أشرف أنور يكتب.. “كليات القمة” تحت المجهر
أرقام العجز تفند دعوات "الزهد في الطب"

تتعالى كل عام مع ظهور نتائج الثانوية العامة أصواتٌ تنادي بعدم جدوى الالتحاق بكليات الطب، ويدعو أصحابها إلى التخلي عن فكرة “كليات القمة”، بدعوى طول سنوات الدراسة، والضغوط النفسية، وتدني العائد المادي في بداية المسيرة المهنية مقارنة بقطاعات تكنولوجية حديثة. لكن، هل فقد الطب حقاً قيمته التنافسية؟ أم أن النظرة القاصرة لـ “كليات القمة” هي التي تحتاج إلى تصحيح؟ الحقيقة التي تثبتها الأرقام الواقعية هي أن الطب لم ولن يفقد مكانته الاستراتيجية. لا يقاس جدول القيمة بمدى سهولة الطريق أو السرعة في جني المال، بل بحاجة المجتمعات الماسة والضرورية لهذه المهنة. إن مصر لا تعاني من “فائض” في الأطباء يدعو للزهود في الدراسة، بل على العكس تماماً: تشهد المنظومة الصحية احتياجاً وعجزاً هيكلياً يفتح الأبواب واسعة أمام كل خريج جديد، سواء داخل مصر أو في الأسواق الإقليمية والدولية التي تترقب الطبيب المصري بكفاءته المشهودة. قراءة في لغة الأرقام
أين يقف الطبيب المصري اليوم؟
يكشف الرصد الإحصائي لواقع المنظومة الطبية في مصر (استناداً إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ونقابة الأطباء) عن خريطة مركية تجمع بين التوسع الأكاديمي والعجز الميداني: 1. أعداد الأطباء وقوة العمل الفعلية • المسجلون رسمياً: يتجاوز عدد الأطباء المسجلين في جدول النقابة العامة للأطباء 230 ألف طبيب بشري. • الممارسون الفعليون: يعمل نحو 120.4 ألف طبيب في القطاع الحكومي، بينما يستوعب القطاع الخاص زهاء 35.6 ألف طبيب (بشري وأسنان). • ظاهرة الهجرة: يُقدّر أن أكثر من 50% إلى 60% من إجمالي المقيدين يعملون خارج مصر أو استقالوا من العمل الحكومي، وهو ما يفسر الفارق بين المسجلين والممارسين. 2. المنظومة التعليمية وسوق الخريجين • عدد الكليات: تضم مصر نحو 40 كلية طب بشري موزعّة بين الجامعات الحكومية، والأزهر، والأكاديمية الطبية العسكرية، إلى جانب التوسع الحديث في الكليات الأهلية والخاصة. • تدفق الخريجين: ارتفعت الطاقة الاستيعابية ليصل عدد الخريجين سنوياً إلى ما بين 15,000 و26,000 خريج، بعد أن كان لا يتجاوز 10,000 طبيب في سنوات سابقة. 3. المؤشرات والمعايير الدولية تظهر الفجوة بوضوح عند مقارنة المعدلات المحلية بالمستويات العالمية: المؤشر المنظومة المحلية في مصر المعيار العالمي (منظمة الصحة العالمية) نسبة الأطباء للسكان 8.6 إلى 9 أطباء لكل 10,000 مواطن (طبيب/1,160 مواطن) 23 طبيباً لكل 10,000 مواطن (طبيب/434 مواطناً) نسبة الأطباء للأسرة 1.4 طبيب لكل سرير في القطاع الحكومي (من إجمالي 84,225 سريراً) تختلف حسب مستويات الرعاية المتخصصة العجز الميداني
: أسبابٌ وحلول تؤكد الدراسات الرسمية وجود عجز يُقدّر بـ 100,000 إلى 130,000 طبيب بشري للوصول إلى المستويات المعيارية العالمية، ويرجع ذلك إلى أسباب رئيسية: 1. نزيف العقول والهجرة: استمرار سفر الأطباء للعمل بالخارج بحثاً عن بيئة عمل وأجور أفضل. 2. التوزيع الجغرافي غير المتكافئ: تركّز الخدمات الكبرى في العاصمة والمحافظات الرئيسية مقابل نقص الأعداد في المناطق النائية والصعيد. 3. التحديات اللوجستية والمالية: الحاجة المستمرة لتحسين بيئة العمل وتطوير المنشآت الصحية ورفع المردود المالي لشباب الأطباء. الخلاصة إن الدعوة للابتعاد عن كليات الطب تتجاهل حقيقة أن الطلب على الطبيب الكفء هو طلب مستدام ولا يخضع لتقلبات الموضة الوظيفية. تظل مهنة الطب رسالة إنسانية وركيزة أمن قومي وصحي، وتحدياتها الراهنة هي دعوة لتطوير بيئة العمل والاستثمار في العنصر البشري، لا إلى عزوف الشباب عن دخول هذا المجال الحيوي.