دكتور أحمد زغلول يكتب.. سيناء ليست ورقة للمساومة

مصر دولة سلام لا تقبل التهديد
هناك تصريحات تمر في المشهد السياسي دون أن تترك أثراً، وهناك تصريحات تستحق التوقف أمامها، ليس لأنها تعكس بالضرورة موقف دولة كاملة، وإنما لأنها تصدر عن مسؤول يحمل منصباً حكومياً، وتمس قضية ترتبط بالأمن القومي والسيادة والحدود.
ومن هذا المنطلق، يستحق تصريح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن سيناء قراءة هادئة ودقيقة، بعيداً عن الانفعال، وبعيداً كذلك عن تحويله إلى مواجهة إعلامية.
ففي مقابلة مصورة أُجريت معه في 5 أكتوبر 2026، وعشية ذكرى انتصار أكتوبر المجيد، تحدث سموتريتش عن احتمال نشوب حرب مع مصر، وقال في حديثه عما يمكن أن يمنع مصر من مهاجمة إسرائيل ما معناه: (إنهم يعرفون أنه إذا هاجموا فلن تكون هناك سيناء على الأقل).
ثم أضاف: (لن يحدث ذلك مرة أخرى ولا يوجد بيجين).
وهنا لا بد أن نتوقف عند العبارة، ولكن الأهم أن نتوقف عند التوقيت والسياق: لماذا الآن؟ ولماذا مصر؟ ولماذا سيناء؟
هذه الأسئلة ليست بحثاً عن نوايا خفية، ولا اتهاماً مسبقاً، وإنما محاولة لفهم المشهد كما هو. التصريح جاء عشية احتفال مصر بذكرى انتصار أكتوبر، وفي وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر 2026، بينما يخوض سموتريتش الانتخابات في مقدمة تيار ديني قومي متشدد، وهذه بيئة سياسية يكون فيها الأمن والحرب والردع من أكثر الملفات حضوراً في الخطاب العام، لكن ذلك لا يعني أن التصريح كان بالضرورة موجهاً لأغراض انتخابية، فلا يجوز أن ننسب إلى صاحبه نية لا يثبتها النص، ومع ذلك يبقى السؤال قائماً: لماذا استُحضرت سيناء تحديداً؟
مصر لم تعلن حرباً على إسرائيل، ولم تهدد باجتياح أراضيها، ولم تطرح تغيير حدودها، بل إن مصر منذ توقيع معاهدة السلام عام 1979 التزمت بالتزاماتها الدولية، وحافظت على علاقاتها الرسمية مع إسرائيل، وظلت طرفاً أساسياً في جهود التهدئة ووقف إطلاق النار ومنع اتساع الصراع في المنطقة. فإذا كانت مصر لا تطرح الحرب، فلماذا تُطرح سيناء باعتبارها ثمناً لحرب افتراضية؟ هنا تكمن المشكلة الحقيقية.
مصر ليست دولة هامشية في حسابات المنطقة:
مصر ليست مجرد دولة مجاورة لإسرائيل، هي دولة عربية مركزية، ودولة إفريقية محورية، وصاحبة موقع جغرافي استثنائي، وقوة عسكرية كبيرة، وثقل سياسي ودبلوماسي ممتد، فضلاً عن دورها التاريخي في القضية الفلسطينية وملفات التهدئة والأمن الإقليمي، ولهذا فإن إدخال مصر وسيناء في خطاب الردع لا يمكن أن يُقرأ باعتباره شأناً إسرائيلياً داخلياً فقط، لأن أي حديث عن سيناء يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في معادلة الأمن الإقليمي. والأهم أن مصر لم تستخدم موقعها وثقلها لفرض حرب جديدة على المنطقة، على العكس، اختارت السلام بعد أن استعادت أرضها، وأثبتت عبر عقود أن الالتزام بالسلام لا يعني التخلي عن القوة، وأن احترام الاتفاقيات لا يعني التفريط في السيادة.
سيناء ليست ورقة ضغط:
هنا يجب أن يكون الكلام واضحاً: سيناء ليست ورقة تفاوض، وليست أرضاً قابلة لإعادة النقاش، وليست ثمناً في معادلة حرب افتراضية. سيناء أرض مصرية عادت إلى السيادة المصرية بعد حرب وتضحيات ومسار تفاوضي ودبلوماسي انتهى إلى اتفاق سلام، ومن ثم فإن وضعها في إطار (إذا هاجمت مصر فلن تكون هناك سيناء) يتجاوز حدود الردع النظري، لأنه يتناول أرض دولة بحجم مصر، كان بينها وبين إسرائيل صراع وحروب، والآن بينهما معاهدة سلام، ويضعها في محل تهديد. وهذه ليست اللغة التي يحتاجها السلام •• فالسلام لا يقوم على التهديد، وإنما على احترام السيادة والحدود والاتفاقيات. مصر لا تهدد أرض أحد، ولذلك لا تقبل أن تُهدد أرضها، ويجب أن يقوم كل مسؤول بواجباته ومراجعة تصريحاته قبل أن ينشرها، لأن سيناء خط أحمر، ولا نقبل تناول مثل هذه المهاترات الانتخابية، إذا جاز التعبير.
مصر اختارت السلام •• ولم تتخلَّ عن القوة:
ربما تكون هذه هي النقطة التي تحتاج إلى أن تُفهم جيداً. مصر التي خاضت حرب أكتوبر لم تكن تبحث عن أرض الآخرين، كانت تستعيد أرضها، وعندما استعادت سيناء لم تجعل من انتصارها العسكري ذريعة لاستمرار الحرب، وإنما اختارت طريق السلام. وهنا تظهر قيمة التجربة المصرية. مصر امتلكت القدرة على الحرب، لكنها اختارت السلام، والاختيار الواعي للسلام لا يعني أن الدولة تفرط في أدوات حماية أمنها القومي. الدولة التي تحترم السلام تحتاج إلى قوة تحميه، وإلى مؤسسات قادرة على حماية حدودها، وإلى قرار مستقل لا يخضع للابتزاز أو الاستفزاز، ولهذا فإن الرد المصري الحقيقي لا يحتاج إلى سباق في إطلاق التصريحات. قد يرد الإعلام، وقد ترتفع حدة النقاش، وقد تُنقل تصريحات متبادلة، لكن الدولة المصرية لا تُدار بمنطق ردود الأفعال.
مصر تتحدث عندما يكون للكلام قيمة، وتتحرك عندما تكون هناك ضرورة، وتترك مؤسساتها وأفعالها تعبر عن موقفها.
لا نحتاج إلى تهديد مقابل:
من السهل أن تتحول مثل هذه التصريحات إلى مباراة في إطلاق التهديدات، لكن مصر أكبر من ذلك. فالرد على حديث عن سيناء لا ينبغي أن يكون تهديداً بتل أبيب أو مطار بن غوريون، حتى وإن كانت بعض الأصوات الإعلامية المصرية قد عبّرت عن غضبها بهذه اللغة، ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية جانباً من هذه الردود. الرد الأقوى هو أن تظل مصر متمسكة بثوابتها: السلام والسيادة والقانون وحماية الأمن القومي.
وهذا هو الفارق بين خطاب دولة وخطاب انفعال. مصر لا تبحث عن مواجهة مع إسرائيل، ولا تسعى إلى تغيير حدودها، ولا تتعامل مع السلام باعتباره هدنة مؤقتة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن يتحول السلام إلى ذريعة للحديث عن أرضها أو اختبار صبرها.
رسالة مصر واضحة:
إن المنطقة لا تحتمل مغامرات جديدة، والمطلوب اليوم ليس المزيد من لغة التصعيد، وإنما احترام قواعد العلاقات الدولية والحفاظ على معاهدة السلام ومنع أي خطوة يمكن أن تدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع. ومن يريد أن يحافظ على السلام فعليه أن يحترم الأسس التي قام عليها، ومن يريد أن يتحدث عن أمن إسرائيل فعليه أن يدرك أن أمن المنطقة لا يمكن أن يقوم على تهديد أمن مصر. أما سيناء فقد حسمت مصر أمرها منذ زمن طويل، هي أرض مصرية وستظل مصرية، أبى من أبى وشاء من شاء. لا تحتاج مصر إلى المزايدة على أحد، ولا إلى رفع صوتها لإثبات ذلك، فالتاريخ يعرف، والقانون يعرف، والواقع يعرف. لقد استعادت مصر أرضها واختارت السلام وحافظت عليه لعقود، وإذا كان هناك من يعتقد أن السلام يعني أن مصر نسيت تاريخها أو تخلت عن قوتها، فذلك خطأ في قراءة مصر •• مصر دولة سلام، لكنها ليست دولة مستباحة، تحترم الاتفاقيات وتلتزم بها، وتطالب باحترام أرضها، وتطالب الجميع بالاحترام والالتزام، وتمد يدها للسلام، لكنها لا تساوم على سيادتها.
في النهاية، فإن الرسالة التي تحتاج المنطقة إلى سماعها ليست رسالة تهديد جديدة، وإنما رسالة أكثر عقلانية ووضوحاً: السلام المصري ثابت، والسيادة المصرية غير قابلة للمساومة، وسيناء ليست ورقة في يد أحد، وهذه ليست لغة حرب، إنها لغة دولة تعرف قدرها وتحترم السلام وتحمي أرضها.
فإن مصر لا تبحث عن مواجهة، ولا تسعى إلى إشعال حرب جديدة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تقبل أن تتحول أراضيها أو سيادتها أو أمنها القومي إلى مادة للتصريحات والتهديدات السياسية، ومن هنا فإن مثل هذه التصريحات لا ينبغي أن تتكرر، لأن التعامل مع مصر ليس كالتعامل مع دولة هامشية يمكن اختبار صبرها أو مخاطبتها بمنطق التهديد. مصر دولة عريقة صاحبة تاريخ عسكري وسياسي، خاضت الحروب دفاعاً عن أرضها، وصنعت السلام عندما كان السلام هو الخيار الذي يحمي مصالحها ويصون حقوقها.
والرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي أن مصر بلد الحرب والسلام، تعرف متى تدافع، وتعرف متى تصنع السلام، وتحترم الاتفاقيات التي وقعتها، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لأحد بأن يختبر إرادتها أو يهدد سيادتها أو يتعامل مع أرضها باعتبارها ورقة قابلة للمساومة. إن احترام مصر ليس مجاملة سياسية، وإنما ضرورة تفرضها مكانتها وتاريخها وقدرتها ومسؤوليتها الإقليمية، ولذلك فإن ضبط الخطاب السياسي والعسكري تجاه مصر مسؤولية لا ينبغي العبث بها، لأن الكلمات الصادرة عن مسؤولين قد تتحول، إذا تكررت، إلى وقود للتوتر وإلى تهديد مباشر لاستقرار المنطقة بأكملها.
أما مصر فستظل متمسكة بالسلام، حريصة على الاستقرار، داعمة للحق، ومدافعة عن أمنها القومي بكل ما تملك من أدوات.
السيادة المصرية ليست مجالاً للتجربة، وأمن مصر القومي ليس موضوعاً للمساومة، وسيناء مصرية وستظل مصرية، ومن يقرأ تاريخ مصر جيداً يدرك أن مصر لا تهدد كثيراً، لكنها عندما يتعلق الأمر بأرضها وأمنها وكرامتها الوطنية، فإن التاريخ نفسه هو الذي يتحدث.