على محمد الشرفاء الحمادي.. يكتب عن وحدة البشر

فالناسُ جميعاً خلقُ اللهِ، وانتِماؤهم إلى نفس الأصول، منذُ خلقَ الله آدمَ وزوجتَه، حيثُ بيّن -سبحانه- للناسِ فيما يلي وِحدة الخَلْق الإنساني في قولهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: 13). يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء: 1).
يبيّن اللُه للناس في كتابه الكريم: أنّهم اخوة في الخلْق ووحدةِ الانتماء إلى أوّل الخَلْق الإنسانيّ: آدمَ وزوجتِه، تأكيداً لقولهِ -سبحانه: – (وَهُوَ الَّذي أَنشَأَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ فَمُستَقَرٌّ وَمُستَودَعٌ قَد فَصَّلنَا الآياتِ لِقَومٍ يَفقَهونَ) (الأنعام: 98)،
فلا ميزَة لإنسان على غيره إلا بالإيمان والعملِ كما قال -سبحانه- (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿7﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿8﴾) (الزلزلة: 7-8).
وَحدةُ الأصلِ الإنسانيِّ وأُخوَّةُ البشَرِ في مِيزانِ القرآن:
قالَ اللهُ -سُبحانَهُ وَتَعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)، وقالَ جَلَّ وَعَلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1)، وقالَ سُبحانَهُ وتعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (الأنعام: 98).
يضعُ القرآنُ الكريمُ بهذهِ الآياتِ أساسًا إنسانيًّا بالغَ العُمقِ والخطورةِ في بناءِ الوعيِ البشريِّ، عندما يُقرِّرُ أنَّ الناسَ جميعًا ينتمونَ إلى أصلٍ واحدٍ، وأنَّ اختلافَ الأجناسِ والألوانِ واللغاتِ والشعوبِ والقبائلِ لا يُغيِّرُ من حقيقةِ الأخوَّةِ الإنسانيَّةِ الجامعةِ التي أرادها اللهُ قانونًا للحياة.
عندما نتدبَّرُ مطلعِ الآيةِ الكريمةِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يتبيَّنُ أنَّ الخطابَ القرآنيَّ موجَّهٌ للبشريةِ كلِّها دونَ تخصيصٍ دينيٍّ أو عرقيٍّ أو قوميٍّ، بما يكشفُ عن عالميةِ الرسالةِ القرآنيةِ واتساعِ “مشروعِ الرحمنِ” ليشملَ الإنسانَ أينما كان؛ فالقرآنُ حينَما يؤسِّسُ لفكرةِ “وحدةِ البشر” يضعُ قاعدةً تشريعيَّةً وحضاريَّةً لحمايةِ الإنسانِ من العنصريةِ والطغيانِ والكراهيةِ وصراعاتِ التفوُّقِ الوهميِّ.
في قولهِ تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) إشارةٌ قرآنيةٌ مُعجزةٌ إلى وحدةِ المنشأِ الإنسانيِّ، فكلُّ البشرِ يعودونَ إلى أصلٍ واحدٍ، بما يُسقطُ أوهامَ الاستعلاءِ العِرقيِّ أو الطبقيِّ أو السلاليِّ التي مزَّقتِ المجتمعاتِ عبرَ التاريخِ، وأشعلتِ الحروبَ، وأنتجتِ أنظمةَ التمييزِ، والاستعبادِ، والاستعمارِ، والإقصاءِ.
ثمَّ تأتي العبارةُ القرآنيةُ العظيمةُ: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) لتكشفَ مقصدَ التنوعِ البشريِّ في المنهجِ الإلهيِّ؛ فالاختلافُ جسرٌ للتعارفِ والتعاونِ وتبادلِ الخبراتِ والمصالحِ والثقافاتِ وبناءِ العمرانِ الإنسانيِّ المشترك وليسَ سببًا للصراعِ والكراهيةِ، وكأنَّ القرآنَ يُعيدُ توجيهَ الوعيِ الإنسانيِّ من منطقِ الصدامِ إلى منطقِ التكاملِ، ومن ثقافةِ الهيمنةِ إلى ثقافةِ التعارفِ والرحمةِ والسلام.
من أعمقِ الإشاراتِ القرآنيةِ في هذهِ الآيةِ أنَّ اللهَ لم يقل: “لتتنازعوا” أو “لتتفاضلوا بالأعراقِ والأنساب”، وإنما قال: (لِتَعَارَفُوا)، لأنَّ المعرفةَ المتبادلةَ بينَ البشرِ تُنتجُ الاحترامَ والتعاونَ وتقليلَ الخوفِ والكراهيةِ، بينما الجهلُ بالآخرِ يُنتجُ التعصُّبَ والعنفَ والانغلاق.
ثمَّ يحسمُ القرآنُ معيارَ الكرامةِ الحقيقيِّ بقولهِ تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فينقلُ ميزانَ التفاضلِ من العِرقِ والمالِ والسلطةِ والنسبِ إلى معيارِ العملِ الأخلاقيِّ والوعيِ الإيمانيِّ والسلوكِ الإنسانيِّ، وهذهِ الآيةُ تُشكِّلُ ثورةً قرآنيةً هائلةً ضدَّ كلِّ أنظمةِ الطبقيةِ والاستعلاءِ والكهنوتِ الدينيِّ والعنصريةِ التي حوَّلتِ البشرَ إلى درجاتٍ متفاوتةٍ في القيمةِ الإنسانية.
وفي قولهِ تعالى: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) إشارةٌ إلى الامتدادِ الإنسانيِّ العظيمِ الذي يجمعُ البشريةَ كلَّها داخلَ العائلةِ الإنسانيةِ الكبرى، بما يجعلُ الاعتداءَ على الإنسانِ عدوانًا على هذا النسيجِ الإنسانيِّ الذي أرادهُ اللهُ متراحمًا متعاونًا متكاملًا.
ولهذا فإنَّ “مشروعَ الرحمنِ في القرآنِ لتحقيقِ سعادةِ الإنسانِ” يقومُ على ترسيخِ هذا الوعيِ الكونيِّ؛ لأنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تتحقَّقُ حينَما يشعرُ الإنسانُ أنَّهُ شريكٌ في الإنسانيةِ، وأنَّ كرامتَهُ مصُونةٌ باعتباره إنسانًا خلقهُ اللهُ وكرَّمهُ ونفخَ فيهِ من روحِه، ولا يمكنُ أن تتحقَّقَ في عالمٍ تحكمُهُ العنصريةُ والكراهيةُ، والاستعلاءُ القوميُّ، والطائفيُّ، والدينيُّ.
وفي واقعِ المسلمينَ اليومَ تبدو الحاجةُ ماسَّةً إلى استعادةِ هذا الفهمِ القرآنيِّ العظيمِ لوحدةِ البشر، بعدَ أن مزَّقتِ الانقساماتُ الطائفيةُ والمذهبيةُ والعرقيةُ جسدَ الأمَّةِ، وبعدَ أن تحوَّلتِ الهويَّاتُ الضيِّقةُ إلى أدواتِ صراعٍ وإقصاءٍ وكراهية، فالعودةُ إلى القرآنِ تعني إعادةَ بناءِ الإنسانِ على قاعدةِ الأخوَّةِ الإنسانيةِ الكبرى، والعدلِ، والرحمةِ، والتعارفِ، والتعاونِ على الخيرِ والسلام.
كما أنَّ هذهِ الآياتِ تُقدِّمُ للمسلمينَ اليومَ منهجًا حضاريًّا للتعاملِ مع العالمِ المعاصر، يقومُ على احترامِ الإنسانِ أيًّا كان دينُهُ أو لونُهُ أو قوميَّتُه، وعلى بناءِ الجسورِ الإنسانيةِ والثقافيةِ والحضاريةِ، بما يُعيدُ للإسلامِ صورتَهُ القرآنيةَ الأصيلةَ باعتباره رسالةَ رحمةٍ للعالمين، ومشروعًا إلهيًّا لصناعةِ السلامِ والسعادةِ والكرامةِ للإنسانِ جميعًا.
وفي هذا السياقِ تتضحُ دلالةُ قولهِ تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 7-8)؛ إذ يُعيدُ القرآنُ تأكيدَ أنَّ قيمةَ الإنسانِ في ميزانِ اللهِ تُبنى على عملِه وسلوكِه وخيرِه وشرِّه، لا على نسبِه، أو عِرقِه، أو جماعتِه أو شعارِه الدينيِّ، وهكذا يُحرِّرُ القرآنُ الإنسانَ من أوهامِ التفاضلِ الزائفِ، ويُعيدُ بناءَ المجتمعِ الإنسانيِّ على أساسِ المسؤوليةِ الفرديةِ والعدالةِ والتقوى والعملِ الصالح.
الأُخوَّةُ الإنسانيَّةُ ووَحدةُ الانتماءِ إلى الخالقِ الواحد:
قالَ اللهُ -سُبحانَهُ وَتَعالى: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 92)، وقالَ -جَلَّ وَعَلا: (وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْٰمن الرَّحِيمُ) (البقرة: 163)، وقالَ سُبحانَهُ: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر: 62)، وقالَ الله تَعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ) (الأنعام: 2).
يكشفُ القرآنُ الكريمُ في هذهِ الآياتِ عن بُعدٍ أعمقَ من مجرَّدِ وحدةِ الأصلِ الإنسانيِّ، إذ ينتقلُ بالإنسانِ إلى إدراكِ وحدةِ الانتماءِ الوجوديِّ والروحيِّ إلى الخالقِ الواحدِ الذي خلقَ البشرَ جميعًا، وربطَ مصيرَهم بقانونٍ واحدٍ، وحقيقةٍ كونيةٍ واحدةٍ، ومصيرٍ نهائيٍّ واحد.
ففي قولهِ تعالى: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) نكتشفُ رؤيةُ القرآنِ للإنسانيةِ كيانًا إنسانيًّا متصلًا، مهما تعدَّدتِ اللغاتُ والثقافاتُ والأعراقُ والانتماءاتُ الجغرافية، وكلمةُ “أمَّة” تحملُ معنى الجماعةِ الإنسانيةِ التي يجمعُها الأصلُ الواحدُ والمصيرُ الواحدُ تحتَ ربوبيةِ اللهِ الواحدة، بما يُسقطُ كلَّ دعاوى الاستعلاءِ والتمزيقِ والكراهيةِ التي تُحوِّلُ البشرَ إلى معسكراتٍ متصارعةٍ.
ثمَّ تأتي العبارةُ الحاسمةُ: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) لتربطَ وحدةَ البشرِ بوحدةِ المرجعيةِ العليا، فالقرآنُ يُعيدُ بناءَ الوعيِ الإنسانيِّ على أنَّ الجميعَ يقفونَ أمامَ ربٍّ واحدٍ، لا يملكُ أحدٌ احتكارَهُ، ولا يحقُّ لأحدٍ أن ينصِّبَ نفسَهُ وسيطًا بينَ اللهِ والناسِ أو وصيًّا على ضمائرِهم ومصائرِهم.
ومن أسرارِ البناءِ القرآنيِّ أنَّهُ يربطُ بينَ اسمِ اللهِ الواحدِ وبينَ اسمَيْه العظيمَيْنِ: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، بما يكشفُ أنَّ الأصلَ الذي ينبغي أن تقومَ عليهِ العلاقاتُ الإنسانيةُ هو الرحمةُ لا الصراعُ، والتكاملُ لا الإقصاءُ، والتعاونُ لا الهيمنةُ.
وفي قولهِ تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إشارةٌ كونيةٌ شاملةٌ تُعيدُ الإنسانَ إلى إدراكِ أنَّ الجميعَ مخلوقونَ للهِ، وأنَّ العدوانَ على الإنسانِ هو عدوانٌ على مخلوقٍ كرَّمهُ اللهُ وأوجدهُ ضمنَ هذا البناءِ الكونيِّ المُحكم، ولهذا يُقدِّمُ القرآنُ فكرةَ “وحدةِ البشر” كقاعدةً أخلاقيةً وتشريعيةً لحمايةِ الحياةِ الإنسانيةِ وصيانةِ الكرامةِ البشريةِ.
كما أنَّ قولهُ سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن طِينٍ) يحملُ دلالةً عميقةً في تحطيمِ أوهامِ الكِبْرِ البشريِّ والاستعلاءِ الطبقيِّ والعِرقيِّ؛ فالجميعُ يعودونَ إلى مادةِ الخلقِ نفسها، ويخضعونَ للقانونِ الإلهيِّ نفسِه، ويعيشونَ فوقَ الأرضِ نفسها، ثمَّ يعودونَ إلى اللهِ فرادى بلا امتيازاتٍ مصطنعةٍ ولا ألقابٍ زائلة.
إذنْ يقومُ “مشروعَ الرحمنِ في القرآنِ لتحقيقِ سعادةِ الإنسانِ” على تحريرِ البشرِ من العصبياتِ الضيقةِ التي صنعتِ الحروبَ والكراهيةَ والاستعمارَ والاستغلالَ عبرَ التاريخ، فالإنسانُ حينَما يُدركُ أنَّهُ أخٌ للإنسانِ في الخلقِ والانتماءِ إلى اللهِ، تتغيَّرُ نظرتُهُ إلى الآخرِ، ويتحوَّلُ من عقليةِ الصدامِ إلى عقليةِ المشاركةِ والتكاملِ الإنسانيِّ.
في واقعِ المسلمينَ اليومَ تبدو الحاجةُ مُلحَّةً لإحياءِ هذا الوعيِ القرآنيِّ العالميِّ؛ لأنَّ كثيرًا من صورِ الانقسامِ الطائفيِّ والمذهبيِّ والقوميِّ علاوة على صور العداء مع العالم، قد شوَّهتِ الرسالةَ القرآنيةَ التي أرادتْ للناسِ أن يعيشوا داخلَ دائرةِ الأخوَّةِ، والعدلِ، والرحمةِ، والتعارفِ.
فالعودةُ إلى هذا الأصلِ القرآنيِّ تعني بناءَ خطابٍ دينيٍّ جديدٍ يُخاطبُ الإنسانَ بوصفِه إنسانًا قبلَ أيِّ تصنيفٍ آخر، ويُعيدُ للإسلامِ صورتَهُ الكونيةَ الكبرى باعتبارِه مشروعَ رحمةٍ وسلامٍ وسعادةٍ للإنسانيةِ جميعًا.
المُساواةُ بينَ البشَرِ وسُقوطُ أوهامِ التَّفاضُلِ العِرقيِّ والطَّبقيِّ:
قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ) (آل عمران: 79)، وقالَ الله جَلَّ وَعَلا: – (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: 185)، وقالَ سُبحانَهُ: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم: 95)، وقالَ سبحانه وتَعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) (عبس: 34-36).
يبني القرآنُ الكريمُ مفهومَ المساواةِ الإنسانيةِ على قواعدَ وجوديةٍ عميقةٍ تتجاوزُ القوانينَ الشكليةَ والشعاراتِ الاجتماعية؛ فالناسُ في ميزانِ اللهِ متساوونَ في أصلِ الخلقِ، ومتساوونَ أمامَ الموتِ، ومتساوونَ أمامَ الحسابِ، ومتساوونَ في المسؤوليةِ الفرديةِ عن أعمالِهم، ولذلكَ يسقطُ كلُّ ادعاءٍ بالتفوُّقِ القائمِ على العِرقِ أو النسبِ أو الطبقةِ أو السلطةِ أو الثروةِ.
وفي قولهِ تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) دلالةٌ شديدةُ العمقِ على أنَّ أيَّ إنسانٍ مهما بلغَ من العلمِ أو السلطةِ أو المكانةِ الدينيةِ يبقى بشرًا لا يملكُ حقَّ استعبادِ الناسِ أو احتكارِ الحقيقةِ أو تحويلِ البشرِ إلى أتباعٍ خاضعينَ له، فالقرآنُ يرفضُ بناءَ الكهنوتِ الديني الذي يجعلُ بعضَ النَّاسِ طبقةً فوقَ البشرِ تتحكَّمُ في مصائرِهم باسمِ الله.
ثمَّ يأتي التذكيرُ القرآنيُّ الحاسمُ: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ليُحطِّمَ أوهامَ العظمةِ الزائفةِ والاستعلاءِ المؤقَّتِ؛ فالجميعُ يعبرونَ المصيرَ نفسَهُ، ويغادرونَ الدنيا بلا استثناءٍ، بما يُعيدُ الإنسانَ إلى التواضعِ وإدراكِ هشاشتِه الوجوديةِ مهما امتلكَ من أسبابِ القوةِ.
وفي قولهِ تعالى: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) تظهر العدالةُ الإلهيةُ المطلقةُ جلية؛ حيثُ يسقطُ كلُّ ما صنعهُ البشرُ من طبقاتٍ وحواجزَ وألقابٍ وهياكلَ سلطةٍ، ويقفُ الإنسانُ وحدَهُ أمامَ اللهِ بلا عشيرةٍ ولا حزبٍ ولا نسبٍ ولا جماعةٍ تحميهُ من حسابِ أعمالِه.
ومن الإشاراتِ البديعةِ في سورةِ عبس أنَّ القرآنَ يُصوِّرُ لحظةَ انهيارِ كلِّ الروابطِ الأرضيةِ يومَ القيامةِ: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ)، ليُؤكِّدَ أنَّ القيمةَ الحقيقيةَ للإنسانِ لا تُبنى على الانتماءِ العائلي أو الطبقي أو القبلي، وإنَّما على ما قدَّمهُ من خيرٍ وعدلٍ ورحمةٍ وعملٍ صالح.
ولهذا فإنَّ “مشروعَ الرحمنِ في القرآنِ لتحقيقِ سعادةِ الإنسانِ” يُحرِّرُ البشرَ من كلِّ نزعات الاستعلاءِ والاستعبادِ والتمييزِ، ويُعيدُ البناءَ على قاعدةِ الكرامةِ الإنسانيةِ المتساويةِ، حيثُ يكونُ الإنسانُ محترمًا لكونِه إنسانًا، لا لثروتِه، أو نسبِه، أو لونِه، أو موقعِه.
وفي واقعِ المسلمينَ اليومَ تبرزُ الحاجةُ إلى استعادةِ هذا الميزانِ القرآنيِّ؛ لأنَّ كثيرًا من صورِ التفاخرِ العِرقيِّ والطائفيِّ والطبقيِّ قد مزَّقتِ المجتمعاتِ، وأنتجتِ الكراهيةَ والاستعلاءَ والتمييزَ، بينما القرآنُ يُعيدُ الجميعَ إلى الحقيقةِ الكبرى: أنَّ (البشرَ جميعًا عبادُ اللهِ، وأنَّ أكرمَهم عندَ اللهِ أتقاهم، وأنَّ معيارَ التفاضلِ الحقِّ هو العملُ الصالحُ والعدلُ والرحمةُ وخدمةُ الإنسان).
وحدةُ الأصلِ الإنسانيّ وبدايةُ الرِّحلةِ البشريّةِ الواحدة:
يضعُ القرآنُ الكريمُ أُسُسَ العلاقةِ بينَ البشرِ على قاعدةٍ كونيّةٍ جامعةٍ، تُعيدُ الإنسانَ إلى أصلِه الأوّلِ، وتُسقِطُ كلَّ أوهامِ التَّفاضلِ العِرقيِّ والطَّبقيِّ والمذهبيِّ التي مزَّقتِ البشريّةَ عبرَ التاريخ؛ فاللهُ -سبحانه- حينَما يخاطبُ النَّاسَ في القرآنِ فهو يُخاطبُهم كأسرةً إنسانيّةً واحدةً خرجت من أصلٍ واحدٍ، لتعيشَ فوقَ أرضٍ واحدةٍ، تحتَ ربوبيّةِ إلهٍ واحدٍ، وضمنَ مشروعٍ رحماني واحدٍ غايتُه إعمارُ الحياةِ بالعدلِ والرَّحمةِ، ولا يُخاطبُهم باعتبارِهم أعراقًا متنازعةً أو شعوبًا متعاليةً أو جماعاتٍ مغلقةً.
قالَ اللهُ -سُبحانَهُ وَتَعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) (الحجرات: 13).
في هذهِ الآيةِ تكمُن عبقريّةُ البناءِ القرآنيِّ في تأسيسِ وحدةِ البشرِ على ثلاثةِ أركانٍ كبرى: (وحدةِ الأصل، وتنوّعِ الاجتماعِ الإنساني، ووحدةِ المعيارِ الأخلاقي)؛ فالناسُ جميعًا خُلِقوا مِن “ذَكَرٍ وَأُنثَى”، أي إنّهم يعودون إلى أصلٍ إنساني واحدٍ، فلا مجالَ لادّعاءِ تفوّقِ جنسٍ على جنسٍ، أو لونٍ على لونٍ، أو قوميّةٍ على أُخرى، ثمّ يُبيّنُ القرآنُ أنّ التعدّدَ في الشعوبِ والقبائلِ لم يُخلَق للصِّدامِ والتنازعِ والتكبّرِ، وإنّما “لِتَعَارَفُوا”، وهي كلمةٌ بالغةُ العمقِ والدلالة؛ إذْ تجعلُ المعرفةَ والتواصلَ والتكاملَ الحضاريَّ مقصدًا من مقاصدِ الخَلْقِ الإنساني.
ثمّ ينقلُ القرآنُ معيارَ التفاضلِ من الانتماءِ الوراثي إلى المسؤوليّةِ الأخلاقيّةِ والعملِ الصالحِ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فالتقوى ليستْ شعارًا طقوسيًّا، وإنّما وعيٌ أخلاقيٌّ ينعكسُ عدلًا ورحمةً وسلامًا وإحسانًا في الواقعِ الإنسانيِّ.
ويقولُ اللهُ سُبحانَهُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1).
يحملُ افتتاحَ الآيةِ بنداءِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) دلالةً إنسانيّةً شاملةً تتجاوزُ الحدودَ الدينيّةَ والعرقيّة، ثمّ تأتي عبارةُ (مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) لتؤكّدَ أنّ وحدةَ الأصلِ الإنساني حقيقةٌ قرآنيّةٌ محوريّةٌ، وأنّ كلَّ أشكالِ الاستعلاءِ والعنصريّةِ والطائفيّةِ إنّما تُناقضُ المنهجَ الإلهيَّ في بناءِ المجتمعِ البشري.
ويتَّضحُ في الآيةِ أيضًا ترابطٌ بديعٌ بينَ وحدةِ الخَلْقِ ووحدةِ الأخلاق؛ إذْ ينتقلُ الخطابُ مباشرةً إلى الأمرِ بتقوى اللهِ وحفظِ الأرحامِ، وكأنّ القرآنَ يُشيرُ إلى أنّ مَن أدركَ أنّ الناسَ جميعًا أبناءُ أصلٍ واحدٍ، تعذّرَ عليه أنْ يظلمَهم أو يحتقرَهم أو يعتديَ على حقوقِهم.
ويقولُ اللهُ سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (الأنعام: 98).
في هذهِ الآيةِ إشارةٌ عميقةٌ إلى وحدةِ الرحلةِ الإنسانيّةِ فوقَ الأرض؛ فالبشرُ جميعًا يتحرّكونَ داخلَ قدرٍ إنسانيٍّ مشتركٍ، لهم “مُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ”، أي إنّهم جميعًا يخضعونَ لقوانينِ الحياةِ والموتِ والرزقِ والزمنِ ذاتِها، مهما اختلفتْ أوطانُهم أو ألسنتُهم أو مواقعُهم الاجتماعيّةُ والسياسيّةُ.
من الإشارات الدقيقة في التعبيرِ القرآنيِّ نجدُ أنّه يستخدمُ “النفسَ الواحدةَ” بدلَا من الحديثِ عن الانتماءِ القوميِّ أو العِرقيِّ، لأنّ القرآنَ يريدُ تحريرَ الإنسانِ من أوهامِ العصبيّاتِ المغلقةِ التي حوّلتِ التاريخَ الإنسانيَّ إلى ساحاتِ صراعٍ دائمٍ، ولذلكَ فإنّ “مشروعَ الرحمنِ في القرآنِ لبناءِ سعادةِ الإنسانِ” يبدأُ من إعادةِ اكتشافِ هذهِ الحقيقةِ الكبرى: (أنّ البشرَ جميعًا شركاءُ في الأصلِ والكرامةِ والحقِّ في الحياةِ والأمنِ والرحمة).
فلا غنى إذن في واقعِ المسلمينَ المعاصرِ، عن أن تُصبحُ هذهِ الرؤيةُ القرآنيّةُ ضرورةً حضاريّةً لإنقاذِ الوعيِ الإسلامي من الانغلاقِ والطائفيّةِ والكراهيةِ، ولإعادةِ بناءِ علاقةِ المسلمينَ بالعالمِ على أساسِ التعارفِ والتعاونِ والعدلِ والرحمةِ؛ فحينَما يدركُ المسلمُ أنّ كلَّ إنسانٍ هو شريكٌ له في الإنسانيّةِ والخَلْقِ والكرامةِ، تتغيّرُ طريقةُ تعاملِه مع المختلفِ دينيًّا وفكريًّا وثقافيًّا، ويتحوّلُ وجودُه في العالمِ إلى رسالةِ سلامٍ ورحمةٍ وإصلاحٍ، كما أرادَ القرآنُ الكريم.
المسؤوليةُ الفرديّةُ أساسُ العدالةِ الإلهيّةِ بينَ البشر:
يُقيمُ القرآنُ الكريمُ العلاقةَ بينَ الإنسانِ وربِّه على قاعدةِ المسؤوليّةِ الفرديّةِ الكاملة، بحيثُ يتحمّلُ كلُّ إنسانٍ نتيجةَ اختياراتِه وأعمالِه دونَ أنْ يحملَ ذنبَ غيرِه، ودونَ أنْ ينتفعَ بنسبٍ، أو عِرقٍ أو انتماءٍ اجتماعي أو ديني مجرّدٍ من العملِ الصالح، وهذهِ القاعدةُ القرآنيّةُ تُعدُّ من أعظمِ أسسِ تحريرِ الإنسانِ من أنظمةِ التمييزِ والاستعبادِ الروحي والاجتماعي التي جعلتْ بعضَ البشرِ أوصياءَ على مصائرِ الآخرين. قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38).
جاءَ التعبيرُ القرآنيُّ بكلمةِ “رَهِينَةٌ” ليُصوِّرَ بدقّةٍ شديدةٍ ارتباطَ الإنسانِ بعملِه، وكأنّ كلَّ نفسٍ مرهونةٌ بما صنعتْه واختارتْه في حياتِها؛ فلا وجودَ في المنهجِ القرآنيِّ لفكرةِ الامتيازِ الوراثيِّ الذي يمنحُ النجاةَ تلقائيًّا، ولا لفكرةِ الخلاصِ الجماعيِّ القائمِ على الانتماءِ الشكليِّ، لأنّ الميزانَ الإلهيَّ قائمٌ على العدلِ الفرديِّ الدقيق. ويقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: 164).
هذهِ الآيةُ تؤسّسُ لمبدأٍ إنسانيٍّ بالغِ العظمةِ؛ إذْ تنفي انتقالَ الذنبِ بينَ الناسِ، وتُسقطُ منطقَ العقوباتِ الجماعيّةِ والكراهيةِ الموروثةِ والثأرِ التاريخيِّ، لأنّ كلَّ إنسانٍ مسؤولٌ عن فعلِه هو، لا عن أفعالِ غيرِه. ولذلكَ فإنّ القرآنَ يُحرّرُ الإنسانَ من عقدةِ “الخطيئةِ الموروثةِ”، كما يُحرّرُ المجتمعاتِ من ثقافةِ تحميلِ الأبناءِ أخطاءَ الآباءِ، أو معاقبةِ الجماعاتِ بجريرةِ أفرادٍ منها.
ومن الدلالاتِ العميقةِ في هذهِ الآيةِ أنّها تُعيدُ تأسيسَ العدالةِ على المسؤوليةِ الفرديّةِ لا على الهويّاتِ المغلقةِ والانتماءاتِ العرقيّةِ والطائفيّةِ، وهو ما يجعلُ المنهجَ القرآنيَّ أكثرَ النظمِ الإنسانيّةِ احترامًا لكرامةِ الإنسانِ وحرّيّتِه. ويقولُ اللهُ سُبحانَهُ: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) (الإسراء: 15).
الهدايةَ في القرآنِ هي قرارٌ إنسانيٌّ واعٍ، يتحمّلُ الإنسانُ مسؤوليتَه بنفسِه، ولذلكَ جاءتِ الآيةُ بغايةِ الدقّةِ في ردِّ نتائجِ الاختيارِ إلى صاحبِه مباشرةً في حرية اختياره لطريق الخير ونتائج قراره في اختيار طريق الباطل على ضوء ذلك تتكشَّف قيمةُ الحرّيّةِ الإنسانيّةِ في المنهجِ القرآني؛ فالإنسانُ ليسَ كائنًا مُسيَّرًا قهرًا في قراراتِه الأخلاقيّةِ والعقديّةِ، وإنّما مُنِحَ العقلَ والقدرةَ على الاختيارِ ليكونَ مسؤولًا عن مصيرِه أمامَ الله.
إذنْ لا يمكنُ أنْ يتحقّقَ “مشروعَ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان” في واقعِ المسلمينَ ما دامَ بعضُهم يُصرُّ على مصادرةِ ضمائرِ الناسِ، أو احتكارِ الهدايةِ، أو ممارسةِ الوصايةِ على إيمانِ الآخرينَ وعقولِهم؛ فالقرآنُ يُربّي الإنسانَ على تحمّلِ مسؤوليّتِه الفرديّةِ، وعلى بناءِ وعيِه واختيارِه الحرِّ، لأنّ المجتمعاتِ الحرّةَ الواعيةَ أقدرُ على صناعةِ العدلِ والسَّلامِ والنهضةِ.
وحدةُ المصيرِ الإنسانيِّ أمامَ اللهِ وعدالةُ الحسابِ الكبرى:
بعدَ أنْ يُقرِّرَ القرآنُ وحدةَ الأصلِ الإنسانيِّ، ووحدةَ الكرامةِ والمسؤوليّةِ، ينتقلُ إلى تقريرِ الحقيقةِ الكبرى التي تُوحِّدُ البشرَ جميعًا (وحدةُ المصيرِ أمامَ اللهِ يومَ القيامة)؛ فمهما اختلفتِ الأجناسُ والأوطانُ والثرواتُ والمكاناتُ، فإنّ الجميعَ أجمعين عائدونَ إلى اللهِ، واقفونَ بينَ يديهِ فرادى، مجرّدينَ من كلِّ مظاهرِ القوّةِ الدنيويّةِ. قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28).
تحملُ هذهِ العبارةُ القرآنيّةُ القصيرةُ المُعجزة من العمقِ الوجوديِّ ما يهزُّ قلبَ الإنسانِ ووعيَه؛ إذْ تُذكّرهُ بأنّ رحلةَ الحياةِ كلَّها تنتهي إلى الله، وأنّ الإنسانَ مهما امتلكَ من سلطانٍ أو مالٍ أو نفوذٍ فإنّهُ راجعٌ إلى خالقِه الذي يعلمُ السرَّ وأخفى. ويقولُ سبحانه وتعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) (الغاشية: 25-26)
إنّ في تقديمِ “إِلَيْنَا” “وعَلَيْنَا” دلالةً عظيمةً على انفرادِ اللهِ الكاملِ بالحسابِ والجزاءِ، بما ينفي عن البشرِ ادّعاءَ امتلاكِ مصائرِ الناسِ أو إصدارِ أحكامِ النجاةِ والهلاكِ عليهم. ولذلكَ فإنّ القرآنَ يُعيدُ الإنسانَ دائمًا إلى مبدأِ التواضعِ أمامَ اللهِ، لأنّ الحكمَ النهائيَّ ليسَ للبشرِ، وإنّما للهِ وحدَه. ويقولُ سبحانه: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم: 95).
من أعظمِ ما في هذهِ الآيةِ أنّها تُجرّدُ الإنسانَ يومَ القيامةِ من كلِّ ما كانَ يستندُ إليهِ في الدنيا من قوّةٍ، أو جماعةٍ، أو نسبٍ، أو عصبيّةٍ، أو سلطةٍ؛ فكلُّ إنسانٍ يأتي “فَرْدًا”، حاملًا عملَه وحدَه، ومسؤوليتَه وحدَه، ومصيرَه وحدَه.
تُسهمُ هذهِ الحقيقةُ القرآنيّةُ في بناءِ مجتمعٍ أكثرَ عدلًا ورحمةً وتواضعًا؛ لأنّ الإنسانَ إذا أُدركُ أنّهُ سيقفُ وحدَه أمامَ اللهِ، يتخفّفُ من الغرورِ، ومن نزعاتِ الاستعلاءِ والكراهيةِ، ويزدادُ حرصًا على العدلِ والبر والرحمة والإحسانِ واحترامِ الإنسانِ.
تمثّلُ هذهِ الرؤيةُ القرآنيّةُ في واقعِ المسلمينَ اليوم، ضرورةً لإنهاءِ ثقافةِ التكفيرِ والوصايةِ الدينيّةِ وإدانةِ الناسِ باسمِ الله، وإعادةِ بناءِ العلاقةِ بينَ البشرِ على أساسِ الاحترامِ والمسؤوليّةِ الفرديّةِ والعدلِ الإلهيِّ الشامل؛ فحينَما يعودُ المسلمونَ إلى هذا النُّورِ القرآنيِّ الأصيلِ، يتحوّلُ الإسلامُ إلى مشروعِ رحمةٍ وسلامٍ وتحريرٍ للإنسان، ويتحقّقُ مقصدُ “مشروعِ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان” كونَه مشروعًا يعيدُ للإنسانِ كرامتَه، وحرّيّتَه، وأمنَه الروحيَّ، والإنساني.
التَّنَوُّعُ الإِنساني آيَةٌ لِلتَّعارُفِ وَالعُمرانِ لا لِلصِّراعِ وَالاستِعلاءِ:
قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) (الروم: 22).
وقالَ الله جَلَّ جَلالُهُ: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: 165).
وقالَ سُبحانَهُ وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا) (فاطر: 39).
يُقدِّمُ القرآنُ التَّنوُّعَ الإنسانيَّ باعتبارِهِ آيةً مِن آياتِ اللهِ الكُبرى، لا باعتبارِهِ مُشكلةً ينبغي إلغاؤها أو صِراعًا ينبغي تأجيجُهُ.
فاختلافُ الألسنةِ والألوانِ والثقافاتِ والشعوبِ جزءٌ مِن الإبداعِ الإلهيِّ في تشكيلِ الحياةِ البشريّةِ، ولذلكَ ربطَ القرآنُ هذا التنوُّعَ بقولِهِ: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)، أي إنَّ الإنسانَ الواعيَ المُتدبِّرَ المُتفكِّر يرى في هذا الاختلافِ دلائلَ الحكمةِ والرَّحمةِ وسِعةِ الخَلقِ الإلهيِّ.
في هذا البناءِ القُرآنيِّ إشارةٌ دقيقةٌ إلى أنَّ التَّعارفَ بينَ البشرِ هو مشروعُ عمرانٍ إنساني شاملٍ، تتكاملُ فيهِ الخبراتُ والحضاراتُ والثقافاتُ، ليُسهمَ الجميعُ في بناءِ الحياةِ على أساسِ التعاونِ والعدلِ والرَّحمةِ.
ولهذا جَعَلَ اللهُ سبحانه وتعالى الإنسانَ خليفةً في الأرضِ، والخلافةُ هي تكليفٌ بالعمرانِ والإصلاحِ وحفظِ التوازنِ الإنساني، وليست تصريحًا وصكًا بالاستعلاءِ، أو الهيمنةِ، أو الاستعبادِ، أو احتقارِ الآخرين.
إذن نستنتجُ أنَّ الإنسانُ في التصوُّرِ القُرآنيِّ شريكٌ في مسؤوليّةِ إعمارِ الأرضِ، مهما اختلفَ لسانُهُ أو لونُهُ أو انتماؤهُ القوميُّ، لأنَّ الأرضَ للهِ، والناسَ جميعًا عبادُ اللهِ، والحياةَ لا تستقيمُ بالصِّراعِ الدائمِ والكراهيةِ والعُصبيّاتِ الَّتي مزَّقتِ المجتمعاتِ وأشعلتِ الحروبَ وأفسدتِ رسالةَ الدينِ في نفوسِ الناس.
ولا شك فإنَّ المسلمينَ اليومَ أمامَ مسؤوليّةٍ كبرى في إعادةِ تقديمِ الإسلامِ مشروعًا إنسانيًّا عالميًّا للتَّعارفِ والتَّعاونِ والسَّلامِ، لا مشروعَ عزلةٍ أو صدامٍ حضاريٍّ أو احتقارٍ للآخر.
وكلُّ خطابٍ يُحوِّلُ الاختلافَ الإنسانيَّ إلى مبرّرٍ للكراهيةِ والعنفِ يُصادمُ المقصدَ القُرآنيَّ العميقَ الَّذي أرادَ للتنوُّعِ أن يكونَ بابًا للتكامُلِ الإنسانيِّ، ووسيلةً لاكتشافِ الإنسانِ لأخيهِ الإنسانِ، وبناءِ عالمٍ أكثرَ عدلًا ورحمةً وسلامًا.
وَحدَةُ العُبودِيَّةِ للهِ.. التَّحريرُ الأَعظَمُ لِلإِنسانِ مِن كُلِّ أَشكالِ الاستِعبادِ:
قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21 ) وقالَ جَلَّ جَلالُهُ: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56). وقالَ سُبحانَهُ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40).
يَصلُ القرآنُ الكريمُ إلى أعظمِ حقيقةٍ تُوحِّدُ البشرَ جميعًا، وهو وَحدةُ العبوديّةِ للهِ وحدَهُ.
فالناسُ جميعًا خلقهم للهِ، ومردُّهم إليهِ، وخاضعونَ لِسُلطانِهِ، ومحتاجونَ إلى رحمتِهِ وهدايتِهِ وعدلِهِ، مهما اختلفت مواقعُهم، أو أسماؤهم، أو أوطانُهم، أو مستوياتُهم الاجتماعيّةُ.
ولهذا فإنَّ العبوديّةَ للهِ في القرآنِ هي مشروعُ تحريرٍ شاملٍ للإنسانِ مِن الخضوعِ للبشرِ، ومِن عبادةِ السُّلطةِ، ومِن تقديسِ الكهنةِ، ومِن الاستسلامِ للطغيانِ الفكريِّ والاجتماعيِّ، وليست طقوسًا جامدةً أو شعائرَ معزولةً عن الحياةِ.
عندما يَعلمُ الإنسانُ أنَّ الحكمَ للهِ وحدَهُ، تتحرَّرُ روحُهُ مِن الخوفِ مِن البشرِ، ويتحرَّرُ عقلُهُ مِن التبعيّةِ العمياءِ، ويصبحُ ميزانُهُ هو الحقُّ والعدلُ والرَّحمةُ الَّتي أنزلَها اللهُ في كتابِهِ الكريمِ.
في هذا المعنى سرٌّ عظيمٌ مِن أسرارِ “مشروعِ الرَّحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”، لأنَّ الإنسانَ لا يَبلغُ الطمأنينةَ الحقيقيّةَ إلّا إذا تحرَّرُ مِن عبوديّةِ البشرِ إلى عبوديّةِ اللهِ، ولا يَعرفُ السَّلامَ الداخليَّ إلّا حينَما يَستقرُّ يقينُهُ بأنَّ الخالقَ واحدٌ، والمصدرَ واحدٌ، والميزانَ واحدٌ، وأنَّ الناسَ جميعًا متساوونَ أمامَ اللهِ لا يملكُ أحدٌ منهم حقَّ التألّهِ على الآخرينَ أو احتكارِ الحقيقةِ أو الوصايةِ على ضمائرِ البشرِ.
يَتحوَّلُ الإيمانُ إذنْ في المنهجِ القُرآنيِّ إلى قوّةِ تحريرٍ وإنقاذٍ وبناءٍ إنساني، تُعيدُ الإنسانَ إلى فطرتِهِ النقيّةِ، وتُقيمُ المجتمعَ على العدلِ والرَّحمةِ والتواضعِ والتكاملِ الإنساني، ليعيشَ البشرُ جميعًا في ظلِّ وَحدةِ الخَلقِ ووَحدةِ الرُّبوبِيّةِ ووَحدةِ الكرامةِ الَّتي أرادَها اللهُ للعالَمينَ.