من قاع الهامور إلى قاع الوعي.. عندما يصبح الترند قوة وتأثيراً واختباراً للأمن القومي

لم يعد أخطر ما في وسائل التواصل الاجتماعي هو ما تقوله، وإنما من يستطيع أن يجعل الملايين يقولونه في الوقت نفسه. هذه ليست مبالغة، وإنما حقيقة فرضها عصر أصبحت فيه المعلومة أسرع من قدرتنا على التحقق منها، وأصبح الهاتف المحمول نافذة يطل منها المواطن على العالم، ويتلقى من خلالها الأخبار والصور والفيديوهات والآراء، وأحيانًا الشائعات أيضًا. ومن هنا جاءت ظاهرة قاع الهامور التي بدأت في إطار ساخر مستوحى من عالم سبونج بوب، ثم تحولت خلال فترة قصيرة إلى مجتمع افتراضي واسع يتبادل أعضاؤه المواقف والشكاوى والصور والتعليقات، وكأنهم يعيشون في منطقة حقيقية لها أهلها وحكاياتها ومشكلاتها. وقد يكون الأمر في بدايته مجرد مساحة للترفيه والضحك وكسر ضغوط الحياة، وهذا أمر طبيعي، بل ربما يكون مطلوبًا في مجتمع يحتاج أفراده إلى متنفس وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية.
لكنني أرى أن القضية الأهم ليست قاع الهامور في حد ذاته، القضية هي: ماذا لو تحولت مثل هذه التجمعات الرقمية الكبيرة في يوم من الأيام من مجرد مساحة للترفيه إلى وسيلة لصناعة الاتجاهات والتأثير في سلوك الناس؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
ليست المشكلة في الضحك.. وإنما في القوة التي قد تأتي بعده:
من المهم أن نكون واضحين ومنصفين. لا يجوز أن نتهم جروبًا بعينه بأنه تابع لمنظمة مشبوهة أو ممول من جهة خارجية أو تديره جهة سياسية أو أمنية ما لم تكن هناك معلومات وأدلة واضحة تثبت ذلك. فالانتشار السريع ليس دليلًا على وجود مؤامرة، وكثرة الأعضاء ليست دليلًا على وجود جهة تقف خلفهم. لكن الأمن القومي لا ينتظر وقوع الخطر حتى يبدأ في التفكير فيه. ومن واقع ما تعلمته في العمل الوطني، فإن الرصد المبكر وفهم المؤشرات أفضل كثيرًا من انتظار الأزمة ثم البحث عن أسبابها. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط: ماذا يحدث الآن؟ بل ماذا يمكن أن يحدث غدًا؟
ماذا لو استُخدمت الآلية نفسها في قضية أكثر حساسية؟ ماذا لو تعلق الأمر بالأمن القومي أو الاقتصاد أو مؤسسات الدولة أو الانتخابات أو العلاقات بين فئات المجتمع أو إثارة الغضب والإحباط وفقدان الثقة؟
هنا يمكن أن ينتقل الأمر من مجرد ترند إلى أداة محتملة من أدوات التأثير المعلوماتي، وهذا هو الجانب الذي يجب أن يستوقفنا.
الترند.. من ظاهرة إعلامية إلى مورد من موارد القوة:
اعتدنا أن ننظر إلى الترند باعتباره موجة عابرة تظهر ثم تختفي، لكن الواقع الرقمي الجديد يقول إن الأمر أكبر من ذلك. فالترند يستطيع أن يرفع قضية إلى مقدمة اهتمام المجتمع، ويستطيع أن يمنح شخصًا أو فكرة أو رواية مساحة هائلة خلال ساعات، ويستطيع أيضًا أن يوجه النقاش العام من قضية إلى قضية أخرى. ومن هنا أصبح الترند في بعض الظروف موردًا من موارد القوة الناعمة والتأثير المجتمعي، وقد يكون هذا التأثير إيجابيًا عندما يستخدم في خدمة المجتمع ونشر المعرفة ودعم القضايا الإنسانية ومساعدة المحتاجين، لكن الخطورة تبدأ عندما يدخل عليه التلاعب المنظم أو المعلومات المضللة أو المصالح الخفية. وهنا يجب أن نفرق جيدًا بين انتشار طبيعي يصنعه الجمهور وبين انتشار تحركه جهة منظمة لتحقيق هدف محدد.
من الصورة الساخرة إلى صناعة الاتجاه:
الإنسان لا يتأثر دائمًا بأكثر المعلومات دقة، وإنما قد يتأثر بالمعلومة التي تتكرر أمامه وتلامس مشاعره وتقدم إليه بصورة سهلة وسريعة. قد تبدأ القصة بصورة ساخرة، ثم يأتي تعليق، ثم مئات التعليقات، ثم آلاف المشاركات، ثم تنتقل الفكرة إلى صفحات أخرى، ثم تصبح حديث الناس، وبعد فترة قد يتعامل البعض معها باعتبارها حقيقة لمجرد أنها أصبحت منتشرة. وهنا يتحول الانتشار من مجرد نتيجة إلى قوة تأثير، وهذه واحدة من أخطر قواعد العصر الرقمي. ليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل ما يحصل على ملايين المشاهدات جديرًا بالثقة. فعدد المتابعين ليس شهادة صدق المحتوى، والشهرة ليست دليلًا على المعرفة، والترند ليس دليلًا على الحقيقة.
الجمهور الحقيقي قد يصبح جزءاً من التأثير دون أن يدري
قد يعتقد البعض أن أي محاولة منظمة للتأثير تحتاج إلى آلاف الحسابات الوهمية، وهذا ليس بالضرورة صحيحًا. فقد تبدأ الرسالة من عدد محدود من الحسابات، ثم إذا كانت الرسالة جذابة ومؤثرة يقوم الجمهور الحقيقي بنشرها وتكرارها من تلقاء نفسه. وهنا يصبح السؤال: من بدأ الرسالة؟ ومن دفع بها إلى الواجهة؟ ومن المستفيد من انتشارها؟
هذه ليست أسئلة اتهام، وإنما أسئلة مهنية يجب أن تطرح عند دراسة أي ظاهرة رقمية واسعة وسريعة الانتشار. فالمشكلة ليست دائمًا في صاحب المنشور الأول. أحيانًا تكون المشكلة في النتيجة التي يصل إليها المنشور بعد أن يتبناه آلاف أو ملايين الأشخاص، وقد تكون الرسالة في بدايتها بريئة، ثم يدخل عليها آخرون ويغيرون اتجاهها. وهنا تكمن إحدى أخطر خصائص البيئة الرقمية: صعوبة السيطرة على مسار الرسالة بعد انتشارها. وعندما يدخل المال على الخط، وعندما يتحول أي تجمع رقمي إلى مجتمع ضخم، فإن قيمته لا تعود اجتماعية فقط، وإنما قد تصبح له قيمة إعلامية وتجارية وإعلانية، وقد تظهر إعلانات أو روابط أو عروض أو طلبات تحويل أموال أو دعوات للانتقال إلى مجموعات ومنصات أخرى أو محاولات لجمع بيانات المستخدمين. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: من يمول؟ ولماذا يمول؟ ومن المستفيد؟ وما طبيعة النشاط المالي؟
ولا يعني ذلك أن كل مجموعة على مواقع التواصل لديها تمويل خفي، ولا أن كل انتشار وراءه جهة منظمة، لكن غموض التمويل يصبح مسألة تستحق الفحص عندما يتحول تجمع رقمي إلى منصة واسعة التأثير، والشفافية هنا لا تعني التضييق على المجتمع الرقمي، وإنما تعني حماية المستخدم نفسه من الاستغلال.
العالم سبق أن واجه هذا النوع من التأثير:
هذه المخاوف ليست خيالًا نظريًا، فقد أُعلن خلال السنوات الماضية عن إزالة شبكات استخدمت حسابات وصفحات ومجموعات للتأثير في الرأي العام، ومن بينها عمليات مرتبطة بمصر والإمارات والسعودية. لكن يجب التأكيد مرة أخرى: وجود هذه الظاهرة عالميًا لا يعني أن جروب قاع الهامور جزء منها حتى الآن.
فالفرق كبير بين أن نقول: هذا الجروب تديره جهة مشبوهة، وبين أن نقول: هذه الظاهرة تكشف إمكانية استغلال المجتمعات الرقمية إذا توافرت لها جهة منظمة وهدف واضح. الأولى تحتاج إلى دليل، أما الثانية فهي قضية تستحق الدراسة والاستعداد.
الفقراء وذوو الاحتياج •• الحلقة الأكثر حساسية:
هذه النقطة في رأيي تستحق اهتمامًا خاصًا. الفقر والاحتياج والعوز والبحث عن فرصة ليست عيوبًا في الإنسان، ولكنها ظروف يمكن أن يستغلها البعض. شاب يبحث عن وظيفة، ومواطن يبحث عن فرصة سفر، وأسرة تحتاج إلى مساعدة أو تبحث عن علاج لطفلها أو تبحث عن سكن، وشاب يريد إقامة مشروع صغير، وفتاة تبحث عن عمل، كل هؤلاء قد يكونون أكثر استعدادًا لتصديق الرسالة التي تمنحهم الأمل. وهنا يمكن أن يدخل المحتال أو صاحب المصلحة من أوسع الأبواب.
وقد توجد إعلانات بهذا المضمون، قد يكون الإعلان صحيحًا وقد يكون غير صحيح، وقد يكون الهدف جمع الأموال أو البيانات أو استغلال حاجة الناس. ولهذا أقول: كلما زادت حاجة الإنسان أصبحت المعلومة بالنسبة إليه أكثر قيمة، وأصبح تضليل هذا الإنسان أكثر خطورة. ولذلك فإن حماية الفئات الأكثر احتياجًا من التضليل الرقمي يجب ألا تكون عملًا هامشيًا، وإنما جزءًا من منظومة الحماية الاجتماعية نفسها.
الأمن القومي يبدأ من حماية الثقة:
الأمن القومي في مفهومه الحديث لم يعد مقصورًا على حماية الحدود والمنشآت وتوفير المعلومات العسكرية. الأمن القومي هو أيضًا حماية الإنسان وحماية المجتمع وحماية الثقة وحماية الوعي.
ومن واقع خبرتي أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس مجرد اختلاف الناس في الرأي، وإنما أن يفقد المواطن القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، وأن يفقد ثقته في كل شيء حوله. فإذا استطاع أحد أن يقنع المواطن بأن كل شيء كذب، وأن كل مؤسسة لا يمكن الوثوق بها، وأن كل خبر مؤامرة، وأن الجميع فاسدون، فقد أحدث خللًا في المجتمع دون أن يطلق رصاصة واحدة. وهنا تكمن خطورة عمليات التأثير الحديثة، فهي لا تستهدف الأرض فقط، بل قد تستهدف عقل الإنسان وثقته ومشاعره وقدرته على اتخاذ القرار.
من التأثير الإعلامي إلى التأثير في الإدراك الجمعي:
في الماضي كان من يريد التأثير في مجتمع يحتاج إلى صحيفة أو إذاعة أو قناة تلفزيونية. اليوم يمكن لفكرة صغيرة أن تبدأ من هاتف، وهذا التطور غيّر قواعد اللعبة، فالتأثير لم يعد يعتمد فقط على امتلاك وسيلة إعلامية واسعة الانتشار، وإنما على القدرة على فهم الجمهور ومخاطبة مشاعره واختيار التوقيت المناسب وتكرار الرسالة بالشكل الذي يجعلها تنتشر. وهنا يظهر مفهوم مهم: التأثير في الإدراك الجمعي، أي التأثير في الطريقة التي يرى بها الناس الأحداث، وكيف يفسرونها، وكيف يحكمون عليها، وكيف يتخذون مواقفهم منها.
وأرى أن هذا الجانب تحديدًا يجب أن يحظى باهتمام أكبر في الدراسات الاستراتيجية المصرية والعربية خلال السنوات المقبلة.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة وخطر:
دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى عالم المحتوى، وأصبح بإمكان المستخدم صناعة صورة أو فيديو أو صوت بصورة يصعب أحيانًا على المواطن العادي اكتشاف حقيقتها. وهذا باب واسع للإبداع، ولكنه في الوقت نفسه باب آخر للتضليل. صورة مفبركة قد تشعل غضبًا، وفيديو غير حقيقي قد يشوه شخصية، وصوت مركب قد ينسب كلامًا إلى مسؤول أو شخصية عامة، ومعلومة مصطنعة قد تنتشر في دقائق. لكن المسؤولية لا تقع على المنصات وحدها، فالمواطن نفسه أصبح جزءًا من منظومة الحماية، فقد أصبح التحقق قبل النشر مسؤولية أخلاقية ووطنية.
لا نحارب الترند بل نفهم قوته وتأثيره:
من الخطأ أن يكون رد فعلنا على كل ظاهرة رقمية هو المنع أو التخويف، ومن الخطأ أيضًا أن نعتبر كل سخرية مؤامرة، وكل نقد تهديدًا، وكل مجموعة رقمية خطرًا. المطلوب هو الفهم والتحليل: لماذا انتشرت؟ ومن هم جمهورها؟ وما نوع المحتوى الذي يجذب الناس؟ وما الموضوعات التي تحقق أعلى تفاعل؟ وهل هناك انتقال مفاجئ من الترفيه إلى السياسة؟ وهل تتكرر الرسائل نفسها من حسابات مختلفة؟ وهل تظهر أنماط غير طبيعية في التفاعل؟ وهل يتم توجيه الناس إلى منصات أخرى؟ وهل توجد روابط مالية أو تجارية غير واضحة؟
هذه الأسئلة تساعدنا على التمييز بين مجتمع رقمي طبيعي وبين محاولة منظمة للتأثير والتوجيه.
ماذا نريد من الدولة؟
نحن لا نحتاج إلى دولة تلاحق كل ترند، بل نحتاج إلى دولة تمتلك القدرة على فهم وتحليل الظواهر الرقمية ورصدها وفق القانون. وأقترح في هذا الإطار التفكير في إنشاء منظومة وطنية للوعي والأمن المعلوماتي، لا تكون مهمتها مراقبة المواطن، وإنما دراسة الظواهر الرقمية واسعة الانتشار وتحليل أنماط التضليل والتأثير ودعم الجهات المعنية بالمعلومات والدراسات اللازمة لاتخاذ القرار. نحتاج إلى دراسات مستمرة للرأي العام الرقمي، ونحتاج إلى فهم التحولات المفاجئة في المزاج المجتمعي، ونحتاج إلى تعاون بين المؤسسات المعنية والإعلام والجامعات ومراكز البحوث والمتخصصين في التكنولوجيا، ونحتاج إلى قواعد واضحة تفرق بين الآتي: حرية التعبير المشروعة والتضليل المتعمد والاحتيال والتحريض وتزييف الحقائق والتلاعب المنظم بالرأي العام. فالخلط بين هذه الأمور قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
التربية الإعلامية أصبحت ضرورة وليست رفاهية:
لم يعد كافيًا أن يتعلم الطالب القراءة والكتابة، يجب أن يتعلم أيضًا كيف يقرأ الخبر، وكيف يعرف المصدر، وكيف يفرق بين الزيف والحقيقة، وكيف يكتشف الحسابات الرقمية المزيفة، وكيف يتعامل مع الصور والفيديوهات، وكيف يعرف أن كثرة المشاركات لا تعني صحة المعلومة.
فالمواطن الذي يستطيع التحقق من المعلومة هو مواطن أكثر قدرة على حماية نفسه ووطنه، وهنا يجب أن تبدأ التربية من المدرسة وتمتد إلى الجامعة ومراكز الشباب والإعلام والأسرة.
توصيات لحماية المجتمع المصري والعربي:
١- بناء منظومة وطنية للوعي والأمن المعلوماتي: تضم المتخصصين في الإعلام والأمن السيبراني وعلم الاجتماع والاتصال والاقتصاد والقانون والذكاء الاصطناعي، وتعمل على دراسة الظواهر الرقمية وتأثيراتها وفق إطار قانوني واضح.
٢- بناء وعي رقمي يبدأ من المدرسة: يجب أن تتحول التربية الإعلامية والرقمية إلى جزء أساسي من التعليم، فالطفل الذي يتعلم كيف يتحقق من المعلومة اليوم سيكون مواطنًا أكثر قدرة على حماية نفسه ومجتمعه غدًا.
٣- حماية الشباب: الشباب هم الأكثر استخدامًا للمنصات الرقمية، ولذلك يجب أن تكون لهم برامج توعية حقيقية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب. ليس المطلوب تخويفهم من الإنترنت، بل تعليمهم كيف يستخدمونه لصالحهم.
٤- حماية الفقراء وذوي الاحتياج: يجب أن تكون هناك حملات توعية خاصة بالفئات الأكثر احتياجًا، تحذرهم من إعلانات الوظائف الوهمية والمنح الوهمية والمساعدات الوهمية والقروض غير الحقيقية وعمليات جمع الأموال والبيانات والاستقطاب الهدام وغيرها من الخدمات التي تبدو اجتماعية، وفي الحقيقة لها أغراض أخرى تؤثر على الاستقرار المجتمعي.
٥- بناء شراكة بين الأسرة والمدرسة والإعلام: لا تستطيع مؤسسة واحدة مواجهة هذا التحدي. الأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، والجامعة لها دور، والإعلام له دور، والمؤسسات الدينية والثقافية لها دور، والدولة لها دور، والنتيجة النهائية هي بناء مناعة مجتمعية ضد التضليل.
٦- الشفافية في التمويل والإعلانات: عندما يتحول أي تجمع رقمي إلى منصة ذات تأثير اقتصادي أو سياسي أو دعائي واسع، يجب أن تكون هناك قواعد واضحة وشفافة للتمويل والإعلانات وفق القانون، فالغموض في التمويل يفتح بابًا واسعًا للشائعات والشكوك والاستغلال.
٧- عدم الخلط بين النقد والتهديد: النقد الإيجابي حق، والاختلاف حق، والسخرية في حدود القانون حق، لكن التلاعب المتعمد بالمعلومات والتحريض والاحتيال وتزييف الحقائق والإضرار بالمجتمع أمور مختلفة تمامًا، وهنا يجب أن يكون القانون هو الفيصل في التعامل معها.
رسالة إلى الشباب المصري:
يا شباب مصر، لا تجعلوا الهاتف يقود عقولكم. أنتم لستم مجرد مستخدمين ومتابعين، أنتم مستقبل هذا الوطن. لا تسمحوا لأحد أن يحول غضبكم إلى أداة، ولا احتياجكم إلى سلعة، ولا أحلامكم إلى وسيلة للابتزاز. لا تشاركوا منشورًا لمجرد أن الجميع شاركه، ولا تصدقوا شخصًا لمجرد أنه يمتلك ملايين المتابعين. عدد المتابعين ليس شهادة صدق. كونوا أصحاب عقل يسأل، لا مجرد أصابع تضغط على مشاركة، وقبل أن تضغطوا اسألوا أنفسكم: من أين جاءت هذه المعلومة؟ ومن المستفيد من انتشارها؟ وهل أستطيع التأكد منها؟
ثلاثة أسئلة بسيطة قد تحميك وتحمي غيرك:
(*) رسالة إلى الأسرة المصرية: أيها الآباء والأمهات، لا تحاولوا أن تمنعوا أبناءكم من الإنترنت، فالعالم كله أصبح رقميًا، ولكن علموهم كيف يستخدمونه. تحدثوا معهم، اسألوهم عما يشاهدونه، اعرفوا ما الذي يؤثر فيهم، ولا تجعلوا الفجوة بينكم وبين أبنائكم هي التي تقوم بدور التربية بدلًا منكم.
الرقابة وحدها لا تصنع الوعي، وإنما الحوار والثقة والتربية هي التي تصنع الإنسان الواعي.
(*) رسالة إلى المجتمع العربي: نحن في العالم العربي أمام جيل جديد لم يعد يستقي معلوماته من الصحيفة أو التليفزيون وحدهما. الخبر أصبح يصل إلى المواطن في هاتفه، والصورة أصبحت أقوى من المقال، والفيديو القصير قد يؤثر في دقائق أكثر مما يستطيع مقال طويل أن يفعله. ولهذا فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية أصبحت أكبر من أي وقت مضى. علينا أن نبني مناعة عربية ضد التضليل الرقمي. فالمجتمع الواعي يصعب اختراقه.
(*) رسالة إلى مؤسسات الدولة: لا تنتظروا الأزمة حتى تبدأوا في تحليل الظاهرة. الرصد المبكر أفضل من العلاج المتأخر، والفهم أفضل من المنع، والتوعية أفضل من التخويف، والثقة بين الدولة والمواطن هي أقوى حصانة ضد الشائعات. وكلما حصل المواطن على المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب ضاقت المساحة التي تتركها الشائعة لتنتشر.
في النهاية، من قاع الهامور إلى قاع الوعي، نشير الي أنه قد تنتهي ظاهرة قاع الهامور كما انتهت ظواهر رقمية كثيرة قبلها، وقد تبقى، وقد تظهر بعدها عشرات الظواهر الجديدة بأسماء وأشكال مختلفة، لكن القضية الحقيقية ليست اسم الجروب، القضية هي قوة المجتمع الرقمي الجديد. لقد أصبح من الممكن لفكرة بسيطة أن تصل إلى مئات الآلاف وربما الملايين خلال فترة قصيرة، وهذا في حد ذاته ليس خطرًا، بل قد يكون قوة إيجابية إذا استخدم في الخير، لكن القوة نفسها يمكن أن تتحول إلى خطر إذا استُغلت في التضليل أو الاحتيال أو التحريض أو زعزعة الثقة أو استهداف الفئات الأكثر احتياجًا. ولذلك يجب ألا ننظر إلى هذه الظواهر بعين الخوف، وإنما بعين الوعي والاستعداد. فليس المطلوب أن نخاف من مواقع التواصل، وليس المطلوب أن نمنع الضحك، وليس المطلوب أن نحارب السخرية. المطلوب أن نعرف أين تنتهي السخرية وتبدأ عملية التلاعب، وأين ينتهي النقد ويبدأ التحريض، وأين ينتهي الترفيه ويبدأ الاستغلال، وأين ينتهي الانتشار الطبيعي ويبدأ التأثير المنظم.
هذه هي المعركة الحقيقية، معركة الوعي، فالأمن القومي لا يبدأ فقط من الحدود، وإنما يبدأ من عقل المواطن، والمواطن الواعي هو خط الدفاع الأول عن وطنه.
أما المواطن الذي يصدق كل ما يراه، وينشر كل ما يصله، ويجعل الترند مصدره الوحيد للحقيقة، فقد يتحول دون أن يدري من متلقٍ للمعلومة إلى أداة في يد من صنعها.
ومن هنا أقول: لنحذر من جروب قاع الهامور، لا لأنه خطر في ذاته، وإنما لأن ما بعده قد يكون أخطر إذا لم نتعلم كيف نفهم قوة المجتمعات الرقمية ونحسن التعامل معها. فالمعركة القادمة لن تكون فقط على الأرض، وإنما على الوعي.
ومن يملك وعيه •• يملك قراره.