على محمد الشرفاء يكتب: الحقوق لا تحميها الوعود.. ومياه النيل ليست ملكًا لإثيوبيا

الماء هو أساس الحياة، جعله الله حقا للإنسان وسببا لبقاء الشعوب واستمرار العمران، فلا يستطيع بشر أن يخلق قطرة ماء، ولا يجوز لدولة أن تحتكر نهرا أو تتحكم فى جريانه وتحرم الآخرين من حق وهبه الله لهم. فالأنهار لم تخلقها الدول، ولم ترسم مجاريها الحكومات، وإنما سخرها الله لعباده لتجرى بين الأرض وتمنح الحياة للإنسان والحيوان والنبات، ولذلك فإن التعامل مع الماء يجب أن يقوم على العدل والتعاون، لا على السيطرة والتهديد وفرض الأمر الواقع.
وما يحدث اليوم حول مياه النيل يدعو إلى القلق، لأن القضية تجاوزت الحديث عن سد واحد إلى محاولة فرض واقع جديد يصبح فيه تدفق المياه إلى دول المصب خاضعا لإرادة دولة المنبع، وهو ما ظهر بوضوح فيما قاله وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، من أن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، مع إعلان اعتزام إثيوبيا المضي فى بناء سدود إضافية على النيل، تحت ما وصفه بالاستخدام العادل لمياه النيل وتحقيق التنمية المستدامة.
وهنا يصبح الأمر متعلقا بحياة شعوب كاملة، وليس مجرد مشروع للتنمية أو خلاف فني يمكن حله بالمفاوضات، لأن التنمية لا تكون بحرمان الآخرين من حقوقهم، ولا تبنى دولة مستقبلها على حساب حياة شعب آخر. إن نهر النيل لم يكن يوما ملكا لدولة واحدة، فقد جرى قبل قيام الدول ورسم الحدود، وعاشت على مياهه شعوب وحضارات منذ آلاف السنين، ولذلك فإن أية محاولة لاحتكار مياهه أو التحكم فى تدفقها تفتح أبوابا خطيرة للصراع، وتجعل من الماء الذى خلقه الله للحياة وسيلة للضغط والتهديد.
فالحقوق لا تحميها الوعود، والأمن المائي لا يجوز أن يظل مرهونا بإرادة الآخرين، وما يجرى اليوم يعيد إلى الأذهان التحذير من مخاطر التعامل مع قضية النيل بحسن النية وحده، ويؤكد أن الماء قسمة بين البشر وليس احتكارا لقوم دون غيرهم.
إن الدوافع الخفية التى تشجع إثيوبيا لتتخذ موقفا متعنتا وتتجاهل أن الماء عطاء من الله، وليس بجهد البشر ليتحقق مراد الله، ويكون الماء قسمة بين البشر وليس احتكارا لقوم دون غيرهم، خلف الموقف الإثيوبي أمر خطير، فقد تمت مكافأة رئيس وزرائها فى البداية بجائزة نوبل للسلام، وذلك عربون للسير قدما فى تنفيذ خطط شريرة ضد الشعب المصري، علما بأن هدف تعطيش مصر ليس وليد الساعة، ولكنه هدف يسعى إليه الأشرار الذين وصفهم الله فى كتابه “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93) (البقرة).
ولو تدبرنا فى أحد كتبهم سفر أشعيا، واطلع الإخوة المصريون على تمنيات بني إسرائيل فى إصحاح رقم (١٩) لتبين لهم حقدهم البغيض على مصر، وعلى الأخص جفاف نهر النيل، تلك أمانيهم منذ أكثر من ألفي عام، كما أن مقابلة الكاتب الكبير المرحوم محمد حسنين هيكل مع لميس الحديدي يؤكد فى تلك المقابلة الخطة الشريرة لتحويل مجرى النيل حتى لا يصل إلى مصر، وذلك الهدف الشيطاني تقرر منذ ثمانية قرون، وذلك فى القرن الخامس عشر بعد هزيمة الصليبيين، وتم تكليف المكتشف البرتغالي فاسكودا جاما من قبل البابا ألكسندر السادس، لكي يقوم بمقابلة ملك إثيوبيا وأن النيل يصل إلى مصر لبحث إمكانية تحويل نهر النيل لكي يتم القضاء على مصر وقطع مياه النيل عنها.
ما يقوم به أبى أحمد من تنفيذ أجندة شريرة لم تكن وليدة هذا العصر، ولذلك فإنه ظل يماطل منذ خمس سنوات ويتهرب ويتلاعب بحسن النية لدى مصر، إلى أن وصل إلى مرحلة تنفيذ المخطط الصهيوني لقطع جريان النيل إلى مصر، ولا يعتقد الإخوة المصريون أن ما يسمى المجتمع الدولي سيقف مع الحق، ولكن المجتمع الدولي شاهد كل عمليات التدمير فى الوطن العربي، ورأى القتل وسفك الدماء فى العراق وسوريا واليمن والصومال، واليوم يتحدى أردوجان العالم كله، ويقوم بغزو وقح على ليبيا، يرسل مدرعاته وجنوده والمرتزقة، والمجتمع الدولي يشاهد ويستمتع بالدماء العربية تنهمر فى صحاري العالم العربي .
لا يجب أن تثق الحكومة المصرية أو تعتمد على أمريكا والدول العربية، الذين لا يحملون العرب إلا الكراهية والانتقام الذى تختلج به صدورهم، لما جعل الله العرب يتحكمون فى الذهب الأسود ، والطاقة التى هي وقود حضارتهم، يستهدفون نهب الثروات البترولية والغاز، ويعيدون استعمارهم في العالم العربي ومن خلفهم تسيرهم القوى الصهيونية التى تتحكم فى الاقتصاد العالمي، لتحقيق أهدافهم الخبيثة والعرب فى شغل شاغل عنهم، مطمئنون لوعودهم الكاذبة ينتظرون تنفيذ مخططاتهم التدميرية، لتهيئة المشهد لعودة المسيح الذى يعتبرونه المنقذ لهم، ومخلصهم ليتحقق لهم الانتقام من العرب، لأن فى قلوبهم مرض كما قال سبحانه” فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) (البقرة- ١٠).
فلينظر العرب كيف يتجلى موقف مجلس الأمن والمجتمع الدولي تجاه تحد القردوجان لقرارات مجلس الأمن، واعتراض الدول الغربية فى غزوه إلى ليبيا لاحتلال منابع النفط، في تحد صارخ لكل المواثيق الدولية، مما يبين للعرب حجم المؤامرة التى أسقطت بغداد، وأسقطت دمشق، وتليها ليبيا ثم ماذا بعد؟
ماذا ينتظر العرب؟ أين اتفاقية الدفاع المشترك؟ وأين وحدة المصير؟ وأين ما تشكله مختلف التطورات من خطورة على كل دولة عربية؟ فهل يقف العرب مستسلمين ومسلمين كل مقدراتهم لعدو لاعهد لديه، ولا رحمة ولا أخلاق ولا قيم؟
لذلك لا يجب على الإخوة فى مصر أن يعتقدوا بأن المجتمع الدولي يسعى للعدالة ولكنهم مسيرون تديرهم قوى الشر والانتقام، ولذلك حذرنا الله سبحانه بقوله” وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ” (هود ١٣).