لواء دكتور أحمد زغلول يكتب..الشرق الأوسط على مفترق طرق

صراع النفوذ والتهدئة •• وانعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة شديدة الحساسية، فما يجري في غزة لم يعد منفصلاً عن لبنان وإيران، وما يحدث في اليمن يرتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، بينما تقترب تداعيات الحرب في السودان والقرن الإفريقي من المصالح المصرية بصورة مباشرة. ولذلك، فإن قراءة كل أزمة بمفردها قد تقود إلى نتيجة ناقصة. الصورة الأوسع تشير إلى صراع متداخل على النفوذ والأمن والطاقة والممرات البحرية، مع تحركات دولية وإقليمية تحاول منع الوصول إلى حرب واسعة يصعب التحكم في نتائجها. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن أمام طريق يقود إلى تهدئة حقيقية، أم إلى فترة طويلة من التصعيد المحسوب والضغوط والمفاوضات؟

غزة.. القضية التي لا يمكن تجاوزها:

رغم تعدد الملفات، تبقى غزة في قلب الأزمة. استمرار سقوط الضحايا والانتهاكات وتعثر ترتيبات التهدئة يؤكد أن المشكلة لم تنتهِ. فوقف إطلاق النار، إذا تحقق، لن يكون كافياً وحده. المطلوب حماية المدنيين وإدخال المساعدات وإعادة الإعمار ومنع التهجير، ثم الانتقال إلى مسار سياسي يفتح الطريق أمام حل عادل للقضية الفلسطينية. وهنا تحديداً يصعب تجاوز الدور المصري، فمصر معنية بأمن غزة وبأمن حدودها وباستقرار المنطقة، ولذلك فإن تحركها السياسي والإنساني سيظل ضرورياً.

جنوب لبنان.. اختبار جديد للدولة:

جنوب لبنان يظل جبهة قابلة للاشتعال، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول الترتيبات الأمنية ومستقبل سلاح حزب الله. والتعامل مع حزب الله لا يمكن اختزاله في الجانب العسكري، فحتى إذا نجحت الضغوط في تقليص قدراته، يبقى السؤال الأهم: كيف يستعيد لبنان احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم؟ هذه مسألة لبنانية في الأساس، لكن انعكاساتها تتجاوز لبنان إذا عاد التصعيد إلى الحدود الجنوبية.

إيران.. عقوبات ومفاوضات وضغط متبادل:

المواجهة مع إيران تجاوزت البعد العسكري، والعقوبات والضغط الاقتصادي يمثلان جزءاً أساسياً من السياسة الأمريكية تجاه طهران، بينما تحاول إيران الاحتفاظ بأوراق تمكنها من الصمود والتفاوض. وفي الوقت نفسه، تستمر محاولات الوساطة والاتصالات غير المباشرة، لأن البديل عن التفاوض هو اتساع المواجهة، وهو ما لا ترغب فيه معظم الأطراف. أما الصين فتنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة؛ مصالحها في الطاقة والتجارة والممرات البحرية تجعل الاستقرار أولوية، ولذلك تميل إلى الحوار وخفض التصعيد. وروسيا، بدورها، تحافظ على قنوات اتصال مع أطراف مختلفة، بما يؤكد أن القوى الكبرى، رغم خلافاتها، لا تريد فقدان القدرة على التواصل عندما تصبح الأزمات شديدة الخطورة.

البحر الأحمر وباب المندب.. مصر في قلب المعادلة:

أصبح اليمن مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الملاحة. أي عودة للهجمات على السفن ستؤدي إلى زيادة مخاطر النقل والتأمين، وقد تدفع شركات الملاحة إلى استخدام طرق أطول وأكثر تكلفة. والأخطر أن تتزامن أزمة باب المندب مع اضطراب مضيق هرمز، عندها ستكون الضغوط أكبر على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. بالنسبة لمصر، الأمر أكثر حساسية، فقناة السويس ليست مجرد مصدر للإيرادات، وإنما ورقة قوة وموقع استراتيجي عالمي. ولهذا فإن استقرار البحر الأحمر وحماية الملاحة مصلحة مصرية مباشرة، كما أن الوصول إلى تسوية سياسية في اليمن يخدم المنطقة كلها.

السودان والقرن الإفريقي.. لا مجال للانتظار:

الحرب في السودان تزداد تعقيداً، خصوصاً مع استخدام الطائرات المسيرة واتساع نطاق الاستهداف، وظهرت اتهامات بشأن إطلاق مسيرات من اتجاه الأراضي الإثيوبية، ما يكشف عن احتمال توسع دائرة الصراع وتداخل أطراف إقليمية فيه. والسودان بالنسبة لمصر ليس ملفاً خارجياً عادياً، إنه يرتبط بالنيل والحدود والأمن والتجارة وحركة السكان، ولذلك فإن الحفاظ على وحدة السودان وسيادته واستقرار مؤسساته مصلحة مصرية واضحة. وفي الوقت نفسه، أصبح القرن الإفريقي ساحة تنافس متزايد على الموانئ والممرات البحرية والنفوذ، وتحتاج مصر إلى متابعة هذه التحركات بهدوء، وأن تتحرك سياسياً عندما تتطلب مصالحها ذلك.

اتجاهات صراع القوى الدولية على الاقتصاد:

الشرق الأوسط لا يدفع وحده ثمن التصعيد. واضطراب هرمز يؤثر في الطاقة، واضطراب باب المندب يؤثر في التجارة، وارتفاع مخاطر الملاحة يرفع تكلفة التأمين والنقل. ومع استمرار التوتر، يمكن أن تظهر آثار أخرى في أسعار الطاقة والسلع وسلاسل الإمداد والتضخم. ولهذا فإن إنهاء التصعيد لم يعد مصلحة إقليمية فقط، بل أصبح مصلحة للاقتصاد العالمي.

ماذا تريد القوى الكبرى؟

واشنطن تسعى إلى حماية أمن إسرائيل والممرات البحرية وإضعاف قدرة إيران على تهديد مصالحها ومصالح حلفائها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حرباً مفتوحة بلا سقف. الصين تريد بيئة مستقرة تسمح باستمرار التجارة وتدفق الطاقة، ولذلك تميل إلى التهدئة والحوار. روسيا تريد الحفاظ على نفوذها وقنوات اتصالها والاستفادة من أي تغير في موازين القوى. أما القوى الإقليمية، فلكل منها حساباتها، لكن الجميع تقريباً يحاول تحسين موقعه قبل الوصول إلى أي تسوية. ومن هنا، فإن الفترة المقبلة ستشهد مزيجاً من الضغوط والمفاوضات والتحركات الأمنية، وليس مواجهة عسكرية فقط.

أين تقف مصر من الصراع؟

مصر ليست مطالبة بالدخول في كل صراع، لكنها مطالبة بأن تكون حاضرة في كل ملف يمس أمنها.

في غزة وقف الحرب وإدخال المساعدات ورفض التهجير والدفع نحو حل سياسي.

في لبنان دعم الدولة اللبنانية ومنع اتساع المواجهة.

في اليمن دعم الحل السياسي والحفاظ على وحدة الدولة وتأمين الملاحة.

في السودان دعم وحدة الدولة وسيادتها ووقف الحرب ومنع تحويلها إلى صراع إقليمي.

في البحر الأحمر حماية حرية الملاحة ومتابعة أي تطور يمكن أن يؤثر في قناة السويس.

أما داخل مصر فالأمن الاقتصادي يجب أن يظل جزءاً أساسياً من حسابات الأمن القومي: تأمين الغذاء والطاقة وتنويع الأسواق وزيادة الإنتاج المحلي، وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية وتعزيز الأمن السيبراني.

ماذا أتوقع:

في تقديري، الحرب الإقليمية الشاملة ليست السيناريو الأقرب، كما أن السلام الشامل ليس قريباً. الأرجح أننا أمام فترة طويلة من إدارة الصراع: تهدئة تتبعها مفاوضات وضغوط اقتصادية ورسائل عسكرية محدودة، ثم العودة مرة أخرى إلى التفاوض. لكن هذا السيناريو ليس مضموناً، فخطأ واحد في الحسابات أو استهداف منشأة استراتيجية أو توسع مفاجئ في إحدى الجبهات يمكن أن يغير الصورة كلها. ولهذا أرى أن سوء التقدير أخطر من قوة السلاح نفسها.

الرؤية المصرية

أمام مصر ثلاثة مسارات يجب أن تتحرك معاً، وهي كالتالي:

١- الدبلوماسية والوساطة لمنع اتساع الصراع.

٢- الحفاظ على الجاهزية لحماية الحدود والمياه الإقليمية والممرات البحرية والمنشآت الحيوية.

٣- تقوية الداخل اقتصادياً ومعلوماتياً، لأن قدرة الدولة على الصمود تمنحها حرية أكبر في اتخاذ القرار.

ولا أرى أن مصر تملك رفاهية الانتظار حتى تتضح كل تفاصيل المشهد، فبعض الأزمات إذا وصلت إلى مرحلة الانفجار تصبح تكلفة التعامل معها أعلى بكثير.

الشرق الأوسط أمام مفترق طرق حقيقي

قد تنجح جهود التهدئة في فتح طريق للمفاوضات، وقد تستمر المنطقة في دائرة من التصعيد المحدود والضغوط المتبادلة، لكن المؤكد أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، وأن نتائجها ستتجاوز حدود الدول التي تدور فيها المواجهات. ومصر، بحكم موقعها ومصالحها، ستظل في قلب هذه الحسابات. هي لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تسمح بأن تُفرض عليها، ولا تريد أن تكون طرفاً في صراعات الآخرين، لكنها لن تسمح بانتقال تداعياتها إلى أمنها وحدودها ومصالحها.

وفي تقديري، فإن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس المزيد من الخطابات، وإنما قراءة دقيقة وتحرك مبكر واستعداد حقيقي ودبلوماسية قادرة على فتح الأبواب دون التفريط في المصالح.

هذه هي المعادلة التي أراها ضرورية للأمن القومي المصري” قوة تحمي •• ودبلوماسية تمنع •• واقتصاد يصمد •• ووعي يحصن”

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى