبعت مسارًا مختلفًا، يقوم على إعفاء بعض الممولين من غرامات معينة عند توافر أسباب مقبولة للتأخير. وفي عام 2026، بدأت مصلحة الضرائب الأمريكية تطبيق نظام للإعفاء التلقائي من بعض الغرامات للممولين المؤهلين ممن لديهم سجل سابق من الالتزام، وفق شروط محددة.

أوضح من هذه المقارنة أن الدول الثلاث لم تتخلَّ عن حقوقها الضريبية، وإنما وضعت آليات للتعامل مع حالات التأخير، تختلف في شروطها ونطاقها، لكنها تلتقي عند أهمية تشجيع الممول على التسوية والعودة إلى الالتزام.

وأبين أيضًا أن هذه التجارب لا تعني ضرورة نقل التشريعات الأجنبية إلى مصر، وإنما الاستفادة من فلسفتها في التعامل مع المتعثرين، خصوصًا أن الصناعة المصرية تمر بمرحلة تتطلب المحافظة على كل طاقة إنتاجية قائمة، وعدم تحميل المصانع أعباء يمكن تخفيفها دون الإضرار بحقوق الدولة.

وهنا أعود إلى ما يؤكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تطوير الصناعة المصرية وزيادة عدد المصانع وإعادة تشغيل المصانع المتعثرة. ففي السادس من يوليو 2026، تابع الرئيس الموقف التنفيذي للاستراتيجية الصناعية الوطنية 2026–2030، التي تستهدف رفع الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار، وتتضمن برامج لمعالجة أوضاع المصانع المتعثرة وتنمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

وأعتقد أن ترجمة هذه التوجهات إلى واقع لا تقتصر على إنشاء المصانع الجديدة أو توفير الأراضي والتراخيص، وإنما تمتد إلى حماية المصانع القائمة من المشكلات التي تهدد استمرارها. فالمصنع الذي يتوقف عن العمل لا يخسر صاحبه وحده، وإنما تتأثر معه أسر العاملين والموردون وحركة الإنتاج، فضلًا عن فقدان إيرادات ضريبية كان يمكن أن تستمر لسنوات.

وأشير إلى أن دعم الصناعة لا ينبغي أن يكون مسؤولية وزارة الصناعة وحدها، بل يحتاج إلى تكامل مع وزارة المالية والجهات المعنية، حتى يشعر صاحب المصنع بأن الدولة تسانده عندما يواجه ظروفًا استثنائية، مثلما تشجعه على التوسع وزيادة الإنتاج.

ومن هذا المنطلق، أطرح على وزير المالية مقترحًا بإعادة فتح باب التجاوز عن مقابل التأخير والضريبة الإضافية لمدة ستة أشهر، مع إعطاء أولوية للمصانع المتعثرة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط الاستفادة بسداد أصل الضريبة أو الالتزام بجدول تقسيط واضح، والانتظام في الالتزامات الجديدة، مع وضع ضوابط تحول دون استغلال هذه التيسيرات من جانب المتهربين.

ومن المهم أن تسبق هذه الخطوة دراسة لحجم المديونيات الإضافية المتراكمة، وما يمكن تحصيله فعليًا إذا أُعيد فتح باب التسوية. فليس كل مبلغ مسجل في الدفاتر قابلًا للتحصيل بالسهولة نفسها، وقد يكون التنازل عن جزء من الأعباء الإضافية سببًا في دخول أصل المديونية إلى الخزانة العامة بدلًا من استمرار تعثر سدادها.

السيد وزير المالية…

إننا لا نطالب بإسقاط الضرائب، ولا بإعفاء من يتعمد مخالفة القانون، وإنما نطالب بفرصة جديدة لمن يريد أن يسدد ويستمر في العمل والإنتاج.

وإذا كانت الدولة تستهدف زيادة عدد المصانع المصرية، فمن الضروري ألا تنشغل فقط بالمصانع التي نريد إنشاءها، وإنما بالمصانع الموجودة بالفعل، والتي تحتاج بعضها إلى قرار يساعدها على تجاوز التعثر واستعادة قدرتها على الإنتاج.

فالحفاظ على مصنع يعمل اليوم، ويدفع أجور عماله، ويساهم في الاقتصاد، لا يقل أهمية عن إنشاء مصنع جديد غدًا. وربما تكون إعادة العمل بتيسيرات الإعفاء من مقابل التأخير والضريبة الإضافية إحدى الخطوات التي تمنح الصناعة المصرية فرصة أكبر للاستمرار والتوسع.

د. محمد الجمال

د. محمد الجمال، كبير الهيئة الاستشارية بمركز رع للدراسات، هو خبير في شئون الصناعات والاستثمار. حاصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية – جامعة القاهرة، وحاصل على دكتوراه في الهندسة الكهربائية – أكاديمية فينكس، الولايات المتحدة الأمريكية. هو عضو في مجلس الأعمال المصري الفنلندي منذ عام 2013، ورئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى