د. أبوالفضل الإسناوي يكتب: “خلى بالك”.. هل تنجح حملة “الشيمي” في تقليص خسائر مياه تتجاوز 24 مليار جنيه؟

قرأت خبر إطلاق الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي حملة “خلى بالك” باهتمام شديد، ليس فقط لأنها حملة توعوية جديدة، ولكن لأنها تعكس طريقة تفكير مختلفة في إدارة أحد أهم المرافق الحيوية في الدولة.
فالمهندس مصطفى الشيمي لا يبدو من المسؤولين الذين يكتفون بإدارة الملفات من خلف المكاتب أو متابعة التقارير والأرقام فقط، بل ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن نجاح أي مرفق خدمي لا يتحقق بالمشروعات وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى بناء وعي مجتمعي حقيقي لدى المواطنين.
والحقيقة أن من يتابع مسيرة الرجل يكتشف أن اهتمامه بالتوعية ليس وليد اليوم. فعندما كان رئيسًا لشركة مياه الشرب بالقاهرة أطلق حملات واسعة للتوعية بترشيد استهلاك المياه، واستهدف المدارس والمعاهد الدينية والجمعيات الأهلية، بل حرص على إشراك رجال الدين والأئمة في نشر ثقافة الحفاظ على المياه، انطلاقًا من إيمانه بأن قضية المياه ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما مسؤولية مجتمع كامل.
لذلك لم تكن حملة “خلى بالك” مفاجئة بالنسبة لي، بل بدت امتدادًا طبيعيًا لنهج يتبناه الرجل منذ سنوات. ففكرة مخاطبة المواطن بلغة بسيطة ومباشرة، وتقديم معلومات سهلة حول العدادات والفواتير والتسريبات وسلوكيات الاستهلاك اليومية، تعكس فهمًا حقيقيًا لطبيعة المشكلة. فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تبدأ من أخطاء صغيرة أو من غياب المعلومة الصحيحة.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن المهندس مصطفى الشيمي، رغم ما يمتلكه من خبرة ووعي بأهمية التواصل المجتمعي، يواجه تحديات كبيرة لا تقل صعوبة عن تطوير المحطات والشبكات. فالرجل جاء إلى موقعه في وقت تحتاج فيه منظومة المياه إلى استعادة حضورها المجتمعي، وإعادة بناء الجسور مع المواطنين بعد سنوات شعر خلالها كثيرون بأن ملف التوعية لم يكن حاضرًا بالقدر الكافي.
وأتصور أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الشيمي اليوم يتمثل في سد الفراغ الذي خلفته المرحلة السابقة، وهي فترة انشغلت فيها المنظومة بالملفات التشغيلية والفنية والإدارية، بينما تراجع الدور المجتمعي والتوعوي الذي يجب أن تضطلع به شركات المياه. وكأن شركة المياه كانت تُدار باعتبارها جهة لتحصيل الفواتير وتشغيل المحطات فقط، بينما غاب جانب مهم يتعلق بصناعة الوعي وبناء الشراكة مع المواطن.
ولهذا فإن حملة “خلى بالك” لا تبدو مجرد حملة إعلامية عابرة، وإنما محاولة لإعادة الشركة إلى الشارع مرة أخرى، وإعادة المواطن إلى قلب المعادلة. فالمواطن الواعي هو أول خط دفاع عن الموارد المائية، وأفضل من يحافظ على الاستثمارات الضخمة التي تنفقها الدولة في هذا القطاع الحيوي.
وفي تقديري، فإن ما يقوم به الشيمي ينسجم بصورة واضحة مع رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي لم يتوقف خلال السنوات الماضية عن التأكيد على أن المياه قضية أمن قومي، وأن الحفاظ عليها مسؤولية جماعية تتطلب تغيير السلوكيات اليومية وترسيخ ثقافة الترشيد لدى الأجيال الجديدة.
لقد أنفقت الدولة مليارات الجنيهات على مشروعات المياه والصرف الصحي ومحطات المعالجة والتحلية، لكن هذه الاستثمارات ستظل بحاجة إلى مواطن يدرك قيمة كل نقطة مياه، ويعرف أن الحفاظ عليها لا يقل أهمية عن إنشاء محطة جديدة أو مد شبكة جديدة.
من هنا تأتي أهمية حملة “خلى بالك”. فهي لا تقدم شعارات كبيرة، وإنما تقدم رسائل بسيطة ومباشرة قادرة على الوصول إلى الناس. وهذه في رأيي هي نقطة قوتها الحقيقية.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول أداء المسؤولين، لكن المسؤول الذي يؤمن بأن الوعي جزء من التنمية، وأن التواصل مع المواطن جزء من الحل، يستحق الدعم والتقدير. فالمياه ليست مجرد خدمة نستهلكها كل يوم، بل مورد استراتيجي يحدد مستقبل الأجيال القادمة، ومن حق هذا المورد علينا جميعًا أن “نخلي بالنا” منه.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح حملة الشيمي في إنقاذ مليارات الجنيهات التي تتسرب سنويًا مع فاقد المياه؟ وهل تستطيع رسائل التوعية وحدها أن تساهم في تقليص خسائر تتجاوز 24 مليار جنيه، وتقليل نسب فاقد تصل في بعض المناطق إلى مستويات مقلقة؟
لا أحد يختلف على أهمية ضبط سلوكيات المواطنين وترشيد الاستهلاك، لكن العدالة تقتضي أن تسير المعادلة في اتجاهين. فإذا كان رئيس الشركة القابضة قد بدأ بالفعل معركة الوعي وتغيير السلوك، فمتى تبدأ المعركة الأخرى مع الشبكات المتهالكة والتسربات الخفية ومشكلات الصيانة التي تهدر آلاف الأمتار المكعبة من المياه قبل أن تصل أصلًا إلى المواطنين؟
فالحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن كل نقطة مياه يهدرها مواطن تقابلها أحيانًا نقاط أخرى تهدرها شبكة قديمة أو خط يحتاج إلى إحلال وتجديد. ومن هنا تبدو المهمة الحقيقية أكثر تعقيدًا من مجرد حملة توعية، إذ تتطلب توازيًا بين إصلاح السلوك وإصلاح البنية التحتية، وبين توعية المواطن ومحاسبة القصور الفني. وعندها فقط يمكن أن تتحول “خلى بالك” من حملة إعلامية ناجحة إلى مشروع وطني متكامل لحماية كل نقطة مياه.