في قلب العاصفة: لماذا اختارت بكين مصر لتكون بوابة النفوذ في الشرق الأوسط؟

في قلب العاصفة : بكين تختار لم تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج والتي استغرقت يومين إلى مصر في توقيت عادي، فقد وصل إلى القاهرة بينما تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، في ظل استمرار التوترات مع إيران، واضطراب أمن الطاقة وطرق التجارة، وتزايد التشابك بين أزمات المنطقة والصراعات الدولية. لذلك فإن قراءة الزيارة باعتبارها مجرد احتفال بمرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين تُغفل جانباً مهماً من دلالاتها. فاختيار مصر تحديداً في هذا التوقيت يعكس حسابات صينية تتعلق بالنفوذ والاستقرار وحماية المصالح الاقتصادية، وليس فقط بتعزيز العلاقات الثنائية.

بكين لا تريد أن تكون طرفاً.. لكنها لا تستطيع الابتعاد:

تواجه الصين معادلة صعبة في الشرق الأوسط، فمن ناحية، لديها مصالح اقتصادية ضخمة في المنطقة، وتعتمد بدرجة كبيرة على تدفق الطاقة من الخليج واستقرار طرق التجارة، ومن ناحية أخرى، فإن الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية قد يضعها أمام التزامات سياسية وأمنية لا ترغب في تحملها.

ولهذا تبدو الاستراتيجية الصينية أقرب إلى التأثير من خارج دائرة الصراع المباشر؛ الحفاظ على علاقات مع الأطراف المختلفة، وتشجيع الحلول السياسية، والاستفادة من القوى الإقليمية التي تمتلك أدوات اتصال ووساطة، بدلاً من تحويل الصين نفسها إلى طرف رئيسي في الأزمة.

وهنا تظهر قيمة مصر:

تتمتع القاهرة بميزة يصعب توفيرها للصين في كثير من العواصم الإقليمية؛ فهي تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلاقات وثيقة مع دول الخليج، ودور تاريخي في القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تستطيع إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف أخرى في المنطقة. هذه التركيبة تمنح مصر قدرة على التحرك عبر خطوط الانقسام الإقليمي. ولذلك، فإن أهمية القاهرة بالنسبة لبكين لا تأتي من كونها الحليف الاقتصادي الأكبر للصين في الشرق الأوسط، وإنما من كونها شريكاً قادراً على فتح أبواب متعددة في وقت واحد.

الصين تبحث عن النفوذ بأقل تكلفة:

في السياسة الدولية، لا يرتبط النفوذ دائماً بالتدخل المباشر، وفي الحالة الصينية، قد يكون العمل عبر شركاء إقليميين أكثر فاعلية وأقل تكلفة من الدخول في مفاوضات أو صراعات مباشرة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الاهتمام الصيني بالدور المصري باعتباره محاولة للحفاظ على هامش واسع من المرونة: فبكين تستطيع دعم الاستقرار وخفض التصعيد، والتواصل مع الأطراف المختلفة، وحماية مصالحها، دون أن تتحول إلى ضامن أمني أو وسيط رسمي يتحمل مسؤولية نتائج المفاوضات.

وهنا تكتسب الإشارة الواردة في البيان المشترك الصادر عن القمة المصرية الصينية إلى الدور المحوري لمصر في دعم الاستقرار الإقليمي أهمية خاصة؛ فهي تعكس تقاطعاً بين رؤية بكين للدور المصري وبين ما تستطيع القاهرة بالفعل تقديمه.

“أمن الطاقة” أحد مفاتيح الزيارة:

خلف الحسابات الدبلوماسية توجد مصلحة اقتصادية صلبة، فالصين من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، والشرق الأوسط يمثل مصدراً رئيسياً لإمداداتها النفطية، بينما تهدد الصراعات الممتدة أمن الملاحة وتدفق الطاقة. وقد تستطيع الاحتياطيات الاستراتيجية الصينية امتصاص صدمات مؤقتة، لكنها لا تمثل حلاً دائماً إذا استمرت الاضطرابات لفترة طويلة. لذلك فإن استقرار الخليج والبحر الأحمر والممرات التجارية ليس قضية إقليمية بالنسبة لبكين، بل جزء من حساباتها الاقتصادية الداخلية.

ومن هنا يمكن فهم اهتمام الصين بالحفاظ على قنواتها مع مصر، الدولة التي تتحكم جغرافياً في قناة السويس وتمتلك حضوراً سياسياً في ملفات الشرق الأوسط الأكثر حساسية.

الحرب الإقليمية لا تُهدد الطاقة فقط.. بل الاقتصاد العالمي:

تزداد خطورة المشهد بالنسبة للصين مع تداخل أزمات الشرق الأوسط مع الحرب الروسية الأوكرانية، فكلما اتصلت هذه الأزمات ببعضها، أصبح احتمال اضطراب أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد أكبر. وهذا يمثل تحدياً مباشراً لنموذج الاقتصاد الصيني الذي ظل يعتمد لسنوات على التجارة والصادرات والأسواق الخارجية. وبالتالي، فإن بكين لديها مصلحة واضحة في منع انتقال الصراعات من نطاقها الإقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية أوسع. وهنا يصبح التحرك الدبلوماسي الصيني جزءاً من إدارة المخاطر الاقتصادية بقدر ما هو تحرك سياسي.

مصر ليست مجرد وسيط.. بل بوابة اقتصادية أيضاً:

إذا كان الجانب السياسي يفسر لماذا تحتاج الصين إلى مصر، فإن الاقتصاد يفسر لماذا تريد بكين تعميق هذه العلاقة، فالموقع المصري يمنح الشركات الصينية فرصة للوصول إلى أسواق أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، بينما توفر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بيئة مناسبة للتصنيع والخدمات اللوجستية والتصدير. والأهم أن الاتجاه المطروح لا يتوقف عند إنشاء مشروعات صينية داخل مصر، وإنما يتجه تدريجياً نحو توطين صناعات مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، وهو ما يمكن أن يحول العلاقة من نموذج “الاستثمار في مصر” إلى نموذج “الإنتاج من مصر للأسواق الخارجية”.

الاختبار الحقيقي: ماذا ستحصل عليه مصر؟

هنا تكمن المسألة الأهم من زاوية المصالح المصرية، فنجاح الشراكة لا ينبغي أن يقاس بحجم الحضور الصيني وحده، وإنما بقدرة مصر على تحويل هذا الحضور إلى قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.

زيادة الصادرات المصرية إلى الصين، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتوفير فرص العمل، وتطوير المهارات، كلها مؤشرات ستكون أكثر أهمية من مجرد ارتفاع حجم الاستثمارات الصينية. ولذلك فإن اتفاق البلدين على تشجيع دخول مزيد من المنتجات المصرية إلى السوق الصينية يمثل نقطة مهمة، لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية خلال المرحلة المقبلة.

رسالة أمن مائي تتجاوز الاقتصاد:

من بين أكثر الإشارات أهمية لمصر تأكيد الصين إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل وحق القاهرة في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية. ورغم أن هذه الإشارة وردت في سياق البيان المشترك، فإن دلالتها السياسية تتجاوز الصياغة الدبلوماسية المعتادة. فبالنسبة لمصر، تمثل العلاقات مع قوة دولية بحجم الصين جزءاً من شبكة أوسع من الشراكات التي يمكن توظيفها لحماية المصالح الاستراتيجية، وفي مقدمتها الأمن المائي. وبالنسبة لبكين، فإن إدراك حساسية هذه القضية يساعدها على بناء شراكة أكثر عمقاً مع القاهرة.

فلسطين والبحر الأحمر.. نقاط التقاء بين المصالح والمواقف:

لا تنفصل الحسابات الصينية عن الملفات الإقليمية التي تمثل أولوية لمصر. فالقضية الفلسطينية، وأمن البحر الأحمر، واستقرار السودان، كلها ملفات ترتبط بالأمن الإقليمي وبحركة التجارة الدولية في الوقت نفسه، ولهذا جاء التوافق المصري الصيني بشأن دعم حل الدولتين ورفض تهجير الفلسطينيين، إلى جانب الدعوة إلى خفض التوتر في المنطقة وضمان حرية الملاحة، ليعكس مساحة مشتركة يمكن أن تتوسع سياسياً خلال المرحلة المقبلة.

في النهاية، لا تبدو زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة مجرد تعبير عن قوة العلاقات التاريخية بين البلدين، رغم أهمية الذكرى السبعين، الأهم أنها جاءت في لحظة تحتاج فيها الصين إلى حماية مصالحها في الشرق الأوسط من دون التورط المباشر في صراعاته، وتحتاج فيها مصر إلى تعظيم موقعها السياسي والجغرافي للحصول على استثمارات وتكنولوجيا وأسواق جديدة.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى