د. محمد الجمال يكتب.. ماذا حققت بعثة سبتمبر التجارية المصرية إلى فنلندا؟

تابعت الزيارة التي قامت بها البعثة التجارية المصرية إلى فنلندا وإستونيا خلال شهر سبتمبر الماضي، وتصفحت ما نشرته الصحف والمواقع الاقتصادية عن اللقاءات التي عقدها الوفد المصري مع عدد من المؤسسات والشركات الأوروبية، وما صاحبها من حديث عن فرص الاستثمار والتعاون الصناعي بين مصر وفنلندا. وبحكم عضويتي في مجلس الأعمال المصري الفنلندي، فإنني أتابع باهتمام كل تحرك من شأنه تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة في القطاعات التي تمتلك فيها مصر فرصًا حقيقية لجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا.

والحقيقة أن ما استوقفني في هذه البعثة هو توقيتها، فقد جاءت بعد أشهر قليلة من زيارة الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إلى القاهرة في أبريل 2026، ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومشاركته في منتدى الأعمال المصري الفنلندي، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وعدد من المسؤولين ورجال الأعمال.

وقد حملت تلك الزيارة رسائل مهمة بشأن رغبة البلدين في توسيع التعاون الاقتصادي، وفتحت المجال أمام مناقشة فرص الاستثمار في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا، وهي مجالات تستحق اهتمامًا خاصًا في ظل ما تمتلكه فنلندا من خبرات صناعية متقدمة، وما تسعى إليه مصر من تطوير قاعدتها الإنتاجية وزيادة صادراتها.

ومن هنا وجدت نفسي أمام سؤال يستحق الطرح: ماذا تحقق من هذه التحركات المتتالية؟ وهل استطعنا الانتقال بالعلاقات الاقتصادية المصرية الفنلندية من مرحلة اللقاءات والمنتديات إلى مرحلة المشروعات والاستثمارات المشتركة؟

نظم المجلس المصري للتعاون الدولي، برئاسة المهندس معتز رسلان، البعثة التجارية التي شملت إستونيا وفنلندا خلال الفترة من 21 إلى 25 سبتمبر 2026، بمشاركة عدد من رجال الأعمال وممثلي القطاعات الاقتصادية المصرية، وفي مقدمتها التعدين والصناعات الهندسية والأسمدة وتكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية.

ولفت انتباهي تنوع هذه القطاعات، وهو أمر يعكس اتساع الفرص المتاحة أمام الشركات المصرية، خاصة أن التعاون الاقتصادي مع فنلندا يمكن أن يتجاوز التبادل التجاري التقليدي إلى إقامة شراكات صناعية تقوم على التصنيع المشترك والاستفادة من الخبرات الفنية والتكنولوجية.

وقد شهدت البعثة توقيع مذكرة تفاهم بين غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المصرية ونظيرتها الإستونية، وهي خطوة يمكن البناء عليها لتطوير التعاون بين الشركات، وإن كنت أرى أن نجاح مثل هذه الاتفاقيات يرتبط بقدرتها على إنتاج مشروعات فعلية خلال الفترة التالية لتوقيعها.

أما ما يستحق التوقف أمامه في العلاقات المصرية الفنلندية، فهو توقيع وزارة الصناعة المصرية مذكرة تفاهم مع شركة “ميتسو” الفنلندية في 28 سبتمبر الماضي، للتعاون في معالجة واستخلاص المعادن، خاصة الحديد والفوسفات، وإعداد الدراسات الفنية والهندسية وتبادل الخبرات.

ورغم أن هذا الاتفاق جاء بعد انتهاء البعثة، فإن توقيته يعكس أهمية الزخم الاقتصادي الذي تشهده العلاقات بين القاهرة وهلسنكي، ويفتح الباب أمام تعاون صناعي أكثر تخصصًا، خاصة في قطاع التعدين الذي يحتاج إلى استثمارات كبيرة وتكنولوجيا متقدمة لزيادة القيمة المضافة للثروات المعدنية المصرية.

وأرى أن صناعة الألومنيوم يمكن أن تكون أحد المحاور الرئيسية للتعاون الاقتصادي بين البلدين خلال المرحلة المقبلة. فمصر تمتلك قاعدة صناعية مهمة في نجع حمادي، وخبرة طويلة في إنتاج الألومنيوم، بينما تتمتع فنلندا بقدرات تكنولوجية في الصناعات المعدنية وتطوير المعدات وترشيد الطاقة وإعادة التدوير.

وهذا التكامل يمثل فرصة تستحق الدراسة الجادة، خاصة أن تطوير صناعة الألومنيوم المصرية يتطلب تحديث خطوط الإنتاج، وتحسين كفاءة التشغيل، والتوسع في الصناعات التحويلية، بما يسمح بزيادة الصادرات والقدرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

ومن واقع اهتمامي بعمل مجلس الأعمال المصري الفنلندي، أعتقد أن المرحلة الحالية تحتاج إلى تحويل هذا الاهتمام المتبادل إلى برنامج عمل اقتصادي واضح، تشارك فيه الشركات والمؤسسات الصناعية من الجانبين، مع إعطاء أولوية للمشروعات القابلة للتنفيذ، وفي مقدمتها الصناعات المعدنية والتعدين.

فمجالس الأعمال تستطيع أن تؤدي دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر بين المستثمرين، والتعريف بالفرص المتاحة، ومتابعة نتائج الزيارات والبعثات الاقتصادية، فضلًا عن نقل ما يواجه الشركات من تحديات إلى الجهات المختصة.

ولذلك أرى أن تفعيل دور مجلس الأعمال المصري الفنلندي خلال المرحلة المقبلة ينبغي أن يرتبط بوضع خريطة للمشروعات المشتركة، وتحديد الشركات الراغبة في الاستثمار، وتنظيم لقاءات متخصصة تجمع أصحاب الخبرة والقرار في البلدين.

لقد تابعت البعثة باهتمام، وأرى أنها تمثل حلقة مهمة في مسار تطوير العلاقات الاقتصادية، لكنها تفتح في الوقت نفسه تساؤلات مشروعة عن حجم الاستثمارات التي يمكن أن تنتج عن هذه اللقاءات، وعدد الاتفاقيات التي ستنتقل إلى التنفيذ، ومدى استفادة الصناعة المصرية من الخبرة الفنلندية.

وأعتقد أن زيارة الرئيس الفنلندي إلى القاهرة، وما أعقبها من بعثات واتفاقيات، توفر فرصة مناسبة للبناء على العلاقات السياسية الجيدة بين البلدين، وتحويلها إلى مصالح اقتصادية وصناعية مستدامة.

ويبقى السؤال الذي بدأت به متابعتي: ماذا تحقق من البعثة؟

الإجابة تتطلب متابعة ما سيجري خلال الأشهر المقبلة، فنجاح البعثات الاقتصادية يقاس بما تتركه من نتائج، وما تضيفه من استثمارات وفرص عمل وصادرات.

وأتطلع، بصفتي عضوًا في مجلس الأعمال المصري الفنلندي، إلى أن نشهد قريبًا مشروعات مشتركة في التعدين والألومنيوم، تكون ترجمة عملية لما شهدته العلاقات بين البلدين من نشاط خلال الفترة الأخيرة. فالمهم في النهاية أن تتحول الزيارات والاتفاقيات إلى مصانع تنتج، وتكنولوجيا تنتقل، واستثمارات تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد المصري.

د. محمد الجمال

د. محمد الجمال، كبير الهيئة الاستشارية بمركز رع للدراسات، هو خبير في شئون الصناعات والاستثمار. حاصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية – جامعة القاهرة، وحاصل على دكتوراه في الهندسة الكهربائية – أكاديمية فينكس، الولايات المتحدة الأمريكية. هو عضو في مجلس الأعمال المصري الفنلندي منذ عام 2013، ورئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى