على محمد الشرفاء الحمادي يكتب.. السلام في القرآن والسلم في لحظات الصراع

الســـلام هـــــــو اســم من أسماء الله الحسنى، فالسلام مشتق من اسمه -سبحانه وتعالى- ويريد الله للناس جميعاً السلمَ، والطمأنينةَ والأمنَ، ولذلك وضع الله -سبحانه- تشريعاً في القرآن الكريم بدعوته للناس أن يختاروا طريق السلام، لما يحقق لهم الاستقرار في مجتمعاتِهم الإنسانية، فاللهُ -سبحانه- يأمر المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208)،

وقال اللهُ -سبحانه- مخاطباً رسولهَ عليه السّلام: (وَإِن جَنَحوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَها وَتَوَكَّل عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ العَليمُ) (الأنَفال: 61)، وحتى أثناءَ الحروبِ واشتداد حدّتها، إذا طلبَ الطّرفُ المعتدي عند الهزيمةِ وجنحوا للسلامِ فاقبلوا مِنه السّلامَ، لوقف الحرب لتقليل الخسارة في الأنفس، ووقفِ سَفك الدماءِ ووضْع الأسُس والشروط العادلة، لتحقيقِ الأمنِ والاستقرارِ بينَ الأَطراف المتقاتلةِ، والمصالحَة في ظلّ السَلام ومن رحمةِ الله للناسِ وحثّهم على الإحسان حتّى مع المختلفيِن مع المسلمين في الدين، قوله -سبحانه- مخاطباً رسوله الكريم: (وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكينَ استَجارَكَ فَأَجِرهُ حَتّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبلِغهُ مَأمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لا يَعلَمونَ) (التوبة: 6).

فهلْ بعدَ ذلكَ رحمةٌ ورأفةٌ بالإنسان من هذا التشريعِ العظيمِ، وقِيَمهِ النبيلةِ لاحترامِ حقّ الإنسانِ في الحياة؟

وقوله -سبحانه: – (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) (النساء: 86).

فالسلامُ اسمٌ من أسماء الله الحُسنى، يدعو الناس جميعاً لنشر السّلام في كل المجتمعات الإنسانية؛ ليكونَ أساسَ الأمن وأساسَ الاستقرار للناس أجمعين، يتحقّقُ به التعاون بين الناس، ويساعدُ على التقدم، والتطوّر، والنهوض بالحياة الكريمة لأفراد المجتمع، واللهُ -سبحانه- يأمر الناس بالتعامل بالحسنى لتتآلفَ القلوبُ وتنشرحَ الصدورُ وتنتشرَ المحبّة بين الناس لتتحقّق السعادة لهم، واللهُ يأمرُ رسولَه -عليه السلام- بقوله: (وَقُل لِعِبادي يَقولُوا الَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بَينَهُم إِنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلإِنسانِ عَدُوّاً مُبيناً) (الإسراء: 53).

يدعو الله الناس أن يتعاملوا بالكلمةِ الطيبةِ؛ ليتقاربوا ويحذرهم من الكلمة السيّئة، لأنّ الشيطانَ يستغلّها لخلق العداوة بين الناس، ولذلك قالَ اللهُ -سبحانه وتعالى: – (يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونا بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النمل: 46).

فاللهُ يأمر الناسَ أن يقدّموا الحسنةَ قبل السيّئة لتساعد في بناءِ المجتمعات المسالمةِ المتعاونةِ.

السَّلامُ في القرآنِ.. مِيثاقُ اللهِ لِسَعادةِ الإنسانِ وأمْنِ العالَم:

قالَ اللهُ سُبحانَهُ وتَعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر: 23).

جعلَ اللهُ -سبحانه- السَّلامَ اسمًا مِن أسمائِه الحُسنى، لتكونَ هذه الدلالةُ القرآنيةُ العظيمةُ إعلانًا ربّانيًّا بأنَّ السَّلامَ أصلٌ من أصولِ الوجود، وأنَّ الطمأنينةَ والأمنَ والاستقرارَ مقاصدُ إلهيّةٌ كبرى في حياة الإنسان؛ فحينما تتعرَّف حياةُ البشر على اسمُ اللهِ “السَّلام” تتحوّلُ الأرضُ إلى فضاءِ رحمةٍ وعدلٍ وتعاونٍ، وتنطفئُ نيرانُ الحقدِ والاقتتالِ والطغيان، ويشعرُ الإنسانُ أنّه يعيشُ في ظلِّ مشروعٍ ربّانيٍّ يرعى كرامتَه، ويحفظُ حياتَه، ويصونُ حقوقَه، ويهديه إلى السعادةِ في الدنيا والآخرة.

عندما نتدبّرُ البناءَ القرآنيَّ نجدُ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى جعلَ السَّلامَ منهجًا للحياة، وطريقاً للعمران، وأساسًا للعلاقاتِ الإنسانيةِ، ولم يجعلْه حالةً عابرةً بين الحروب، ولم يجعلْه سلامًا جزئيًا أو مرحليًا، ولذلك خاطبَ المؤمنينَ بقولهِ سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208).

فالآيةُ الكريمةُ تدعو إلى الدُّخولِ في السِّلمِ “كافّةً”، أي دخولاً شاملاً في الفكرِ والسلوكِ والعلاقاتِ والتشريعِ والسياسةِ والاجتماعِ والاقتصادِ والخطابِ الدينيّ، وكأنَّ القرآنَ يربطُ بين السَّلامِ وبين التحرّرِ من خطواتِ الشيطان، لأنَّ الشيطانَ يقتاتُ على الفتنِ والكراهيةِ والعنفِ وسفكِ الدماءِ وتمزيقِ المجتمعات.

من أعظمِ المقاصدِ التي يكشفها هذا البناءُ القرآنيُّ أنّ السَّلامَ في القرآنِ هو خيارُ القوّةِ الأخلاقيّةِ والحكمةِ الربّانيةِ التي تحفظُ حياةَ الناس، وتمنعُ تحوّلَ الأرضِ إلى ساحاتٍ للفوضى والانتقامِ والدماءِ، وليس موقفَ ضعفٍ أو استسلامٍ، ولهذا أمرَ اللهُ رسولَه -عليه السّلام- أن يقبلَ السِّلمَ متى مالَ إليهِ الطرفُ الآخر، فقالَ سبحانه: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال: 61).

هذه الآيةُ من أعظمِ الآياتِ التي تُسقطُ دعاوى الحروبِ الدائمةِ والصراعاتِ المفتوحةِ باسمِ الإسلام؛ لأنَّ اللهَ جعلَ الأصلَ هو إيقافَ الحربِ متى توفّرَ طريقُ السَّلامِ العادلِ الذي يحفظُ الدماءَ ويحقّقُ الأمنَ للناس، وفي ذلك دلالةٌ عميقةٌ على أنَّ القرآنَ ينظرُ إلى الإنسانِ باعتبارِه قيمةً عظيمةً تستحقُّ الحماية، وأنَّ حقنَ الدماءِ مقصدٌ مقدَّمٌ في التشريعِ القرآني.

إذن تقفُ أمامنا عظمةُ “مشروعِ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”؛ لأنَّ السلامَ يُبنى على الرحمةِ والعدلِ وصيانةِ الكرامةِ الإنسانية، وقد جعلَ اللهَ تحيّةَ المسلمينَ نفسها قائمةً على السَّلام، فقالَ سبحانه: (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: 68).

إذنْ السلامُ وفق المنهج القرآني هو ثقافةٌ نفسيّةٌ واجتماعيّةٌ متكاملة، تبدأُ بالكلمةِ الطيّبةِ، وتمتدُّ إلى السلوكِ والعلاقاتِ والمعاملاتِ والحقوقِ، ولذلك أمرَ اللهُ عبادَه أن يختاروا أحسنَ الكلام، لأنَّ الكلمةَ السيّئةَ قد تُشعلُ نارَ الفتنةِ بين الناس، فقالَ سبحانه: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء: 53).

فالقرآنُ يربطُ بينَ سلامِ المجتمعاتِ وبين تهذيبِ الخطابِ الإنسانيِّ، لأنَّ الحروبَ الكبرى كثيرًا ما تبدأُ بكلمةِ تحريضٍ أو خطابِ كراهيةٍ أو صناعةِ عداواتٍ وهميّةٍ بين الشعوبِ والطوائفِ والأمم.

ولهذا جاءَ القرآنُ داعيًا إلى تقديمِ الحسنةِ على السيّئةِ، وإلى بناءِ العلاقاتِ على العفوِ والإصلاحِ والتسامح، قالَ اللهُ سبحانه: (يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونا بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النمل: 46).

عندما نتدبَّرُ مقاصدَ السَّلامِ في القرآنِ الكريم نجِدُ أنَّ اللهَ أرادَ للنَّاسِ أن يتحرّروا من ثقافةِ الثأرِ والكراهيةِ والاستعلاءِ الدينيِّ والسياسيِّ، وأن يبنوا حضارتَهم على التعاونِ والتعارفِ والرحمةِ والعدلِ، فكلُّ مجتمعٍ تسقطُ منه قيمةُ السَّلامِ يتحوّلُ إلى بيئةٍ للخرابِ والخوفِ والانهيارِ النفسيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، بينما يتحوّلُ المجتمعُ الذي يحتكمُ إلى السَّلامِ القرآنيِّ إلى فضاءِ أمنٍ، وإبداعٍ، ونهضةٍ، وإنسانية.

المسلمينَ اليومَ أمامَ مسؤوليّةٍ تاريخيّةٍ كبرى لإعادةِ اكتشافِ مفهومِ السَّلامِ في القرآن، بعيدًا عن ثقافاتِ العنفِ والكراهيةِ والصدامِ التي شوّهت صورةَ الرسالةِ الإلهيّةِ في عيونِ العالم؛ فإذا التزمَ المسلمونَ بمنهاجِ القرآنِ في السِّلمِ والرحمةِ والعدلِ واحترامِ الإنسانِ وحقِّه في الحياةِ والاختلافِ، فإنّهم يقدّمون للبشريةِ أعظمَ شهادةٍ على عظمةِ الإسلامِ ورسالتهِ الرحيمة كما أنزلها الله.

هكذا إذنْ يقفُ السَّلامُ ركناً أصيلاً في “مشروعِ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”، لأنَّ الإنسانَ يزدهرُ وتزدهرُ الحضاراتُ حينما يسودُ السَّلامُ، وتُصانُ الكرامةُ، ويأمنُ الناسُ على أرواحِهم وأوطانِهم ومستقبلِ أبنائِهم، وهو لا يستطيعُ أن يحقّقَ سعادتَه في عالمٍ تحكمُه الحروبُ والكراهيةُ والخوف.

وقد ختمَ اللهُ رحلة المؤمنينَ في الآخرةِ بالسَّلامِ أيضًا، فقالَ سبحانه وتعالى:(سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (يس: 58).

فكانَ السَّلامُ إذنْ بدايةَ المنهجِ ونهايتَه، ورسالةَ اللهِ إلى خلقِه، وطريقَ الإنسانِ إلى الطمأنينةِ والسعادةِ في الدنيا والآخرة.

السَّلامُ اسْمُ اللهِ وغايَةُ الرِّسالاتِ ومصيرُ الإنسانِ:

قالَ اللهُ سُبحانَهُ وتَعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر: 23).

في هذه الآيةِ العظيمةِ نقرأ هذه الحِكمة بالغة العمق؛ فاللهُ -سبحانه- حينَما سمّى نفسَه “السَّلام” أرادَ أن يكشفَ للإنسانِ أنّ السَّلامَ قيمةٌ إلهيّةٌ كبرى تنبثقُ من صفاتِ اللهِ نفسِها، وتنعكسُ في التشريعِ والحياةِ والعلاقاتِ الإنسانيةِ؛ فكما أنّ اللهَ رحيمٌ وعادلٌ ولطيفٌ بعبادِه، فقد شاءَ لهم أن يعيشوا في ظلِّ السَّلامِ والأمنِ والطمأنينةِ، وأن يبتعدوا عن مساراتِ الفوضى والاقتتالِ والكراهيةِ التي تُفسدُ حياةَ الإنسانِ وتُحوّلُ الأرضَ إلى ساحةِ خوفٍ وحزنٍ ودمار.

ولهذا جعلِ القرآنُ الغايةَ النهائيةَ للمؤمنينَ “دارَ السَّلام”، ولم يجعلها دارَ حربٍ أو صراعٍ دائم، قالَ اللهُ سبحانه: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (يونس: 25).

يحملُ هذا التعبيرَ القرآنيَّ المُعجِز دلالةً مُدهشةً؛ فاللهُ “يدعو” إلى دارِ السَّلام، أي أنّ السَّلامَ دعوةٌ ربّانيةٌ مفتوحةٌ للبشر جميعًا، يدخلُ فيها الإنسانُ إذا سلكُ طريقَ العدلِ والرحمةِ والإحسانِ واحترامِ كرامةِ الناسِ وحقوقِهم، ولذلك ارتبطَ “الصراطُ المستقيمُ” في الآيةِ نفسها بالسَّلام، لأنَّ المنهجَ الذي يقودُ إلى اللهِ هو المنهجُ الذي يحفظُ الإنسانَ من الظلمِ والعدوانِ والكراهيةِ وسفكِ الدماءِ.

ثمّ يبيّنُ اللهُ -سبحانه- أنّ السَّلامَ هو الجزاءُ الأخرويُّ لمن التزموا بمنهاجِ اللهِ، فقالَ جلَّ شأنُه: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 127).

في هذه الآيةِ العظيمة ربطَ اللهَ “دارَ السَّلام” بالأعمال، لأنَّ الإنسانَ الذي يزرعُ السَّلامَ في الأرضِ ويصونُ الدماءَ ويحفظُ الحقوقَ ويُشيعُ الرحمةَ بين الناس، إنّما يتهيّأُ روحيًا وأخلاقيًا للدخولِ في رحمةِ اللهِ وسلامِه الأبديّ.

ولهذا جاءَ الأمرُ الإلهيُّ الحاسمُ للمؤمنينَ أن يجعلوا السِّلمَ منهجًا عامًا شاملاً، فقالَ سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208).

تكشفُ الآيةُ الكريمةُ عن حقيقةٍ محوريّةٍ في المنهاجِ القرآني، وهي أنّ السِّلمَ هو الدّخولُ الكلّيُّ في منظومةِ اللهِ الأخلاقيةِ والحضاريةِ والإنسانيةِ، ولذلك جاءَ لفظُ “كافّةً” ليؤكّدَ شمولَ السِّلمِ للفكرِ والسلوكِ والعلاقاتِ والخطابِ والإدارةِ والسياسةِ وشؤونِ المجتمعِ كلّها.

قرنَ اللهَ سبحانه وتعالى في الآيةِ بينَ السِّلمِ وبينَ عدمِ إتّباعِ خطواتِ الشيطان، لأنَّ الشيطانَ يبدأُ بإثارةِ العصبيّاتِ والأحقادِ وصناعةِ الكراهيةِ في النفوس، ثمّ يدفعُ المجتمعاتِ شيئًا فشيئًا نحوَ الفتنةِ والصدامِ والاقتتالِ، وكأنّ القرآنَ ينبّهُ الإنسانَ إلى أنّ الحربَ الكبرى تبدأُ غالبًا بكلمةِ تحريضٍ أو فكرةِ استعلاءٍ أو خطابِ إقصاء.

ثمّ يضعُ القرآنُ قاعدةً إنسانيةً عظيمةً في إدارةِ الخلافاتِ والعلاقاتِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ، حينما يقولُ اللهُ سبحانه: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128).

جاءتِ الآيةُ بصيغةٍ مطلقةٍ موجزةٍ تحملُ من العمقِ ما يجعلُها قاعدةً حضاريّةً ممتدّةً في كلِّ شؤونِ الحياة؛ فالصلحُ خيرٌ في الأسرةِ، وخيرٌ بين الأفرادِ، وخيرٌ بين الجماعاتِ، وخيرٌ بين الدولِ والشعوبِ، لأنَّ الصُّلحَ يحفظُ الأرواحَ ويُطفئُ نيرانَ العداوةِ ويفتحُ أبوابَ التعاونِ والعمرانِ والتعايش.

إذنْ تتَّضِحُ عظمةُ “مشروعِ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”، لأنَّ القرآنَ يبني سعادةَ الإنسانِ على الأمنِ النفسيِّ والاجتماعيِّ والإنسانيِّ، فالإنسانُ لا يستطيعُ أن يبدعَ أو ينهضَ أو يطمئنَّ أو يعمرَ الأرضَ في بيئةٍ يسودُها الخوفُ والعنفُ والكراهيةُ والاقتتال، ولذلك كانَ السَّلامُ في القرآنِ شرطاً لازمًا للعمرانِ والحضارةِ والتقدّمِ واستقرارِ المجتمعات.

المسلمونَ اليومَ أحوجُ ما يكونونَ إلى إعادةِ اكتشافِ هذا الأصلِ القرآنيِّ العظيم، ليقدّموا للعالمِ صورةَ الإسلامِ كما أرادها اللهُ (رسالةَ سلامٍ ورحمةٍ وعدلٍ وتعاونٍ إنسانيّ، لا مشروعَ صدامٍ دائمٍ أو نزاعٍ مفتوحٍ مع البشر)، فكلّما اقتربَ المسلمونَ من روحِ القرآنِ ازدادوا اقترابًا من السَّلام، وكلّما ابتعدوا عن هدايتِه اتّسعت دوائرُ الفتنِ، والاقتتالِ، والتطرّفِ، والكراهية.

هكذا يظهرُ السَّلامُ في القرآنِ باعتبارِه جوهرَ الرسالةِ الإلهيةِ، وروحَ التشريعِ، وغايةَ الأخلاقِ، وطريقَ الإنسانِ إلى السعادةِ في الدنيا والآخرة.

السِّلْمُ خِيَارُ القُرآن حَتّى في لَحَظاتِ الصِّراع:

جاءَ التَّشريعُ القُرآنيُّ ليضَعَ السِّلمَ في مَوقعِ الأصلِ الحاكمِ للعلاقاتِ بينَ الناسِ، حتّى في أوقاتِ الحروبِ والصِّداماتِ، لأنَّ الغايةَ التي يريدُها اللهُ للبشرِ هي حفظُ الحياةِ، ووقفُ نزيفِ الدِّماءِ، وفتحُ أبوابِ الأمانِ والاستقرارِ أمامَ الإنسانِ ليعيشَ في ظلالِ الطمأنينةِ والرَّحمةِ، ولذلك قالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال: 61).

تحملُ هذه الآيةُ دلالةً عظيمةً في بناءِ المنهجِ القُرآني، إذ تجعلُ الاستجابةَ للسِّلمِ واجبًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا متى توجَّهَ الطرفُ الآخرُ إلى إيقافِ الحربِ، لأنَّ القُرآنَ ينظرُ إلى الإنسانِ كقيمةً كبرى، وإلى الحياةِ كنعمةً إلهيّةً يجبُ صونُها، ولذلك جعلَ القتالَ حالةً اضطراريّةً مُرتبطةً بدفعِ العدوانِ وحمايةِ الحقوقِ، فإذا توقّفَ العدوانُ عادَ الأصلُ القُرآنيُّ الحاكمُ وهو السِّلم.

يُؤكِّدُ اللهُ سبحانه هذا المعنى بقولهِ: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (النساء: 90).

في هذا البناءِ التشريعيِّ المُعجزِ إشارةٌ دقيقةٌ إلى أنَّ مجرّدَ إلقاءِ السَّلَمِ ووقفِ القتالِ يُسقِطُ مبرّرَ الحربِ، لأنَّ القتالَ في القرآنِ مرتبطٌ بحمايةِ الإنسانِ من الظُّلمِ والعدوانِ وليسَ مشروعًا مفتوحًا للهيمنةِ أو الانتقامِ أو إخضاعِ الناسِ، ولذلك جاءَ التعبيرُ القُرآنيُّ: (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)، أي لا طريقَ إلى الاعتداءِ عليهم، ولا مشروعيّةَ لاستمرارِ سفكِ الدماءِ بعدَ توقُّفِ العدوان.

ثمّ تتّسعُ دائرةُ السِّلمِ في القرآنِ لتشملَ غيرَ المسلمينَ ممَّن يعيشونَ في سلامٍ مع الناس، فيقولُ اللهُ تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8).

تتكشف أمامنا عظمةُ المنهجِ القُرآنيِّ في تأسيسِ العلاقاتِ الإنسانيّةِ على البرِّ والقسطِ والتعاونِ والعدلِ، لا على الكراهيةِ والصِّدامِ الدائمِ؛ فالبرُّ في الآيةِ جاءَ بصيغةٍ واسعةٍ تشملُ الإحسانَ والرِّفقَ والمعاملةَ الكريمةَ، وجاءَ القِسطُ ليؤكّدَ أنَّ العدالةَ حقٌّ لكلِّ إنسانٍ مهما اختلفَ دينُه أو قوميّتُه أو ثقافتُه.

لذا يحتاجُ المسلمونَ اليومَ إلى إعادةِ بناءِ وعيِهم بقضيّةِ السِّلمِ وفقَ المنهجِ القُرآني؛ ليُدركوا أنَّ رسالةَ الإسلامِ جاءت لوقفِ دوائرِ الكراهيةِ والاقتتالِ، ولتحويلِ الإنسانِ إلى عنصرِ بناءٍ وعمرانٍ ورحمةٍ في الأرضِ، فإذا التزمَ المسلمونَ بهذا الأصلِ القُرآنيِّ العظيمِ، فإنّهم يُسهمونَ في إعادةِ الصورةِ الحضاريّةِ المُشرقةِ للإسلامِ، ويُشاركونَ في تحقيقِ “مشروعِ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان”؛ لأنَّ السِّلمَ يفتحُ أبوابَ العلمِ، والعملِ، والازدهارِ، والتعاونِ، والأمنِ النفسيِّ والاجتماعيِّ بينَ الشعوبِ والأممِ.

حِمايةُ حَقِّ الإنسانِ في الحَياةِ والأَمانِ مِن مَقاصِدِ القُرآنِ العُظمى:

جعلَ اللهُ -سُبحانَهُ وَتَعالى- حمايةَ الإنسانِ مقصدًا أصيلًا من مقاصدِ الشريعةِ القُرآنيّةِ، ولذلك جاءتِ الآياتُ تؤسِّسُ لحقِّ الإنسانِ في الأمانِ والحياةِ حتى في أحلكِ ظروفِ الصِّراعِ والحربِ، قالَ اللهُ سبحانه وتعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ إسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 6).

تحملُ هذه الآيةُ من المعاني الحضاريّةِ والإنسانيّةِ ما يكشفُ عن سُمُوِّ الرؤيةِ القُرآنيّةِ للإنسانِ، إذ يأمرُ اللهُ رسولَهُ أن يمنحَ الأمانَ لمن يطلبُهُ، وأن يضمنَ له الوصولَ إلى مكانِ أمنِه وسلامتِه، وهذهِ دلالةٌ عميقةٌ على أنَّ القرآنَ يفتحُ للإنسان المُختَلِف أبوابَ الحمايةِ والرِّعايةِ والحوارِ الآمنِ، ولا يُشرِّعُ الانتقامَ من الإنسانِ بسببِ اختلافِه في العقيدةِ.

إذن يبلغُ التشريعُ القرآنيُّ ذروةَ الرّحمةِ الإنسانيّةِ حتّى في أوقاتِ الحربِ، حينما يأمرُ اللهُ بحمايةِ المستجيرِ وتأمينِه وإيصالِه إلى مأمنِه، مهما كان اختلافُه العقدي.

فهذا هُو قمّةُ السموِّ الأخلاقيِّ في التشريعِ القرآني؛ إذ يتحوّلُ العدوُّ في لحظةِ الاستجارةِ إلى إنسانٍ له حقُّ الأمَانِ والرعايةِ والحمايةِ الكاملةِ، ثمّ يأمرُ بإبلاغِه مأمنَه، ليعودَ آمناً مطمئنّاً؛ أي لا يكتفي القرآنُ بتأمينِه داخلَ أرضِ المسلمين.

التعبيرُ القُرآنيُّ: (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) يحملُ معنى بالغَ الرِّقّةِ والرَّحمةِ واللُّطف، لأنَّه يوجبُ تأمينَ طريقِه حتّى يبلغَ موضعَ أمنِه الكاملِ ولا يكتفي بمنحِه هدنةً مؤقّتةً، وفي ذلك تأسيسٌ لواحدٍ من أعظمِ المبادئِ الإنسانيّةِ في التاريخِ، وهو حقُّ الإنسانِ في الحمايةِ والأمانِ مهما كانَ انتماؤُه.

ثمّ يُؤكِّدُ القرآنُ قداسةَ الحياةِ الإنسانيّةِ بقولهِ سُبحانَه وتعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32).

وفي هذه الآيةِ بناءٌ قيميٌّ مُذهلٌ يجعلُ الاعتداءَ على نفسٍ واحدةٍ جريمةً بحقِّ الإنسانيّةِ كلِّها، لأنَّ الحياةَ عندَ اللهِ مقدَّسةٌ، والإنسانُ مكرَّمٌ بخلقِ اللهِ له. ولذلك فإنَّ كلَّ دعواتِ القتلِ والكراهيةِ والتفجيرِ واستباحةِ الدماءِ باسمِ الدينِ تُناقضُ جوهرَ القرآنِ ومقاصدَه الكبرى.

يحتاج الناس إلى استحضار هذا الوعيِ القُرآنيِّ العظيمِ، ليكونوا دعاةَ أمانٍ وسلامٍ وحمايةٍ للإنسانِ، وليقدِّموا للعالمِ نموذجًا حضاريًّا يُجسِّدُ أخلاقَ القرآنِ في الرحمةِ والعدلِ وصيانةِ الحياةِ، وبهذا يتحقّقُ المعنى العميقُ “لمشروعِ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان”، لأنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يبنيَ حضارةً أو يحقّقَ سعادةً أو ينهضَ بعلمٍ وعمرانٍ في ظلِّ الخوفِ والاقتتالِ، بينما يفتحُ السِّلمُ والأمانُ أبوابَ الحياةِ الكريمةِ التي أرادها اللهُ لعبادِه أجمعين.

السَّلامُ في التَّحيَّةِ والتَّعامُلِ الاجتِماعيِّ مَنهَجُ حَياةٍ وبِناءُ مُجتَمَع:

جعلَ اللهُ -سُبحانَهُ وَتَعالى- السَّلامَ ثقافةً يوميّةً يعيشُها الإنسانُ في كلماتِه، وعلاقاتِه، وتفاصيلِ حياتِه، ليكونَ المجتمعُ قائمًا على الطمأنينةِ والمودَّةِ والرِّفقِ وتبادلِ الاحترامِ بينَ الناس، ولذلك كانت التحيّة في المنهج القرآني رسالةٌ أخلاقيّةٌ ونفسيّةٌ واجتماعيّةٌ تُشيعُ الأمانَ في القلوبِ، وتفتحُ أبوابَ المحبّةِ والتآلفِ بينَ البشر، ولم تكنِ مجرّدَ ألفاظٍ تُقال.

قالَ اللهُ سبحانه وتعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: 86).

تحملُ الآيةُ دلالةً عميقةً على أنَّ الإسلامَ يريدُ من الإنسانِ أن يكونَ مبادرًا إلى زيادةِ الخيرِ والجمالِ في العلاقاتِ الإنسانيّةِ، ولذلك دعا إلى ردِّ التحيّةِ بما هو أحسنُ منها، لأنَّ الكلمةَ الطيّبةَ تُزيلُ الجفاءَ، وتُطفئُ نارَ الخصومةِ، وتمنحُ الإنسانَ شعورًا بالقيمةِ والاحترامِ والاحتواءِ النفسيِّ.

نلاحظُ في البناءِ القُرآنيِّ أنَّ الجنّةَ نفسَها تُستقبَلُ بالسَّلامِ، قالَ اللهُ سُبحانَه: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (الزمر: 73).

فالسَّلامُ هو الكلمةُ التي يستقبلُ اللهُ بها عبادَه الصالحينَ في دارِ الخلودِ، وكأنَّ القرآنَ يريدُ للإنسانِ أن يتدرّبَ في الدنيا على أخلاقِ الجنّةِ؛ ليعيشَ بها ومعها ومن أجلِها، ولذلك وصفَ اللهُ عبادَ الرحمنِ بقولهِ تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63).

هذا إذنْ قمّةُ الرُّقيِّ الأخلاقيِّ في المنهجِ القُرآنيِّ، إذ يربّي الإنسانَ على الترفّعِ عن الخصوماتِ العبثيّةِ، وعلى إطفاءِ الفتنِ بالكلمةِ الهادئةِ، وعلى مواجهةِ الجهلِ بالحِلمِ والسَّكينة؛ فالإنسانُ القرآنيُّ يحملُ روحَ السَّلامِ التي تُصلحُ القلوبَ وتبني الجسورَ بينَ الناس، ولا يحملُ روحَ الاستفزازِ والعدوان.

في واقعِ المسلمينَ اليومَ تبدو الحاجةُ ماسّةً إلى إحياءِ هذا المعنى القُرآنيِّ العميقِ، بعدما تحوّلتِ اللغةُ في كثيرٍ من المجتمعاتِ إلى ساحاتِ تجريحٍ وكراهيةٍ وعنفٍ لفظيٍّ يُمزِّقُ الروابطَ الإنسانيّةَ ويُفسدُ النفوسَ والعلاقات.

يُعدُّ نشرَ ثقافةِ السَّلامِ في البيوتِ، والمدارسِ، والإعلامِ، ومواقعِ التواصلِ، والمؤسّساتِ الدينيّةِ، جزءًا أصيلًا من “مشروعِ القرآنِ لإسعادِ الإنسانِ”؛ لأنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يعيشَ سعيدًا في بيئةٍ تمتلئُ بالقسوةِ، والعدائيّةِ، والتنمّرِ والإهانةِ والاستعلاء على الناس.

الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ أَساسُ السِّلمِ المُجتَمَعيِّ وبِناءُ الوِئامِ الإنسانيِّ:

يُؤسِّسُ القرآنُ الكريمُ لقاعدةٍ حضاريّةٍ بالغةِ العمقِ، وهي أنَّ الكلمةَ طاقةٌ تبني أو تهدمُ، وتُصلحُ أو تُفسدُ، وتزرعُ السَّكينةَ أو توقظُ العداوةَ، فهي ليستْ مجرّدَ صوتٍ عابرٍ، ولذلك أمرَ اللهُ عبادَه أن ينتقوا كلماتِهم بعنايةٍ؛ لأنَّ سلامةَ المجتمعِ تبدأُ من سلامةِ الخطابِ.

قالَ اللهُ -سُبحانَهُ وَتَعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء: 53).

تكشفُ هذه الآيةُ الكريمة عن حقيقةٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ دقيقةٍ، وهي أنَّ كثيرًا من الصِّراعاتِ تبدأُ من كلمةٍ جارحةٍ أو خطابٍ مستفزٍّ أو تعبيرٍ قاسٍ يفتحُ للشيطانِ أبوابَ النزاعِ والكراهيةِ بينَ الناس، ولذلك جاءَ الأمرُ القُرآنيُّ: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، أي الكلمةَ التي تحملُ أعلى درجاتِ اللُّطفِ، والحكمةِ، والرِّفقِ والإصلاحِ.

ثمّ يُوسِّعُ القرآنُ هذا المعنى ليشملَ الناسَ جميعًا، فيقولُ اللهُ تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: 83).

لم تخصِّصِ الآيةُ جماعةً دونَ أخرى، لأنَّ المنهجَ القُرآنيَّ يريدُ أن تتحوّلَ الأخلاقُ الراقيةُ إلى سلوكٍ إنسانيٍّ شاملٍ في التعاملِ مع الجميعِ، بما يُحقِّقُ التراحمَ والتعاونَ والتعايشَ داخلَ المجتمعِ الإنسانيِّ الكبير.

يبلغُ البناءُ الأخلاقيُّ ذروتَه في قولِ اللهِ سُبحانَه: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: 34).

تُقدِّمُ هذه الآيةَ منهجًا عمليًّا لتحويلِ العداوةِ إلى مودةٍ، والتوتّرِ إلى مصالحةٍ، والكراهيةِ إلى تقاربٍ إنسانيٍّ، فالدفعُ بالحُسنى قوّةٌ أخلاقيّةٌ وروحيّةٌ تُعيدُ تشكيلَ النفوسِ والعلاقاتِ على أساسِ الحكمةِ والرحمةِ، وهو ليسَ ضعفًا كما يوهَّمُ البعض.

المسلمونَ اليومَ مدعوّونَ إلى إعادةِ بناءِ خطابِهم الدينيِّ والاجتماعيِّ والإعلاميِّ وفقَ هذا المنهجِ القُرآنيِّ الرَّاقي، بحيثُ تتحوّلُ الكلمةُ إلى أداةِ إصلاحٍ وبناءٍ وسلامٍ، لا إلى وسيلةِ تحريضٍ وتكفيرٍ وكراهيةٍ وتمزيقٍ للمجتمعاتِ، وعندما ينتشرُ الخطابُ الرحيمُ والكلمةُ الطيّبةُ، تتحقّقُ للإنسانِ الطمأنينةُ النفسيّةُ والسَّكينةُ الاجتماعيّةُ، ويتقدّمُ “مشروعُ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان” خطوةً جديدةً نحوَ بناءِ عالمٍ أكثرَ رحمةً وسلامًا وإنسانيّةً.

تَقدِيمُ الحَسَنَةِ ونَبذُ العُدوانِ مِنهَجٌ قُرآنيٌّ لِبِناءِ السَّلام:

يُربّي القرآنُ الإنسانَ على صناعةِ الخيرِ، والمبادرةِ إلى الإحسانِ، وإطفاءِ دوائرِ الشرِّ قبلَ اتّساعِها، لأنَّ المجتمعاتِ تستقرُّ حينَما تصبحُ الحَسنةُ ثقافةً عامّةً في القولِ والسلوكِ والعلاقاتِ الإنسانيّةِ، ولذلك وجَّهَ اللهُ الناسَ إلى مراجعةِ نزعتِهم نحوَ التسرّعِ في الخصومةِ والعدوانِ، فقالَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى: (لِمَ تَسْتَعْجِلُونا بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النمل: 46).

تكشفُ الآيةُ عن مرضٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ خطيرٍ يُفسدُ حياةَ الناسِ، وهو الميلُ إلى استدعاءِ الصِّدامِ والانتقامِ والخصومةِ قبلَ البحثِ عن طريقِ الإصلاحِ والخيرِ والرَّحمةِ، ولذلك يربطُ القرآنُ بينَ الاستغفارِ والرَّحمةِ، لأنَّ القلبَ حينَما يتطهّرُ من الغضبِ والكِبرِ والحقدِ يصبحُ أكثرَ قدرةً على صناعةِ السَّلامِ والإحسانِ.

ثمّ يضعُ القرآنُ قاعدةً أخلاقيّةً عظيمةً في مواجهةِ الشرِّ والعدوانِ، فيقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) (المؤمنون: 96).

في الآيةِ بناءٌ روحيٌّ وحضاريٌّ بالغُ العمقِ، لأنَّها تُعلِّمُ الإنسانَ كيف يُواجهُ الإساءةَ دونَ أن يتحوّلَ هو نفسُه إلى مصدرِ إساءةٍ وعدوانٍ، فالدفعُ بالحُسنى يُطفئُ نيرانَ الكراهيةِ، ويمنعُ انتقالَ العنفِ من شخصٍ إلى آخرَ، ومن جماعةٍ إلى أخرى، ومن جيلٍ إلى جيلٍ.

يظهرُ الفرقُ بينَ منطقِ القرآنِ الذي يُعالجُ جذورَ الشرِّ، ومنطقِ الانتقامِ الذي يُضاعفُ الأحقادَ والصِّراعاتِ داخلَ المجتمعاتِ.

ويُؤكِّدُ اللهُ هذا المعنى بقولهِ سُبحانَه وتعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: 34).

في الآيةِ جعلَ الله الحَسَنة وسيلةً عمليّةً لتحويلِ العداوةِ إلى صداقةٍ، والكراهيةِ إلى مودةٍ، والخصومةِ إلى تقاربٍ إنسانيٍّ، وهذا يكشفُ أنَّ القرآنَ يسعى إلى إعادةِ تشكيلِ المجتمعِ كلِّه على أساسِ السَّلامِ والرَّحمةِ والتعاونِ، وهو ما يحل كثيراً من الأزماتِ المعاصرةِ التي تُغذّيها لغةُ التحريضِ، والتخوينِ، والكراهيةِ، والثأر.

عندما يعودُ المسلمونَ إلى ثقافةِ الحَسنةِ والعفوِ والإصلاحِ، فإنّهم يُسهمونَ في حمايةِ مجتمعاتِهم من الانهيارِ الأخلاقيِّ والنفسيِّ، ويُحقّقونَ جانبًا عظيمًا من “مشروعِ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان”، لأنَّ الإنسانَ لا يشعرُ بالسعادةِ الحقيقيةِ في بيئةٍ يملؤها الخوفُ والعدوانُ والانتقامُ.

السَّلامُ صِفَةُ أَهلِ الإيمانِ وبِشارةُ أَهلِ الجَنَّة:

عندما يتحدّثُ القرآنُ عن أهلِ الإيمانِ، فإنَّه يربطُهم بالسَّكينةِ والرِّفقِ والتواضعِ وسلامةِ القلبِ، لأنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ ينعكسُ على سلوكِ الإنسانِ وأخلاقِه وعلاقاتِه مع الناس، ولذلك وصفَ اللهُ عبادَه الصالحينَ بقولهِ سُبحانَهُ وَتَعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63).

تحملُ الآيةُ صورةً إنسانيّةً راقيةً للإنسانِ المؤمنِ الذي يمشي في الأرضِ بهدوءٍ واتّزانٍ ورحمةٍ، ويُواجهُ الجهلَ والاستفزازَ بالكلمةِ الطيّبةِ التي تمنعُ اتّساعَ الخصومةِ وتحفظُ كرامةَ الإنسانِ والمجتمعِ معًا، ولا يعيشُ بروحِ التجبّرِ والاستعلاءِ والصِّدامِ.

ثمّ يجعلُ اللهُ السَّلامَ تحيّةَ أهلِ الجنّةِ، فيقولُ الله سبحانه وتعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (يس: 58).

إنَّها لحظةُ التجلّي الأعظمِ للرَّحمةِ الإلهيّةِ، حينَما يكونُ أوّلُ ما يسمعُه أهلُ الجنّةِ خطابَ السَّلامِ من ربٍّ رحيمٍ، وفي ذلك دلالةٌ دقيقةٌ على أنَّ السَّلامَ هو الذروةُ التي تنتهي إليها رحلةُ الإنسانِ المؤمنِ في الدنيا والآخرةِ، وأنَّ الغايةَ الكبرى للمنهجِ القُرآنيِّ هي إدخالُ الإنسانِ في رحابِ السَّكينةِ والأمانِ والرِّضا.

يُؤكِّدُ القرآنُ هذا المعنى بقولهِ سُبحانَه: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِم وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: 23-24)، وقالَ أيضًا: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) (إبراهيم: 23).

هكذا يتكرّرُ السَّلامُ في مشاهدِ الجنّةِ لأنَّه الجوُّ الرُّوحيُّ الذي أرادهُ اللهُ لعبادِه، ولأنَّ الإنسانَ لا يبلغُ الطمأنينةَ الحقيقيةَ إلا حينَما يتحرّرُ من الحقدِ والعدوانِ، والكراهيةِ، والكبرياء كما جاء في سورة لقمان قوله لابنه (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: 18)، قد شبه الله سبحان المستكبرين في الأرض بقوله سبحانه: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الإسراء: 37).

المسلمونَ اليومَ مدعوّونَ إلى أن يُجسِّدوا تفعيل السلام في ممارساتهم اليومية بهذا المعنى في واقعِهم، فيكونوا أهلَ سلامٍ ورحمةٍ وإصلاحٍ وتسامحٍ، وأن يُقدّموا للعالمِ صورةَ الإنسانِ القرآنيِّ الذي يُشيعُ الأمانَ في محيطِه، ويحملُ للناسِ الخيرَ والمحبّةَ والعدلَ، وعندما تتحوّلُ هذه القيمُ إلى سلوكٍ حضاريٍّ عامٍّ، فإنَّ “مشروعَ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان” يتحوّلُ من فكرةٍ نظريّةٍ إلى واقعٍ إنسانيٍّ حيٍّ يلمسُ الناسُ أثرَه في حياتِهم وعلاقاتِهم ومستقبلِهم.

المفكر على محمد الشرفاء

مفكر وكاتب عربي مشغول بهموم أمته.. لديه رؤية ومشروع استراتيجي لإعادة بناء النظام العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.. وينفذ مشروع عربي لنشر الفكر التنويري العقلاني وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.. الكاتب قدم للمكتبة العربية عدداً من المؤلفات التي تدور في معظمها حول أزمة الخطاب الديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى