جولة السيسي الآسيوية.. احترام دولي وفرص جديدة أمام الاقتصاد المصري

لا تُقاس الزيارات الرئاسية بحفاوة الاستقبال أو عدد اللقاءات وحدهما، وإنما بما تفتحه من أبواب أمام الدولة، وما تحققه من مصالح لشعبها. ومن هذا المنطلق، فإن جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الآسيوية، التي شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا خلال الفترة من 6 إلى 11 أكتوبر 2026، تستحق قراءة تتجاوز المشهد البروتوكولي إلى ما تحمله من فرص سياسية واقتصادية، وما تفرضه من مسؤولية لتحويل نتائجها إلى إنجازات ملموسة.
فالدول الثلاث تمتلك تجارب مهمة في الصناعة والتكنولوجيا والتجارة والتعليم، كما تمثل أسواقاً وشراكات يمكن لمصر أن تستفيد منها في توسيع صادراتها، وجذب الاستثمارات، وتطوير الإنتاج، وتوفير فرص عمل جديدة.
والأهم أن التحرك المصري نحو آسيا يعكس ضرورة استراتيجية، وهي ألا تعتمد علاقات مصر الاقتصادية على عدد محدود من الأسواق والشركاء، بل أن تتنوع بما يعزز قدرتها على الحركة، ويحمي مصالحها، ويوسع خياراتها في عالم تتزايد فيه المنافسة على الأسواق والتكنولوجيا والموارد.
كوريا الجنوبية.. من الشراكة السياسية إلى توطين الصناعة:
شهدت زيارة كوريا الجنوبية الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، كما شهدت توقيع اتفاقية للضمان الاجتماعي ومذكرة تفاهم للتعاون في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وأعلن الجانبان التطلع إلى بدء مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، وهي خطوة تفاوضية لا تعني أن الاتفاقية قد أُبرمت بالفعل.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن كوريا الجنوبية تمتلك خبرات واسعة في الصناعة المتقدمة والإلكترونيات وصناعة السيارات والسفن والتكنولوجيا، وهي مجالات يمكن أن تحقق لمصر مكاسب حقيقية إذا انتقل التعاون من مجرد استيراد المنتجات إلى إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة، ونقل الخبرة، وتدريب العمالة، وزيادة المكون المحلي.
وقد شارك ممثلو 23 شركة كورية كبرى في مائدة مستديرة اقتصادية مع الرئيس، بما أتاح فرصة لعرض إمكانات الاستثمار في مصر، ومناقشة سبل تطوير التعاون بين مجتمعَي الأعمال.
لكن المطلوب هو أن تُترجم هذه الفرص إلى مشروعات محددة، خاصة في المناطق الصناعية والاقتصادية المصرية، وأن تكون الأولوية للاستثمارات التي تضيف إلى قدراتنا الإنتاجية وتفتح أمام المنتجات المصرية أسواقاً جديدة. فليس الهدف أن تصبح مصر سوقاً أكبر للمنتجات الأجنبية فحسب، وإنما أن تصبح مركزاً للإنتاج والتصدير، مستفيدة من موقعها واتفاقياتها التجارية.
ماليزيا.. شراكة استراتيجية وأسواق أوسع:
مثّلت زيارة ماليزيا خطوة مهمة، بعدما اتفق البلدان على رفع مستوى العلاقات الثنائية إلى الشراكة الاستراتيجية، في إطار توجه لتوسيع التعاون في التجارة والاستثمار والزراعة والطاقة والتعليم والتحول الرقمي والصناعة. كما أكد البيان المشترك أهمية التعاون في التدريب الفني والمهني والتصنيع وصناعة السيارات وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة.
وتبرز أهمية التجربة الماليزية في قدرتها على بناء قطاعات إنتاجية وتطوير الصادرات وربط التدريب باحتياجات سوق العمل، ويمكن لمصر الاستفادة من هذه الخبرات، خاصة في تطوير الصناعات الغذائية وصناعة الحلال ورفع جودة المنتجات وتوسيع فرص الشركات المصرية في أسواق رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة باسم “آسيان”.
والفرصة هنا متبادلة، فمصر تستطيع أن تكون بوابة للشركات الماليزية نحو الأسواق العربية والأفريقية، كما يمكن لماليزيا أن تساعد الشركات المصرية على فهم الأسواق الآسيوية ومتطلباتها. ويتوقف نجاح هذا التوجه على وجود مشروعات محددة وخطط تسويق وتصدير وتواصل مباشر بين الشركات، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن فرص التعاون.
كما أن توسيع المنح الدراسية والتبادل الأكاديمي والتدريب الفني يمكن أن يحقق عائداً طويل الأجل، لأن الشراكة الاقتصادية القوية تحتاج إلى عمالة مؤهلة وخبرات قادرة على تطوير الإنتاج وشباب يعرف كيف ينافس في سوق العمل.
وفي البعد الاستراتيجي، اكتسبت الزيارة أهمية إضافية من تأكيد الجانب الماليزي أهمية نهر النيل للأمن المائي المصري، والدعوة إلى الحوار بين دول حوض النيل والتوصل إلى توافق وفقاً للقانون الدولي، وهو موقف يعزز أهمية الحوار مع الدول التي تتفهم ارتباط المياه باستقرار مصر وتنميتها.
إندونيسيا.. فرص اقتصادية وأبعاد استراتيجية:
أكدت زيارة إندونيسيا التوجه نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، واتفق الجانبان على خطة عمل لدفعها إلى الأمام، مع التركيز على زيادة التجارة والاستثمار وتوسيع النفاذ إلى الأسواق وتشجيع المشروعات الصناعية المشتركة.
ومن الفرص التي تناولها البيان المشترك التعاون في إنتاج وتوزيع زيت النخيل الخام ومشتقاته والأسمدة الفوسفاتية والمواد الخام المرتبطة بها، إلى جانب توسيع مجالات الاستثمار لتشمل البنية الأساسية والطاقة والخدمات اللوجستية والأنشطة الزراعية. كما أشار البيان إلى تقدم التعاون بين مؤسسة “دانانتارا” الإندونيسية وجهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”.
وتكتسب هذه المجالات أهمية للاقتصاد المصري، فالتعاون في الزراعة والأسمدة والصناعات المرتبطة بها يمكن أن يدعم سلاسل الإمداد ويوفر فرصاً للاستثمار المشترك ويزيد القيمة المضافة، لكن نجاح هذه الفرص يتطلب دراسات اقتصادية واضحة تحدد الجدوى والتكلفة والعائد، وتضمن أن تحقق المشروعات منفعة حقيقية للجانبين.
كما شمل البيان المشترك التعاون في التعليم والثقافة والتبادل الطلابي وبناء القدرات، وهي مجالات ينبغي ألا تُعامل باعتبارها أموراً ثانوية، فالعلاقات الاقتصادية طويلة الأمد تحتاج إلى معرفة متبادلة وخبرات بشرية قادرة على مواصلة التعاون وتطويره.
أما على مستوى الأمن المائي، فقد أقر الجانب الإندونيسي بالأهمية الحيوية للأمن المائي لنهر النيل بالنسبة لمصر، وأكد الجانبان أهمية الالتزام بمبادئ القانون الدولي المنظمة للمجاري المائية العابرة للحدود، بما في ذلك عدم التسبب في ضرر، وهذه نقطة تستحق البناء عليها في إطار الحوار الدبلوماسي المصري مع الدول الصديقة.
ما بعد الجولة.. الاختبار الحقيقي يبدأ الآن:
في ختام الجولة، أعلن الرئيس السيسي توقيع 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وأكد أهمية زيادة حجم التجارة وتحسين التوازن التجاري، مع ضرورة التحرك السريع للاستفادة من النتائج التي تحققت.
وهنا يجب أن نضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فالاتفاقيات تفتح الباب، لكنها لا تحقق التنمية بمفردها، فالقيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى استثمارات منفذة، ومصانع تعمل، وصادرات ترتفع، وتكنولوجيا تنتقل، وفرص عمل جديدة.
ومن الضروري أن تتولى الجهات المختصة إعداد خطة تنفيذ لكل اتفاقية أو مذكرة تفاهم، تحدد الجهة المسؤولة والجدول الزمني والنتائج المستهدفة، مع التمييز بين الوثائق الملزمة ومذكرات التفاهم والتفاهمات التي تحتاج إلى إجراءات لاحقة. كما ينبغي إعداد قائمة بالمشروعات القابلة للتنفيذ سريعاً، وتحديد العقبات التي قد تواجه المستثمرين والعمل على حلها بالتنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الشركات المصرية، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، إلى دعم عملي لدخول الأسواق الآسيوية، من خلال توفير المعلومات التجارية والمشاركة في المعارض وتحسين جودة المنتجات وتطوير وسائل التسويق وفهم اشتراطات الاستيراد في كل سوق.
وهناك مسؤولية لا تقل أهمية، وهي ربط التعاون الخارجي ببناء الإنسان المصري، فالمصانع الحديثة تحتاج إلى فنيين ومهندسين مؤهلين، والتكنولوجيا تحتاج إلى تدريب مستمر، وزيادة الصادرات تحتاج إلى كوادر تتقن الإنتاج والجودة والتسويق. لذلك يجب أن تكون برامج التدريب والتبادل العلمي جزءاً من خطط التنفيذ، لا مجرد بند جانبي في الاتفاقيات.
توصيات لتحويل الفرص إلى نتائج:
أرى أن تعظيم الاستفادة من الجولة يتطلب خمسة تحركات أساسية كالتالي:
١- متابعة التنفيذ بوضوح: من خلال إعداد تقارير دورية توضح ما نُفذ من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وما تعطل منها، وأسباب التعطل، والمسؤولية عن معالجة العقبات.
٢- توجيه الاستثمار إلى الإنتاج: مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي تنقل التكنولوجيا، وتزيد المكون المحلي، وتوفر فرص عمل مستدامة، وتدعم قدرة مصر على التصدير.
٣- إعداد خطة لكل سوق: لتحديد المنتجات المصرية القادرة على المنافسة في كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، ودراسة متطلبات دخولها، وتكليف الجهات المعنية بمتابعة فرص التصدير.
٤- ربط التعاون بالتدريب: لتوسيع برامج التدريب الفني والمنح والتبادل الأكاديمي، وربطها باحتياجات الصناعة والتكنولوجيا والقطاعات التي تستهدف مصر تطويرها.
٥- قياس العائد على المواطن: لتقييم النتائج من خلال الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ، وزيادة الإنتاج والصادرات، وفرص العمل الجديدة، ونقل الخبرة، وليس بعدد اللقاءات أو الوثائق الموقعة.
احترام الدولة •• مسؤولية وفرصة
إن حفاوة الاستقبال والاهتمام الرسمي بتطوير العلاقات مع مصر يعكسان أهمية التحرك المصري ومكانة الدولة في علاقاتها الدولية، لكن احترام الدول لا يتحول وحده إلى قوة اقتصادية، وإنما تكتمل قيمته عندما تقابله قدرة على الإنتاج، وكفاءة في الإدارة، وحسن استثمار للموارد، واهتمام حقيقي ببناء الإنسان.
ومصر، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وسوق كبيرة وقاعدة إنتاجية وروابط عربية وأفريقية ودولية، تستطيع أن تجعل من تنويع علاقاتها الدولية مصدراً لقوة الاقتصاد واستقلال القرار، إذا أحسنت اختيار المشروعات، وسرّعت التنفيذ، وربطت الشراكات الخارجية بأولويات التنمية الوطنية.
فالجولة الناجحة ليست التي توسع دائرة علاقات مصر فقط، بل التي تحول هذه العلاقات إلى قدرة إنتاجية وأسواق جديدة وتكنولوجيا متقدمة وفرص عمل تحفظ للمواطن نصيبه من نتائج السياسة الخارجية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن صانع القرار، أن مكانة الدول لا تُصان بما تحظى به من احترام في الخارج فحسب، بل بما تمتلكه من قوة في الداخل. وجولة الرئيس السيسي الآسيوية تفتح أمام مصر أبواباً واعدة، لكن عبور هذه الأبواب يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة تنفيذ ومتابعة لا تترك فرصة للتعطيل أو إهدار الوقت.
إن تنويع الشراكات الدولية ليس مجرد تحرك اقتصادي، بل هو جزء من حماية الأمن القومي وتعزيز استقلال القرار وبناء اقتصاد قادر على مواجهة الأزمات وصناعة الفرص. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على ما وُقِّع من اتفاقيات، وإنما على ما ستضيفه إلى قوة الدولة وقدرة المواطن.
فالدولة التي تحسن بناء علاقاتها مع العالم، وتُحسن في الوقت نفسه بناء الإنسان داخلها، هي الدولة الأقدر على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها. تلك هي المعادلة التي تستحق أن تكون معيار الحكم على نتائج الجولة، وأن تتحول إلى نهج ثابت في إدارة علاقات مصر الخارجية؛ احترام يُكتسب، وشراكات تُبنى، ونتائج تُقاس، ووطن تزداد قوته بجهد أبنائه.