الأمن في عصر الترند: كيف تواجه وزارة الداخلية المصرية الجرائم المتداولة رقميًا؟
الدراسة تكشف كيف أسهمت وزارة الداخلية في مواجهة جرائم الترند وتعزيز الاستقرار الأمني في مصر

ملاحظات منهجية حول الدراسة
اعتمدت الدراسة على عينة زمنية محددة لرصد جرائم الترند، شملت شهري أغسطس وسبتمبر 2025، ومقارنتها بعينة لاحقة شملت شهري مارس وأبريل 2026.
اتخذت الدراسة من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتصريحاته بشأن مستوى الأمن وانخفاض الجريمة في مصر نقطة فاصلة للمقارنة، بهدف رصد اتجاهات الجرائم المتداولة رقميًا خلال فترتين قبل هذه التصريحات وبعدها، دون افتراض وجود علاقة سببية مباشرة بين التصريحات وحجم الجرائم المرصودة.
اعتمدت الدراسة على الرصد اليدوي الذي أجراه فريق العمل، من خلال المتابعة اليومية للصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية، وحصر الوقائع والبيانات المتعلقة بالجرائم التي جرى تداولها عبر المنصات الرقمية.
ولتوسيع نطاق الرصد وعدم قصره على البيانات الرسمية، أجرى فريق العمل مسحًا لعدد من المواقع الإخبارية المصرية التي اهتمت بتغطية الحوادث والقضايا المتداولة، من بينها: القاهرة 24، وتليجراف مصر، ومصراوي، وبصراحة، والوطن.
تعاملت الدراسة مع الأرقام باعتبارها مؤشرًا لجرائم الترند والوقائع المرصودة خلال العينة الزمنية، وليس باعتبارها حصرًا شاملًا لجميع الجرائم الواقعة في مصر أو بديلًا عن الإحصاءات الجنائية الرسمية.
خضعت الوقائع المرصودة لعملية تصنيف ومراجعة وفق نوع الجريمة، وموقعها الجغرافي، ومدى تداولها رقميًا، مع فصل الادعاءات التي ثبت عدم صحتها عن الجرائم والوقائع الفعلية.
– وضع فكرة الدراسة وحررها.. د.أبوالفضل الإسناوي
– أعد الدراسة.. باحث رئيسي رضوى محمد- باحث معاون سناء عوض الله
يُعد الاستقرار والأمن من المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية في الدول، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، إذ لا يقتصر أثر استقرار البيئة الأمنية على خفض معدلات الجريمة وملاحقة مرتكبيها، وإنما يمتد إلى دعم النشاط الاقتصادي، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز حركة السياحة، وترسيخ شعور المواطنين بالأمان والثقة في مؤسسات الدولة. ومن ثم، تمثل كفاءة المنظومة الأمنية أحد المؤشرات المهمة على قدرة الدولة على ترسيخ الاستقرار المجتمعي والتعامل مع المتغيرات التي تطرأ على طبيعة الجريمة وأنماطها.
وفي هذا الإطار، لم تتوان وزارة الداخلية المصرية عن بذل الجهود لنشر الأمن والأمان داخل المجتمع، سواء من خلال الانتشار الأمني وملاحقة مرتكبي الجرائم، أو عبر التحرك الاستباقي تجاه البؤر الإجرامية، أو من خلال تطوير آليات الرصد والمتابعة والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة. فالجريمة، باعتبارها سلوكًا بشريًا سلبيًا، لا يخلو منها مجتمع، كما أنها لا تظل على صورة واحدة، إذ ترتبط كل مرحلة بتحولات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية تؤدي إلى ظهور أنماط جديدة من الجرائم.
ومن أبرز التحولات التي شهدتها الفترة الأخيرة انتشار ما يمكن وصفه بـ “جرائم الترند”، وهي الوقائع والجرائم التي تنتقل من نطاقها الجغرافي المحدود إلى المجال العام من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، فتحظى بمعدلات مرتفعة من المشاهدة والتفاعل، وقد يصبح مرتكبو بعضها أنفسهم باحثين عن الشهرة والانتشار وتحقيق الأرباح من المحتوى المتداول.
وأصبحت العلاقة بين الجريمة ومواقع التواصل الاجتماعي أكثر تعقيدًا؛ فبعض الجرائم يتم تصويرها أثناء وقوعها، وبعضها يُكتشف من خلال فيديو متداول، وفي حالات أخرى يكون الهدف من السلوك نفسه صناعة محتوى مثير يحقق انتشارًا واسعًا. وفي المقابل، ظهرت ادعاءات كاذبة ووقائع غير صحيحة يتم تداولها على أنها جرائم حقيقية، سواء بهدف زيادة المشاهدات وتحقيق الأرباح أو لأغراض أخرى.
وفي مواجهة هذا التحول، برزت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية باعتبارها إحدى الأدوات المهمة في التعامل مع “الشارع الرقمي”، ولم يعد دورها مقتصرًا على نشر البيانات الأمنية التقليدية، وإنما تحولت إلى منصة للتفاعل مع ما يتم تداوله من شكاوى ومقاطع فيديو ووقائع، والإعلان عن نتائج الفحص وكشف الملابسات وضبط مرتكبي الجرائم.
وأسهمت هذه الآلية في تقليص الفترة الزمنية بين انتشار الواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي والتعامل الأمني معها، كما أصبحت الصفحة الرسمية مصدرًا للمعلومة في مواجهة الروايات المتعددة التي قد تصاحب انتشار أي فيديو أو واقعة. وفي العديد من الحالات، أصبح المواطن يتابع الواقعة منذ لحظة انتشارها، ثم بيان حقيقة ما حدث، وصولًا إلى الإعلان عن ضبط الجاني واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
ومن هنا، فإن أهمية الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية لا ترتبط فقط بنشر أخبار ضبط مرتكبي الجرائم، وإنما تمتد إلى المساهمة في ضبط المجال العام نفسه؛ لأن سرعة إعلان حقيقة الواقعة تقلل من مساحة الشائعة، كما أن سرعة ضبط الجاني تحمل رسالة ردع مفادها أن انتشار فيديو الجريمة لا يوفر حماية لمرتكبها، وإنما قد يصبح الفيديو نفسه وسيلة للوصول إليه.
وقد اكتسبت الحالة الأمنية في مصر اهتمامًا على المستوى الدولي، إذ أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقائه بالرئيس عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ، بالمستوى الأمني في مصر، مشيرًا إلى انخفاض مستوى الجريمة فيها. ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة بالنظر إلى صدوره عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يستدعي التدقيق في دلالاته ومقارنته بالبيانات المتعلقة بالجرائم التي ظهرت خلال فترات الرصد المختلفة.
إلا أن المقارنة تكشف عن مفارقة تحتاج إلى تفسير؛ إذ ارتفع عدد الجرائم والحالات المرصودة خلال شهري مارس وأبريل 2026 مقارنة بشهري أغسطس وسبتمبر 2025، كما ارتفع بصورة أكبر عدد الجرائم التي تحولت إلى ترند.
وهنا ينبغي التمييز بين “ارتفاع معدل الجريمة العام” وبين “ارتفاع عدد جرائم الترند المرصودة”، فالأمران ليسا مترادفين بالضرورة. فقد تتراجع بعض الجرائم شديدة الخطورة، مثل القتل أو السرقة بالإكراه، بينما ترتفع جرائم أو مخالفات أخرى تحظى بتداول واسع على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن زيادة عدد الوقائع التي يتم رصدها قد تعكس في بعض الأحيان تحسن قدرة الأجهزة الأمنية على اكتشاف الجرائم وتلقي الشكاوى، وليس بالضرورة زيادة مماثلة في وقوع الجريمة فعليًا.
كما أن انتشار الهواتف المحمولة وكاميرات المراقبة ومنصات التواصل الاجتماعي جعل عددًا أكبر من الوقائع قابلًا للتصوير والنشر والوصول إلى الأجهزة الأمنية. ومن ثم، فإن الواقعة التي ربما كانت تظل قبل سنوات داخل نطاق شارع أو منطقة محددة، يمكنها اليوم أن تتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام.
ويضاف إلى ذلك الدور الذي تقوم به بعض الصفحات في إعادة نشر الوقائع وتضخيمها. وقد كشف الرصد عن تداول صفحات محسوبة على جماعة الإخوان لعدد من الادعاءات المتعلقة بالشأن الداخلي، بما يطرح بُعدًا آخر لجرائم الترند يتعلق بكيفية توظيف الوقائع أو الادعاءات في التأثير على إدراك الجمهور لمستوى الأمن والاستقرار.
فقد رصدت الدراسة، خلال أغسطس 2025، ستة ادعاءات جرى تداولها عبر صفحات محسوبة على الجماعة، إلى جانب أربعة ادعاءات خلال سبتمبر. ولا يعني ذلك أن جميع المواد التي تنشرها هذه الصفحات كاذبة، إلا أن ثبوت عدم صحة بعض الادعاءات التي جرى تداولها يفرض ضرورة التمييز بين الواقعة الإجرامية الحقيقية وبين إعادة توظيفها إعلاميًا، أو تداول ادعاءات غير صحيحة باعتبارها وقائع ثابتة.
وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى رصد معدلات الجرائم خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2025 وشهري مارس وأبريل 2026، مع توضيح نسب جرائم الترند من إجمالي الحالات المرصودة، ونسب الادعاءات الكاذبة، إلى جانب وضع التصنيفات المختلفة للجرائم وفق القطاعات الجغرافية، فضلًا عن التعرف على دور وزارة الداخلية في الحد من الجريمة وتحسين مستويات الأمن، وسرعة الاستجابة للوقائع المتداولة، ومواجهة الادعاءات، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والاستباق الأمني.
أولًا- قياس المعدلات الشهرية:
يمكن التعرف على مدى انتشار الجرائم المرصودة وجرائم الترند في مصر قبل وبعد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال مقارنة فترتين زمنيتين، مع التأكيد أن المقارنة لا تعني وجود علاقة سببية مباشرة بين التصريح وتغير أعداد الجرائم، وإنما تستهدف التعرف على اتجاهات الرصد خلال الفترتين.
1-1 المعدلات في شهري أغسطس وسبتمبر 2025
إن التعرف على المعدلات خلال هذه الفترة يعطي مؤشرًا قياسيًا عن مستويات الجرائم المرصودة وجرائم الترند قبل تصريح ترامب، وذلك على النحو التالي:
الشكل (1): إجمالي عدد الجرائم وجرائم الترند والادعاءات الكاذبة خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2025

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على موقع وزارة الداخلية.
(-) المعدلات الإجمالية: يشير الشكل (1) إلى أن إجمالي الجرائم والحالات المرصودة في مصر انخفض من نحو 290 حالة في أغسطس 2025 إلى 236 حالة في سبتمبر 2025، أي بتراجع بلغ 54 حالة، بنسبة تصل إلى نحو 18.6%.
ولكن هذا الإجمالي يتضمن جرائم الترند والادعاءات الكاذبة التي دخلت نطاق الرصد. ففي أغسطس 2025، قُدر عدد جرائم الترند بنحو 171 جريمة، بينما انخفض العدد خلال سبتمبر إلى 137 جريمة، أي بتراجع بلغ 34 جريمة، بنسبة تقارب 19.9%.
ويمكن تفسير جانب من هذا التراجع في ضوء سرعة ملاحقة وزارة الداخلية لعدد من الجرائم التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما ترتب على ذلك من ضبط مرتكبيها والإعلان عن الإجراءات القانونية المتخذة بحقهم، بما يعزز عنصر الردع تجاه بعض الأنماط المرتبطة بالبحث عن الشهرة أو تحقيق الأرباح.
كما تضمن الرصد عددًا من الادعاءات الكاذبة، بلغ 16 ادعاءً في أغسطس، مقابل 14 ادعاءً في سبتمبر. وكانت بعض هذه الادعاءات مرتبطة بالسعي إلى رفع نسب المشاهدة وزيادة الأرباح، بينما جرى تداول بعضها الآخر عبر صفحات ذات توجهات سياسية.
وكشف الرصد، خلال أغسطس، عن ستة ادعاءات جرى تداولها عبر صفحات محسوبة على جماعة الإخوان، إلى جانب أربعة ادعاءات خلال سبتمبر. وتكتسب هذه الحالات أهميتها من أن كثافة إعادة نشر الادعاء يمكن أن تمنحه حضورًا واسعًا في المجال الرقمي، حتى قبل التأكد من صحته.
الشكل (2): نسبة جرائم الترند والادعاءات الكاذبة في شهري أغسطس وسبتمبر 2025

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على موقع وزارة الداخلية.
(-) نسب الجرائم: تعمل النسب المئوية على توضيح اتجاه التراجع أو الزيادة بصورة أكثر دقة. ويكشف الشكل (2) أن نسبة جرائم الترند من إجمالي الحالات المرصودة تراجعت بصورة طفيفة من نحو 59% في أغسطس 2025 إلى نحو 58.1% في سبتمبر.
وفي المقابل، ارتفعت نسبة الادعاءات الكاذبة من إجمالي جرائم الترند من نحو 9.4% في أغسطس إلى نحو 10.2% في سبتمبر. وعلى الرغم من انخفاض العدد الفعلي للادعاءات من 16 إلى 14 حالة، فإن انخفاض العدد الإجمالي لجرائم الترند أدى إلى ارتفاع الوزن النسبي للادعاءات الكاذبة.
ويوضح ذلك أن البحث عن الترند لا يرتبط فقط بارتكاب بعض الجرائم أو تصويرها، وإنما يمتد في بعض الحالات إلى صناعة روايات أو ادعاءات غير صحيحة بهدف تحقيق الانتشار، الأمر الذي يفرض ضرورة الفصل بين الجرائم الفعلية وبين الادعاءات التي يجري نفيها بعد الفحص الأمني.
1-2 معدلات الجرائم خلال شهري مارس وأبريل 2026
جاء اختيار هذين الشهرين لقياس اتجاهات الجرائم المرصودة خلال فترة لاحقة لتصريحات ترامب، مع تناول المؤشرات نفسها التي تم الاعتماد عليها خلال شهري أغسطس وسبتمبر، وذلك على النحو التالي:
الشكل (3): إجمالي عدد الجرائم وجرائم الترند والادعاءات خلال شهري مارس وأبريل 2026

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على بيانات الرصد.
(-) المعدلات الإجمالية: يشير الشكل (3) إلى ارتفاع إجمالي الجرائم والحالات المرصودة في مصر من نحو 500 حالة في مارس 2026 إلى 547 حالة في أبريل 2026، بزيادة بلغت 47 حالة، أي بنسبة 9.4%. ويعكس ذلك ارتفاعًا محدودًا نسبيًا في الحجم الكلي للرصد خلال أبريل مقارنة بالشهر السابق.
وبالنظر إلى جرائم الترند تحديدًا، فقد ارتفع عددها من 429 جريمة في مارس إلى 496 جريمة في أبريل، بزيادة بلغت 67 جريمة، أي نحو 15.6%. ويشير ذلك إلى أن الزيادة في أبريل لم تقتصر على إجمالي الحالات المرصودة، وإنما كانت أكثر وضوحًا داخل الجرائم التي تحولت إلى ترند.
وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الحالات المصنفة باعتبارها ادعاءات كاذبة من 43 حالة في مارس إلى 60 حالة في أبريل، بزيادة بلغت 17 حالة، أي نحو 39.5%.
وهذه الزيادة تستحق الانتباه، لأنها تعني أن ارتفاع المحتوى المتعلق بالجريمة على مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن كله ناتجًا عن وقائع إجرامية فعلية، وإنما تضمن نسبة متزايدة من الادعاءات التي ثبت عدم صحتها.
الشكل (4): نسبة جرائم الترند والادعاءات الكاذبة في شهري مارس وأبريل 2026

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على بيانات الرصد.
(-) نسب الجرائم: يوضح الشكل (4) ارتفاع نسبة جرائم الترند من إجمالي الحالات المرصودة من نحو 85.8% في مارس 2026 إلى نحو 90.7% في أبريل 2026، بما يعكس أن الغالبية العظمى من الحالات التي تم رصدها خلال أبريل ارتبطت بجرائم أو وقائع حظيت بتداول واسع وأصبحت موضوعًا للترند.
وعلى مستوى الادعاءات الكاذبة، ارتفعت نسبتها من إجمالي جرائم الترند من نحو 10% في مارس إلى نحو 12.1% في أبريل، وهو ما يشير إلى تنامي حضور الادعاءات الكاذبة داخل المحتوى المتداول الذي يتحول إلى ترند.
وتكتسب هذه النتيجة دلالة مهمة؛ لأن ارتفاع حجم المحتوى المتداول بشأن الجرائم لا يعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في الجريمة الحقيقية، خاصة إذا كان جزء من هذا المحتوى قائمًا على ادعاءات غير صحيحة.
ثانيًا- التوزيع الجغرافي للجرائم:
للتعرف على التوزيع الجغرافي للجرائم، تم تقسيم جمهورية مصر العربية إلى أربعة قطاعات رئيسية: القاهرة الكبرى، وشرق وغرب ووسط الدلتا، والصعيد، والمحافظات الحدودية.
ويتيح هذا التقسيم التعرف على المناطق الأكثر ظهورًا في خريطة جرائم الترند، مع التأكيد أن الأرقام التالية تقيس عدد الجرائم المرصودة وليس معدل الجريمة بالنسبة إلى عدد السكان، وهو تمييز ضروري عند المقارنة بين قطاعات تختلف بصورة كبيرة من حيث الكثافة السكانية.
2-1 التوزيع الجغرافي لجرائم شهري أغسطس وسبتمبر 2025
الشكل (5): رصد رقمي لجرائم الترند في أغسطس 2025

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على موقع وزارة الداخلية.
(*) جرائم أغسطس 2025: يتضح من الشكل (5) أن أغسطس 2025 شهد انتشار جرائم البلطجة والترويع، بواقع 24 جريمة في قطاع شرق وغرب ووسط الدلتا، و16 جريمة في القاهرة الكبرى، مع أعداد محدودة للغاية في الصعيد والمحافظات الحدودية.
كما انتشرت جرائم المحتوى والممارسات غير اللائقة التي ارتبط بعضها بالسعي إلى تحقيق نسب مرتفعة من المشاهدة ومن ثم زيادة الأرباح، خاصة في القاهرة الكبرى، التي سجلت 11 جريمة، تلتها محافظات شرق وغرب ووسط الدلتا بواقع 5 جرائم. كما سجلت جرائم السرقة والنصب 9 جرائم في القاهرة الكبرى، و9 جرائم في محافظات شرق وغرب ووسط الدلتا.
وبالنسبة للجرائم المرورية التي تصدرت الترند، فقد سجلت 12 جريمة في القاهرة الكبرى، و12 جريمة في شرق وغرب ووسط الدلتا. وانتشرت المشاجرات في القاهرة الكبرى بواقع 11 جريمة، مقابل 7 جرائم في شرق وغرب ووسط الدلتا.
ويكشف ذلك عن تركز واضح لجرائم الترند في القاهرة الكبرى والدلتا، مقابل أعداد محدودة في الصعيد والمحافظات الحدودية.
الشكل (6): رصد رقمي لجرائم الترند في سبتمبر 2025

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على موقع وزارة الداخلية.
(*) جرائم سبتمبر 2025: يشير الشكل (6) إلى أن بعض تصنيفات الجرائم سجلت أرقامًا منخفضة خلال سبتمبر مقارنة بالشهر السابق، بينما ارتفعت تصنيفات أخرى.
فقد سجلت القاهرة الكبرى 7 جرائم بلطجة وترويع، مقابل 16 جريمة في أغسطس، بينما سجل قطاع شرق وغرب ووسط الدلتا 5 جرائم، مقابل 24 جريمة في أغسطس.
كما انخفضت جرائم المحتوى غير اللائق في القاهرة الكبرى إلى 3 جرائم، مقارنة بـ11 جريمة خلال أغسطس، وانخفضت في شرق وغرب ووسط الدلتا إلى جريمة واحدة، مقابل 5 جرائم.
وانخفضت جرائم السرقة والنصب إلى 7 جرائم في القاهرة الكبرى مقابل 9 جرائم خلال أغسطس، كما تراجعت إلى 7 جرائم في شرق وغرب ووسط الدلتا مقابل 9 جرائم.
ومن حيث الجرائم المرورية، فقد انخفضت في القاهرة الكبرى إلى 6 جرائم، مقابل 12 جريمة في أغسطس، وفي شرق وغرب ووسط الدلتا إلى 8 جرائم، مقابل 12 جريمة. كما سجل العنف الأسري في قطاع شرق وغرب ووسط الدلتا 3 جرائم.
وفي المقابل، ارتفعت جرائم المشاجرات في القاهرة الكبرى إلى 12 جريمة، مقابل 11 جريمة خلال أغسطس، بينما انخفضت في شرق وغرب ووسط الدلتا إلى 5 جرائم، مقابل 7 جرائم في الشهر السابق. كما ارتفعت قضايا المخدرات في القاهرة الكبرى إلى 7 جرائم، مقارنة بجريمتين فقط خلال أغسطس.
ويتضح من الشكلين (5) و(6) أن جرائم الترند في الصعيد والمحافظات الحدودية ظلت منخفضة بصورة كبيرة مقارنة بالقاهرة الكبرى والدلتا. ففي أغسطس، سجلت أعداد محدودة في المشاجرات والبلطجة والترويع والحوادث المرورية، بينما شهد سبتمبر في قطاع الصعيد ثلاث جرائم للسرقة والنصب، إلى جانب حالة مشاجرة وحالة مرتبطة بالمخدرات.
2-2 التوزيع الجغرافي لجرائم شهري مارس وأبريل 2026
الشكل (7): رصد رقمي لجرائم الترند في مارس 2026

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على بيانات الرصد.
(*) جرائم مارس 2026: يتضح من الشكل (7) أن جرائم الترند تركزت بصورة أساسية في القاهرة الكبرى، بواقع 198 جريمة، تلتها شرق وغرب ووسط الدلتا بواقع 161 جريمة، ثم الصعيد بواقع 60 جريمة، بينما سجلت المحافظات الحدودية أدنى عدد بواقع 10 جرائم.
وبذلك استحوذت القاهرة الكبرى على نحو 46.2% من إجمالي جرائم الترند خلال مارس، مقابل نحو 37.5% لشرق وغرب ووسط الدلتا، ونحو 14% للصعيد، بينما لم تتجاوز المحافظات الحدودية 2.3%.
وفي قطاع شرق وغرب ووسط الدلتا، تصدرت المشاجرات والعنف بواقع 49 جريمة، تلتها المخالفات المرورية بواقع 38 جريمة، ثم الادعاءات الكاذبة بواقع 23 حالة، والسرقة والنصب والاحتيال بواقع 20 جريمة، وأعمال البلطجة والترويع بـ11 جريمة.
كما سجل العنف الأسري 8 جرائم، والمخدرات 5 جرائم، والتحرش 4 جرائم، والممارسات غير اللائقة 3 جرائم. ويشير ذلك إلى تنوع أنماط الجرائم المتصدرة للترند داخل هذا القطاع، مع بروز الجرائم المرتبطة بالمشاجرات والحركة المرورية بصورة خاصة.
أما القاهرة الكبرى، فقد جاءت المشاجرات والعنف في مقدمة جرائم الترند بواقع 50 جريمة، تلتها المخالفات المرورية بواقع 37 جريمة، ثم السرقة والنصب والاحتيال بواقع 25 جريمة، وأعمال البلطجة والترويع بواقع 24 جريمة، والممارسات غير اللائقة بواقع 17 جريمة، والمخدرات بواقع 14 جريمة، والادعاءات الكاذبة بواقع 13 حالة، والتحرش بواقع 10 جرائم، والعنف الأسري بواقع 8 جرائم.
ويكشف ذلك عن ارتفاع تنوع الجرائم المتداولة في القاهرة الكبرى، مع احتفاظ الجرائم المرتبطة بالعنف والمشاجرات بالموقع الأبرز خلال مارس.
وفي قطاع الصعيد، سجلت المخالفات المرورية 11 جريمة، وأعمال البلطجة والترويع 10 جرائم، والمشاجرات والعنف 10 جرائم، بينما بلغت الادعاءات الكاذبة 7 حالات، والسرقة والنصب والاحتيال 7 جرائم، والعنف الأسري 5 جرائم، والتحرش 4 جرائم، والممارسات غير اللائقة 4 جرائم، والمخدرات جريمتين.
أما المحافظات الحدودية، فقد سجلت معدلات محدودة للغاية، إذ بلغ عدد جرائم الترند بها 10 جرائم فقط، توزعت بين المخالفات المرورية بواقع 6 جرائم، وأعمال البلطجة والترويع بواقع جريمة واحدة، والمشاجرات والعنف بواقع جريمتين، والممارسات غير اللائقة بواقع جريمة واحدة.
وعند تجميع التصنيفات على مستوى القطاعات الأربعة، يتضح أن المشاجرات والعنف تصدرت جرائم الترند في مارس بواقع 111 جريمة، تلتها المخالفات المرورية بواقع 92 جريمة، ثم السرقة والنصب والاحتيال بواقع 52 جريمة، وأعمال البلطجة والترويع بواقع 46 جريمة، والادعاءات الكاذبة بواقع 43 حالة.
الشكل (8): رصد رقمي لجرائم الترند في أبريل 2026

المصدر: من إعداد الباحثة بالاعتماد على بيانات الرصد.
(*) جرائم أبريل 2026: يشير الشكل (8) إلى استمرار تصدر القاهرة الكبرى للتوزيع الجغرافي لجرائم الترند، إذ ارتفع العدد من 198 جريمة في مارس إلى 230 جريمة في أبريل، بزيادة بلغت 32 جريمة، أي نحو 16.2%.
كما ارتفعت جرائم الترند في شرق وغرب ووسط الدلتا من 161 جريمة في مارس إلى 187 جريمة في أبريل، بزيادة بلغت 26 جريمة، أي نحو 16.1%. وارتفعت في الصعيد من 60 إلى 70 جريمة، بزيادة بلغت 10 جرائم، أي نحو 16.7%، بينما تراجعت بصورة طفيفة في المحافظات الحدودية من 10 جرائم إلى 9 جرائم.
وبذلك سجلت القاهرة الكبرى نحو 46.4% من إجمالي جرائم الترند خلال أبريل، وشرق وغرب ووسط الدلتا نحو 37.7%، والصعيد نحو 14.1%، والمحافظات الحدودية نحو 1.8%.
وفي شرق وغرب ووسط الدلتا، تصدرت المخالفات المرورية بواقع 45 جريمة، تلتها المشاجرات والعنف بواقع 38 جريمة، ثم الادعاءات الكاذبة بواقع 26 حالة، والعنف الأسري بواقع 23 جريمة، والسرقة والنصب والاحتيال بواقع 20 جريمة، وأعمال البلطجة والترويع بواقع 17 جريمة. كما سجل التحرش 7 جرائم، والمخدرات 6 جرائم، والممارسات غير اللائقة 5 جرائم.
ويُلاحظ بصورة خاصة ارتفاع العنف الأسري في هذا القطاع من 8 جرائم خلال مارس إلى 23 جريمة في أبريل، بزيادة واضحة تستحق الانتباه عند تحليل التحولات الداخلية في أنماط الجرائم المتصدرة للترند.
أما القاهرة الكبرى، فقد تصدرت بها المخالفات المرورية بواقع 61 جريمة، تلتها المشاجرات والعنف بواقع 37 جريمة، وأعمال البلطجة والترويع بواقع 37 جريمة، ثم السرقة والنصب والاحتيال بواقع 29 جريمة، والادعاءات الكاذبة بواقع 25 حالة، والممارسات غير اللائقة بواقع 18 جريمة، والتحرش بواقع 8 جرائم، والمخدرات بواقع 8 جرائم، والعنف الأسري بواقع 7 جرائم.
وبالمقارنة بمارس، ارتفعت أعمال البلطجة والترويع في القاهرة الكبرى من 24 جريمة إلى 37 جريمة، كما ارتفعت السرقة والنصب والاحتيال من 25 إلى 29 جريمة، بينما تراجعت المشاجرات والعنف من 50 إلى 37 جريمة.
وفي الصعيد، تصدرت المخالفات المرورية بواقع 20 جريمة، تلتها أعمال البلطجة والترويع بواقع 14 جريمة، والسرقة والنصب والاحتيال بواقع 12 جريمة، والمشاجرات والعنف بواقع 9 جرائم، بينما بلغت الادعاءات الكاذبة 8 حالات، والعنف الأسري 3 جرائم، والتحرش جريمتين، والمخدرات جريمة واحدة، والممارسات غير اللائقة جريمة واحدة.
وفي المقابل، ظلت المحافظات الحدودية عند مستويات منخفضة، إذ سجلت 9 جرائم ترند فقط، كان أبرزها التحرش بواقع 3 جرائم، إلى جانب جريمتين للمخالفات المرورية، وجريمتين لأعمال البلطجة والترويع، وجريمة واحدة للمشاجرات والعنف، وحالة ادعاء كاذب.
وبالمقارنة بين الشكلين (7) و(8)، يتضح أن أبريل شهد تغيرًا في توزيع جرائم الترند وأنماطها مقارنة بمارس؛ إذ ارتفعت الجرائم في القاهرة الكبرى من 198 إلى 230 جريمة، وفي شرق وغرب ووسط الدلتا من 161 إلى 187 جريمة، وفي الصعيد من 60 إلى 70 جريمة، بينما تراجعت بصورة طفيفة في المحافظات الحدودية من 10 إلى 9 جرائم.
كما تغيرت طبيعة الجرائم الأكثر حضورًا؛ ففي مارس تصدرت المشاجرات والعنف إجمالي جرائم الترند، بينما تصدرت المخالفات المرورية في أبريل. فعلى مستوى القطاعات الأربعة مجتمعة، ارتفعت المخالفات المرورية من 92 جريمة في مارس إلى 128 جريمة في أبريل، بزيادة بلغت نحو 39.1%.
كما ارتفعت أعمال البلطجة والترويع من 46 إلى 70 جريمة، بزيادة بلغت نحو 52.2%، وارتفعت السرقة والنصب والاحتيال من 52 إلى 61 جريمة، بزيادة نحو 17.3%.
وسجل العنف الأسري واحدة من أعلى نسب الزيادة، إذ ارتفع من 21 جريمة في مارس إلى 33 جريمة في أبريل، بزيادة بلغت نحو 57.1%. كما ارتفعت الادعاءات الكاذبة من 43 إلى 60 حالة، بنسبة زيادة بلغت نحو 39.5%.
وفي الاتجاه المقابل، تراجعت المشاجرات والعنف من 111 جريمة في مارس إلى 85 جريمة في أبريل، بانخفاض بلغ نحو 23.4%، كما تراجعت جرائم المخدرات من 21 إلى 15 جريمة، والممارسات غير اللائقة من 25 إلى 24 جريمة، بينما ارتفع التحرش بصورة محدودة من 18 إلى 20 جريمة.
وبالتالي، يمكن القول إن التحول الأبرز خلال فترة الرصد، وتحديدًا شهري مارس وأبريل 2026، لا يتمثل فقط في زيادة عدد جرائم الترند من 429 جريمة في مارس إلى 496 جريمة في أبريل، وإنما في تغير تركيبتها الداخلية؛ إذ أصبحت المخالفات المرورية أكثر حضورًا خلال أبريل، بالتزامن مع زيادة واضحة في أعمال البلطجة والترويع والسرقة والعنف الأسري والادعاءات الكاذبة، بينما تراجعت المشاجرات والعنف وجرائم المخدرات والممارسات غير اللائقة.
ويعكس ذلك أن خريطة الجرائم التي تتحول إلى ترند ليست ثابتة، وإنما تتغير وفق طبيعة الوقائع التي تحظى بالتفاعل والانتشار خلال كل فترة رصد.
2-3 دلالات التوزيع الجغرافي: أين تتركز جرائم الترند؟
تكشف الأرقام بصورة واضحة عن أن القاهرة الكبرى وشرق وغرب ووسط الدلتا تمثلان النطاق الجغرافي الأكثر ظهورًا في جرائم الترند.
ففي مارس، سجلت القاهرة الكبرى 198 جريمة من إجمالي 429 جريمة، بنسبة 46.2%، وجاءت شرق وغرب ووسط الدلتا في المرتبة الثانية بـ161 جريمة، بنسبة 37.5%. وبذلك استحوذ القطاعان معًا على 359 جريمة، أي نحو 83.7% من إجمالي جرائم الترند خلال الشهر.
وفي أبريل، سجلت القاهرة الكبرى 230 جريمة من إجمالي 496 جريمة، بنسبة 46.4%، بينما سجل قطاع شرق وغرب ووسط الدلتا 187 جريمة، بنسبة 37.7%. واستحوذ القطاعان معًا على 417 جريمة، أي نحو 84.1% من إجمالي جرائم الترند.
وفي المقابل، جاء الصعيد في المرتبة الثالثة بـ60 جريمة في مارس و70 جريمة في أبريل، بينما ظلت المحافظات الحدودية الأقل تسجيلًا، بواقع 10 جرائم في مارس و9 جرائم في أبريل.
وتشير هذه الأرقام إلى أن أكثر من أربعة أخماس جرائم الترند المرصودة خلال شهري مارس وأبريل تركزت في القاهرة الكبرى والدلتا.
إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن القاهرة الكبرى والدلتا تسجلان أعلى “معدل جريمة” في مصر؛ لأن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب حساب عدد الجرائم بالنسبة إلى عدد السكان في كل قطاع. وما تسمح به بيانات الدراسة هو القول إن القاهرة الكبرى والدلتا هما الأعلى من حيث الحجم المطلق لجرائم الترند المرصودة.
وقد يرتبط ذلك بعدة عوامل، من بينها الكثافة السكانية المرتفعة، وحجم الحركة اليومية، وكثافة استخدام الطرق والمواصلات، واتساع استخدام الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي، بما يزيد من فرص تصوير الوقائع وانتشارها وتحولها إلى ترند.
ثالثًا- دلالات ارتفاع جرائم الترند بعد تصريحات ترامب:
بمقارنة المؤشرات خلال الفترتين، يتضح أن إجمالي الجرائم والحالات المرصودة ارتفع من نحو 526 حالة خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2025 إلى 1047 حالة خلال شهري مارس وأبريل 2026، بزيادة بلغت 521 حالة، أي نحو 99%.
كما ارتفعت جرائم الترند من 308 جرائم خلال أغسطس وسبتمبر 2025 إلى 925 جريمة خلال مارس وأبريل 2026، بزيادة بلغت 617 جريمة، أي نحو 200.3%.
وتبدو هذه الزيادة للوهلة الأولى وكأنها تتعارض مع تصريحات ترامب بشأن انخفاض الجريمة وارتفاع مستوى الأمن في مصر، إلا أن القراءة الدقيقة للبيانات تكشف أن الأمرين لا يقيسان الشيء نفسه.
فالرئيس الأمريكي تحدث عن مستوى الأمن العام وانخفاض الجريمة، بينما تتعامل هذه الدراسة مع «جرائم الترند»، أي الوقائع التي تم رصدها وتحولت نسبة كبيرة منها إلى محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن ثم، يمكن أن تتراجع جرائم القتل والسرقة بالإكراه وغيرها من الجرائم شديدة الخطورة، بينما ترتفع في الوقت نفسه مخالفات مرورية أو مشاجرات أو محتويات غير لائقة أو ادعاءات كاذبة يتم تداولها على نطاق واسع.
كما أن زيادة عدد البلاغات أو الوقائع التي يتم التعامل معها قد تعكس في بعض الأحيان تحسن قدرة الأجهزة الأمنية على اكتشاف الجرائم وتلقي الشكاوى ورصد ما يتم نشره على الإنترنت، وليس بالضرورة زيادة مماثلة في وقوع الجريمة فعليًا.
كما لا يمكن تجاهل التحول الرقمي الذي طرأ على البيئة الاجتماعية؛ فمعظم المواطنين أصبحوا يحملون هواتف مزودة بكاميرات، وانتشرت كاميرات المراقبة في الشوارع والمنشآت، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية. ونتيجة لذلك، أصبحت نسبة أكبر من الوقائع مرئية وقابلة للتداول.
ومن هنا، فإن تنامي حضور “جرائم الترند” لا يعني بالضرورة ارتفاع معدل الجريمة بالصورة نفسها، وإنما يعكس جانبًا من التحول في أنماط ارتكاب الجريمة، إلى جانب التطور الكبير في آليات رصدها وكشفها وسرعة تداولها إعلاميًا.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في كثافة إعادة النشر. فالواقعة الواحدة يمكن أن يتم تداولها عبر عشرات أو مئات الحسابات، بما يجعل حضورها في المجال العام أكبر كثيرًا من حجمها الفعلي.
وهنا يظهر دور بعض الصفحات ذات التوجه السياسي، ومنها الصفحات المحسوبة على جماعة الإخوان، التي رصدت الدراسة تداول بعضها لادعاءات مرتبطة بالأوضاع الداخلية.
ففي أغسطس 2025، تم رصد ستة ادعاءات جرى تداولها عبر هذه الصفحات، مقابل أربعة ادعاءات خلال سبتمبر. وتكشف هذه الحالات أن التأثير في الشعور العام بالأمن لا يرتبط فقط بعدد الجرائم التي تقع بالفعل، وإنما كذلك بكيفية عرضها وإعادة نشرها وتقديمها للجمهور.
فقد يتم التعامل مع واقعة فردية باعتبارها مؤشرًا على حالة عامة، أو إعادة نشر مقطع قديم في سياق جديد، أو تداول ادعاء قبل التحقق منه، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى خلق صورة ذهنية مختلفة عن الواقع الفعلي.
ومن ثم، فإن أحد أبعاد الصراع على الاستقرار أصبح يدور داخل المجال المعلوماتي نفسه، وهو ما يزيد من أهمية قدرة مؤسسات الدولة على سرعة تقديم المعلومات الصحيحة وكشف حقيقة الادعاءات.
رابعًا- دور وزارة الداخلية:
أوضحت جهود وزارة الداخلية فعاليتها في التعامل مع أشكال مختلفة من الجرائم، سواء من خلال التواصل المباشر مع المواطنين، أو سرعة الاستجابة، أو التحرك الاستباقي، أو الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، وذلك على النحو التالي:
(#) التواصل الفعال مع المواطنين: عملت وزارة الداخلية على تحويل صفحتها الرسمية على الإنترنت إلى منصة للتواصل مع المواطنين، وتلقي ومتابعة البلاغات والشكاوى والمقاطع المتداولة، والإعلان عن نتائج الفحص وضبط المتهمين.
ولعب هذا التحول دورًا مهمًا في تقليل المسافة بين وقوع الجريمة والتحرك تجاهها، إذ لم يعد الأمر يتوقف فقط على تقدم المواطن ببلاغ إلى قسم الشرطة، وإنما يمكن أن يبدأ التحرك من خلال رصد فيديو متداول أو شكوى منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما عزز الإعلان الفوري عن نتائج التحقيقات وضبط المتهمين من ثقة المجتمع في المنظومة الأمنية، خاصة أن المواطن الذي يشاهد فيديو لجريمة على مواقع التواصل يمكنه، في حالات كثيرة، متابعة ما اتخذته الأجهزة الأمنية بشأنها بعد فترة قصيرة.
وأصبحت الصفحة الرسمية للوزارة تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي من ناحية تكشف نتائج التعامل الأمني مع الجريمة، ومن ناحية أخرى تكشف حقيقة الادعاءات الكاذبة التي يتم تداولها.
وهو ما يعني أن دور الصفحة تجاوز مجرد الإعلام الأمني، ليصبح جزءًا من عملية ضبط الشارع، خاصة أن سرعة ضبط الجاني والإعلان عن ذلك تحقق ردعًا يتجاوز الشخص الذي ارتكب الواقعة إلى كل من يشاهد نتيجة التعامل معها.
(#) سرعة الاستجابة: تمثل سرعة الاستجابة إحدى السمات الرئيسية التي اتصفت بها جهود وزارة الداخلية، خاصة تجاه جرائم الترند التي تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي.
فخلال أغسطس 2025، انتشرت قضايا مرتبطة بأصحاب المحتويات غير اللائقة، وهو ما دفع الوزارة إلى ملاحقة عدد منهم حفاظًا على الأمن المجتمعي والتعامل مع المخالفات التي تم رصدها.
ففي قضية «سوزي الأردنية»، تم الإبلاغ عن القضية في الأول من أغسطس، وفي اليوم التالي مباشرة تم القبض عليها، بما يعكس سرعة الانتقال من مرحلة الرصد إلى اتخاذ الإجراءات القانونية.
وفي قضية أخرى، جرى تداول إعلانات على أحد الحسابات بمواقع التواصل الاجتماعي تضمنت الادعاء بقدرة صاحب الحساب على توفير تأشيرات عمل للمواطنين بالخارج، وتم التعامل مع الواقعة مباشرة عقب تناولها في أحد البرامج التلفزيونية.
وهناك بعض الجرائم التي لم يبدأ التعامل معها من خلال بلاغ مباشر، إلا أن وزارة الداخلية تعاملت معها عقب رصد انتشارها.
ومن ذلك واقعة سائق «توك توك» الذي اعتدى على سيدة بالضرب في محافظة البحيرة، حيث ألقت الشرطة القبض عليه بعد ثمانية أيام من الواقعة، وهو ما حظي باستحسان واسع بين المواطنين، خاصة أن الفيديو المتداول كان أحد العناصر التي أدت إلى انتشار الواقعة.
كما تعاملت وزارة الداخلية بصورة سريعة مع تداول فيديو لتضرر إحدى السيدات من مالك كشك في حدائق أكتوبر، واتخذت الإجراءات الرسمية بشأن الواقعة في 22 سبتمبر 2025.
ومن خلال رصد استجابة وزارة الداخلية للجرائم محل الدراسة، يتضح أن سرعة التعامل أصبحت عنصرًا أساسيًا في مواجهة جرائم الترند، وأن عددًا من الوقائع تم التعامل معه خلال فترة قصيرة من انتشار الفيديو أو المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتكتسب سرعة الاستجابة أهمية مضاعفة في هذا النوع من الجرائم؛ لأنها لا تحقق فقط ضبط مرتكب الواقعة، وإنما تمنع كذلك بقاء الحدث لفترة طويلة دون رواية رسمية، وهي الفترة التي يمكن أن تنتشر خلالها معلومات أو تفسيرات غير دقيقة.

(#) الاستباق الأمني: تعمل آلية الاستباق الأمني لدى وزارة الداخلية على مواجهة بعض الجرائم قبل وصول آثارها إلى الشارع، وذلك من خلال توجيه حملات أمنية مكثفة إلى البؤر الإجرامية وتجار المخدرات والأسلحة.
ويسهم استهداف مصادر النشاط الإجرامي في تجفيف منابع الجريمة، خاصة في الجرائم المنظمة التي لا تبدأ عند لحظة بيع المخدر أو استخدام السلاح، وإنما تسبقها شبكات للجلب والتخزين والتوزيع.
وفي جرائم المخدرات، تعمل وزارة الداخلية على استراتيجية تقوم على رصد الشحنات وضبطها قبل تسريبها إلى الأسواق، خاصة خلال المواسم والمناسبات التي قد يستغلها المهربون لزيادة نشاطهم.
ويوضح ذلك ما جرى في 17 مايو 2026، عندما وجهت وزارة الداخلية مجموعة من الضربات الاستباقية إلى بؤر إجرامية تضم جالبي ومتجري المواد المخدرة والأسلحة النارية غير المرخصة.
فقد أكدت معلومات وتحريات قطاعي الأمن العام ومكافحة المخدرات والأسلحة والذخائر غير المرخصة، بالتنسيق مع أجهزة الوزارة المعنية، قيام بؤر إجرامية بنطاق عدد من المحافظات، تضم عناصر جنائية شديدة الخطورة، بجلب كميات من المواد المخدرة والأسلحة النارية غير المرخصة تمهيدًا للاتجار بها.
وعقب تقنين الإجراءات، تم استهداف هذه البؤر بمشاركة قطاع الأمن المركزي، وأسفر التعامل عن مصرع عنصر جنائي شديد الخطورة، سبق اتهامه والحكم عليه بالسجن في جنايات تتعلق بالاتجار بالمخدرات والسرقة بالإكراه وإطلاق الأعيرة النارية، وذلك بنطاق محافظة الدقهلية، إلى جانب ضبط باقي عناصر تلك البؤر.
وضُبط بحوزتهم قرابة 700 كيلو جرام من المواد المخدرة المتنوعة، شملت الحشيش والشابو والآيس والبودر والهيروين والهيدرو، بالإضافة إلى كمية من الأقراص المخدرة و145 قطعة سلاح ناري متنوعة، فيما قُدرت القيمة المالية للمواد المخدرة المضبوطة بنحو 84 مليون جنيه.
وتحليلًا لذلك، يمكن القول إن الحد من ترويج المخدرات داخل الدولة يمثل أحد المحاور المهمة للحد من أنماط متعددة من الجريمة، بالنظر إلى العلاقة بين تعاطي المواد المخدرة وبعض صور العنف والسلوك الإجرامي.
ومن ثم، فإن استهداف مصادر المخدرات والأسلحة يمثل انتقالًا من التعامل مع نتائج الجريمة إلى العمل على تجفيف جزء من منابعها قبل وصولها إلى المجتمع.
(#) الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة: استطاعت وزارة الداخلية المصرية تبني عدد من الحلول التكنولوجية عالية التقنية في مجال مكافحة الجرائم، إذ اعتمدت على تطوير منظومة جمع وتحليل المعلومات، فضلًا عن مواجهة الجرائم الإلكترونية من خلال تطوير الوحدات المتخصصة لمباحث الإنترنت ورصد الأنشطة الإجرامية عبر الفضاء الإلكتروني.
كما توسع الاعتماد على التطبيقات التكنولوجية في تحليل البيانات ودعم مراكز العمليات الأمنية وتحسين كفاءة المراقبة والرصد، وهو ما يتناسب مع طبيعة الجرائم الحديثة التي أصبح جزء كبير منها يترك أثرًا رقميًا يمكن تتبعه.
وتتزايد أهمية هذه الأدوات مع توسع جرائم الاحتيال الإلكتروني وانتحال الشخصية والتزوير والابتزاز وغيرها من الجرائم التي تستخدم البيئة الرقمية.
كما يساهم استخدام تقنيات التحقق البيومتري والتعرف على الهوية في تقليل فرص انتحال الشخصية والتزوير الإلكتروني، إلى جانب دعم عمليات التحقق من الأشخاص وربط البيانات بصورة أكثر سرعة ودقة.
ولا تقتصر أهمية التكنولوجيا على الجرائم الإلكترونية فقط، وإنما تمتد إلى تحليل البيانات المتعلقة بالأنماط الإجرامية والمناطق التي تتكرر بها بعض الوقائع، بما يدعم توجيه الجهود الأمنية بصورة أكثر كفاءة.
خامسًا- معدل الجريمة ومستوى الأمان في مصر مقارنة بدول أخرى:
الشكل (9): معدل الجريمة العام ومستوى الأمان في مصر مقارنة بدول أخرى في عام 2026

المصدر: قاعدة البيانات نومبيو
وفقًا للبيانات المستخدمة في الدراسة، بلغ مؤشر الجريمة في مصر نحو 46.4 نقطة، بينما بلغ مؤشر الأمان 53.6 نقطة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، بلغ مؤشر الجريمة نحو 49.2 نقطة، مقابل مؤشر أمان بلغ 50.8 نقطة. وفي المملكة المتحدة، بلغ مؤشر الجريمة نحو 48.3 نقطة، مقابل مؤشر أمان بلغ 51.7 نقطة. أما في إيطاليا، فبلغ مؤشر الجريمة نحو 47.3 نقطة، مقابل مؤشر أمان بلغ 52.7 نقطة.
وبالتالي، تشير الأرقام وفق منهجية المؤشر إلى أن مصر سجلت مستوى أمان أعلى من الدول الثلاث الواردة في المقارنة، وهو ما يتسق من حيث الاتجاه مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مستوى الأمن في مصر.
إلا أنه من الضروري عند الاستناد إلى هذه الأرقام الإشارة إلى أن مؤشر Numbeo يقوم بدرجة أساسية على تصورات ومدركات المشاركين بشأن الجريمة والأمان، ولا يمثل إحصاءً رسميًا لعدد الجرائم المسجلة لدى أجهزة الشرطة في كل دولة.
ومن ثم، يمكن استخدامه باعتباره مؤشرًا مقارنًا للشعور بالأمان، إلى جانب المؤشرات والبيانات الرسمية، وليس باعتباره بديلًا عنها.
خاتمة:
في النهاية، يمكن القول إن التحرك الذي تقوم به وزارة الداخلية المصرية أسهم في تعزيز شعور المواطنين بالأمن داخل الدولة، خاصة مع تطور أدوات التعامل مع الجريمة وانتقال جزء من النشاط الأمني إلى المجال الرقمي، بما يتناسب مع التحولات التي طرأت على طبيعة المجتمع ووسائل الاتصال.
فالدولة تدرك أن انتشار الجريمة لا تقتصر آثاره على الجانب الأمني فقط، وإنما يمتد إلى تأثيرات اجتماعية واقتصادية أوسع. فعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي انتشار الجريمة إلى زيادة الشعور بالخوف وعدم الاستقرار، ويمكن أن يؤثر في ثقة المواطنين في البيئة المحيطة بهم، بينما يعزز نجاح الأجهزة في ضبط مرتكبي الجرائم وتقديمهم للعدالة الشعور بالأمان وسيادة القانون.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمكن أن يؤدي ارتفاع الجريمة إلى التأثير في مناخ الاستثمار والسياحة وحركة الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يجعل الأمن عنصرًا أساسيًا من عناصر التنمية وليس ملفًا منفصلًا عنها.
وقد كشفت الدراسة عن ارتفاع إجمالي الحالات المرصودة من 526 حالة خلال أغسطس وسبتمبر 2025 إلى 1047 حالة خلال مارس وأبريل 2026، أي بزيادة تقارب 99%، كما ارتفعت جرائم الترند من 308 إلى 925 جريمة، بزيادة بلغت نحو 200.3%.
لكن هذه الزيادة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها ارتفاعًا مماثلًا في معدل الجريمة العام في مصر، نظرًا إلى أن الدراسة تقيس الوقائع التي دخلت نطاق الرصد، وخاصة الوقائع المتداولة رقميًا، وليس جميع الجرائم المسجلة على المستوى القومي.
كما تكشف البيانات عن تغير نوعي في خريطة جرائم الترند نفسها؛ إذ تصدرت المشاجرات والعنف خلال مارس 2026، بينما انتقلت الصدارة إلى المخالفات المرورية خلال أبريل. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أعمال البلطجة والترويع والسرقة والعنف الأسري والادعاءات الكاذبة، مقابل تراجع المشاجرات والعنف وجرائم المخدرات والممارسات غير اللائقة.
أما على المستوى الجغرافي، فقد استحوذت القاهرة الكبرى وشرق وغرب ووسط الدلتا على نحو 83.7% من إجمالي جرائم الترند في مارس، ونحو 84.1% في أبريل، بينما ظلت المحافظات الحدودية الأقل ظهورًا في الرصد.
وتكشف هذه النتيجة عن تركز جرائم الترند داخل المناطق الأعلى كثافة سكانية وحركة وتفاعلًا رقميًا، لكنها لا تكفي للقول إن هذه المناطق تسجل أعلى معدل للجريمة بالنسبة إلى السكان.
كما كشفت الدراسة عن تصاعد أهمية الادعاءات الكاذبة داخل خريطة الترند، إذ ارتفعت من 43 حالة في مارس إلى 60 حالة في أبريل، بزيادة بلغت نحو 39.5%. وهنا تظهر إشكالية تتجاوز الجريمة التقليدية إلى الصراع على إدراك الجمهور للأمن.
فالجريمة اليوم لا تتشكل صورتها من الواقعة نفسها فقط، وإنما من حجم إعادة نشرها وطريقة تقديمها والتعليقات المصاحبة لها. وقد تصبح واقعة فردية محدودة أكثر حضورًا من عشرات الوقائع الأخرى بسبب انتشار مقطع مصور لها، كما يمكن لادعاء غير صحيح أن يصل إلى جمهور واسع قبل ظهور نتيجة الفحص الرسمي.
ويزداد هذا الأمر أهمية مع قيام صفحات ذات توجهات سياسية، ومنها بعض الصفحات المحسوبة على جماعة الإخوان، بإعادة نشر وقائع وادعاءات مرتبطة بالأوضاع الداخلية، بما يمكن أن يسهم في تضخيم بعض الأحداث أو توظيفها في تقديم صورة سلبية عن مستوى الاستقرار.
ومن هنا، لم تعد مواجهة الجريمة تتعلق فقط بمنع الفعل الإجرامي وضبط مرتكبه، وإنما أصبحت تتطلب كذلك مواجهة التضليل المصاحب له، وسرعة كشف حقيقة ما يتم تداوله.
وفي هذا السياق، برزت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية باعتبارها إحدى الأدوات المهمة في ضبط المجال العام والرقمي في الوقت نفسه. فسرعة الانتقال من رصد الفيديو إلى فحصه، ثم تحديد أطراف الواقعة وضبط مرتكبها والإعلان عن الإجراءات القانونية، تقلل المساحة الزمنية المتاحة لانتشار الروايات غير الدقيقة، وتعزز في الوقت نفسه الثقة في قدرة الأجهزة الأمنية على الوصول إلى مرتكب الجريمة.
كما أن سرعة الإعلان عن ضبط الجاني تحمل تأثيرًا ردعيًا مهمًا؛ إذ يشاهد الجمهور الجريمة ونتيجة التعامل معها في المجال الرقمي نفسه، وهو ما يجعل المنصات التي قد يستخدمها البعض لتحقيق الشهرة من ارتكاب المخالفات أداة يمكن أن تسهم في كشفهم ومحاسبتهم.
وتؤكد عمليات الاستباق الأمني أن دور وزارة الداخلية لا يقتصر على انتظار وقوع الجريمة، وإنما يمتد إلى استهداف البؤر الإجرامية وشبكات المخدرات والأسلحة قبل وصول نشاطها إلى الشارع، بالتوازي مع توظيف التكنولوجيا الحديثة في الرصد والتحليل ومواجهة الجرائم الإلكترونية.
وبالتالي، فإن التطور الأهم الذي تكشفه الدراسة يتمثل في أن مفهوم الأمن نفسه أصبح أكثر اتساعًا؛ فهناك شارع فعلي تتحرك فيه الأجهزة الأمنية، وشارع رقمي تتشكل داخله صورة هذا الأمن لدى ملايين المواطنين.
والنجاح في التعامل مع جرائم الترند يتطلب السيطرة على المسارين معًا: سرعة ضبط الجريمة على الأرض، وسرعة كشف حقيقتها في المجال الرقمي.
ومن ثم، فإن ارتفاع عدد جرائم الترند لا يمكن قراءته بصورة منفصلة عن زيادة القدرة على رصدها، وسرعة تداولها، وتطور آليات الاستجابة لها. كما أن تصريحات ترامب بشأن مستوى الأمن في مصر لا تعني غياب الجريمة، وإنما ينبغي فهمها في إطار المستوى العام للاستقرار وقدرة الدولة على ضبط الجريمة والتعامل معها.
وتأسيسًا على ذلك، يمكن القول إن أحد أهم مؤشرات كفاءة المنظومة الأمنية في عصر مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد فقط عدد الجرائم التي تقع، وإنما أيضًا مدى سرعة اكتشاف الجريمة، وضبط مرتكبها، وكشف الادعاءات الكاذبة، ومنع توظيف الوقائع الفردية في صناعة صورة غير حقيقية عن مستوى الأمن والاستقرار داخل المجتمع المصري.