علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب عن مفهوم الديمقراطية

ما هي الديمقراطية؟ الجواب: حكم الشعب واختيار الحاكم عن طريق الانتخابات وصناديق الاقتراع للوصول إلى كرسي الحكم.
هل من يسعى للوصول إلى كرسي الحكم تتوفر فيه شروط الأمانة والحكمة والقدرة على إدارة الدولة ومعرفة مصلحة الوطن بشأن أمنه وحمايته من كل ما يهدد استقراره؟ وهل يتمتع المرشح بصفات القيادة في إدارة أجهزة الدولة من جيش وشرطة ومؤسسات وزارية، يستطيع بواسطتها تحقيق متطلبات المواطن من سكن وتعليم ودخل كريم يقتات به وأسرته، وأهم من كل ذلك قدرته على تحقيق أمنه وسلامته؟ هل كل من لديه القدرة على المبارزة الكلامية والانتقاد اللاذع والمسيء لمن قبله من الرؤساء؟ بماذا تفيد المواطن الديمقراطية إذا ما اختل الأمن وتهدد الاستقرار وتسببت في الصراع بين قطاعات الشعب، وتحولت إلى حروب أهلية، والأعداء يتربصون بالوطن لتدمير الدولة وخلق عدة دول تبني نظامها على الطائفيين القتلة واللصوص؟ أليس قبل الديمقراطية يأتي الأمن والأمان؟
قال الله سبحانه وتعالى موجها أمره للناس، يدعوهم للاعتصام بحبل الله وألا يتفرقوا ولا يستجيبوا للفتن ولا يتنازعوا، بل يتعاون كافة أفراد المجتمع على البر والتقوى ليحافظوا على أوطانهم ويحموا وطنهم بوحدتهم، ليتحقق لكل فرد في المجتمع الأمن والسلام والحياة الكريمة، ليعيشوا حياة مطمئنة ومستقرة، ويتبعوا أوامر الله سبحانه للمحافظة على أوطانهم، ومن يعصي الله وما بلغه الرسول عليه السلام للناس من التشريعات الإلهية والمنهاج الرباني في العلاقات فيما بين الناس والمعاملات بالحوار والحكمة والموعظة الحسنة وحل المشكلات فيما بينهم بالتسامح والحسنى والإحسان، يؤمنهم الله بالسلام في مجتمعاتهم، وتتنزل عليهم نعمه ويفتح لهم بركاته، ويجعل حياتهم في نعيم ويدرأ عنهم المصائب والأزمات ويرفع عنهم الهموم، ليعيشوا سعداء في أوطانهم، لينالوا رضا الله ويجزيهم خير الجزاء. وفيما يلي دعوة الله للناس في كتابه المجيد لاتباع آياته لحماية أوطانهم من الفتن والشائعات التي تعيق حركة التطور والتقدم والازدهار، كما يلي:
١- (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) آل عمران (١٠٣).
٢- أمر الله عباده بقوله سبحانه: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة (٢).
٣- وأمر الله سبحانه عباده بقوله: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الأنفال (٤٦).
تلك الأوامر الإلهية التي تحصن الأوطان والمجتمعات فيها من الانهيار والاستعمار والاحتلال ونهب ثرواتهم واستعبادهم وضياع أوطانهم وتشرد أبناء الوطن وضياعه إلى الأبد، ولذلك على كافة أفراد المجتمع التمسك بأوامر الله الواردة أعلاه كي يحافظوا على سلامتهم وسلامة أوطانهم من الضياع، ليعيشوا فيها في أمن وسلام.
تلك دعوة مؤسسة رسالة السلام العالمية للناس لتذكيرهم بأوامر الله للعودة للقرآن للحفاظ على الأوطان، وألا يعصوا الله فيما أمرهم بما يحقق أمنهم وصلاحهم وسلامتهم.
بالتالي، الديمقراطية تنبثق من فلسفة الإصلاح الحضاري في القرآن الكريم، باعتباره مشروعا متكاملا لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع وإقامة الحضارة، بعيدا عن الاقتصار على الطرح الوعظي أو القراءة التقليدية للنصوص.
فالديمقراطية تعني أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأدوات أو الأنظمة وحدها، وإنما من إعادة بناء الإنسان على أساس منظومة قيمية وأخلاقية مستمدة من القرآن الكريم، باعتباره مرجعية للهداية والإصلاح وصناعة العمران.
فالبشرية تواجه اليوم تحديات فكرية وحضارية وأخلاقية غير مسبوقة، وأن التجارب الإنسانية أثبتت أن التقدم المادي وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار والازدهار إذا لم يستند إلى منظومة أخلاقية تضبط حركة الإنسان وتوجه طاقاته نحو الخير والإصلاح.
فالقرآن الكريم لا ينبغي النظر إليه باعتباره كتابا للوعظ المجرد أو سجلا للأحداث التاريخية فقط، وإنما باعتباره مشروعا حضاريا متكاملا يهدف إلى بناء الإنسان الصالح، وإقامة المجتمع العادل، وترسيخ قيم الرحمة والحرية والعدل والمسؤولية، باعتبارها الأسس التي تقوم عليها نهضة الأمم واستقرار المجتمعات.
إن تكريم الإنسان بالعقل والوعي والقدرة على الاختيار لا يمثل امتيازا مجردا، وإنما يفرض عليه مسؤولية أكبر في توظيف هذه النعم لخدمة المجتمع وإقامة العدل وتحقيق الإصلاح.
إن إعمار الأرض هو التطبيق العملي لفلسفة الديمقراطية في القرآن، التي لا تقتصر نتائجها على تشييد المباني أو تنمية الاقتصاد، وإنما تشمل بناء الإنسان، وتطوير المعرفة، وإقامة العدالة، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ القيم الأخلاقية التي تضمن استدامة التنمية واستقرار المجتمع، وهو ما يجعل الاستثمار في الإنسان والعلم جزءا أصيلا من رسالة الإصلاح التي يدعو إليها القرآن الكريم.
إن مستقبل الأمم لا تصنعه القوة المادية وحدها، وإنما تصنعه منظومة أخلاقية عادلة تحترم الإنسان وتصون كرامته وتطلق طاقاته نحو الإبداع والعطاء، وأن النهضة الحقيقية تبدأ بإصلاح الإنسان فكرا وسلوكا، لأنه محور العمران وغاية الرسالات السماوية، وهي الرسالة التي يسعى الكتاب إلى ترسيخها من خلال قراءة معاصرة للمفاهيم القرآنية وربطها بقضايا الواقع وتحديات المستقبل.