د. سيد طه بدوي يكتب.. لماذا يرتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي في مصر؟

شهد الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر تحسنا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، ليصل صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 57.35 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2026، وفقا للبيانات المبدئية للبنك المركزي المصري، مقارنة بنحو 57.22 مليار دولار في نهاية أغسطس، بزيادة شهرية تقارب 134 مليون دولار. كما ارتفع الاحتياطي بنحو 4.74 مليار دولار منذ بداية عام 2026.
ويرجع هذا التحسن إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، وليس إلى مصدر واحد. ويأتي في مقدمتها زيادة تدفقات النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي، وفي مقدمتها تحويلات المصريين العاملين بالخارج. فقد أعلن البنك المركزي أن تحويلات المصريين بالخارج بلغت نحو 29.7 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، وهو تدفق مهم يدعم السيولة الدولارية داخل الاقتصاد.
كذلك أسهمت تدفقات الاستثمار الأجنبي والتدفقات المالية في تعزيز موقف مصر الخارجي. ووفق بيانات البنك المركزي، سجل الحساب الرأسمالي والمالي صافي تدفق للداخل بلغ نحو 9.9 مليار دولار خلال الفترة يوليو–مارس من السنة المالية 2025/2026، وهو ما ساعد على تحسين وضع ميزان المدفوعات.
ومن العوامل المهمة أيضا تحسن السياحة وتدفقات العملة الأجنبية المرتبطة بها. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن قوة تحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة ساعدت في تعويض جزء من الضغوط الناتجة عن ارتفاع فاتورة واردات النفط والغاز.
كما لا يمكن إغفال دور استعادة ثقة المستثمرين في السوق المصرية وتحسن تدفقات المحافظ الاستثمارية. فقد أشار صندوق النقد إلى أن مصر شهدت عودة تدريجية لتدفقات رؤوس الأموال، بالتزامن مع تحسن شهية المستثمرين وانخفاض علاوة المخاطر السيادية، وهو ما دعم احتياطيات النقد الأجنبي.
ومن وجهة نظري، فإن قراءة ارتفاع الاحتياطي يجب ألا تقتصر على النظر إلى الرقم المجرد؛ لأن قوة الاحتياطي لا تقاس فقط بحجمه، وإنما أيضا بطبيعة المصادر التي تقف وراء هذا الارتفاع ومدى استدامتها. فزيادة الاحتياطي الناتجة عن نمو تحويلات المصريين والسياحة والصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر تختلف اقتصاديا عن الزيادة الناتجة بصورة أساسية عن الاقتراض أو التدفقات قصيرة الأجل.
وهنا تظهر أهمية المرحلة المقبلة بالنسبة للاقتصاد المصري: الانتقال من مجرد زيادة الاحتياطي إلى زيادة مستدامة في موارد النقد الأجنبي. فكلما تمكن الاقتصاد من زيادة قدرته على التصدير، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتنمية السياحة، وزيادة تحويلات العاملين بالخارج، أصبح الاحتياطي أكثر ارتباطا بالنشاط الاقتصادي الحقيقي وأقل تعرضا للتقلبات المفاجئة في الأسواق المالية العالمية.
كما أن تحسن الاحتياطي يمنح البنك المركزي قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية وتوفير احتياجات الاقتصاد من السلع والخدمات الأساسية. وقد أشار صندوق النقد إلى أن الاحتياطيات الدولية ظلت عند مستويات قوية، وأن مرونة سعر الصرف ساعدت الاقتصاد المصري على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية الأخيرة.
وفي تقديري، فإن ارتفاع الاحتياطي النقدي يمثل مؤشرا إيجابيا ومهما، لكنه ليس هدفا اقتصاديا في حد ذاته؛ فالهدف الأهم هو بناء اقتصاد قادر بصورة مستمرة على توليد العملة الأجنبية من الإنتاج والتصدير والسياحة والاستثمار، بحيث يصبح نمو الاحتياطي انعكاسا لقوة الاقتصاد الحقيقي، وليس مجرد نتيجة لتدفقات مالية مؤقتة.