عبد الفتاح الجبالي يكتب.. الحماية الاجتماعية والإنفاق العام

يناقش في هذه الآونة مشروع الموازنة العامة للدولة عن العام المالي 2026/2027 والتي جاءت بعجز يصل الى 4.9% من الناتج المحلى الإجمالي. وقد أعزى البعض الزيادة في قيمة العجز الي تزايد الانفاق العام بمعدلات أعلي من الزيادة في الإيرادات العامة، حيث يري هؤلاء ضرورة خفض الانفاق العام حتى نتمكن من إعادة التوازن المالي للموازنة وهو المنهج الذي اصطلح على تسميته «التقشف التوسعي» وهو يحظى بقبول لدي صندوق النقد ومن سار على نهجه، وثبت فشله تماما اذ ان ظاهرة معقدة ومركبة كعجز الموازنة لا يمكن ان تفسر بعامل واحد فقط، بل عبر حزمة من العوامل المتشابكة، الأمر الذي يتطلب الدراسة المتأنية والدقيقة لكافة بنود الإيرادات والنفقات للوصول إلى أفضل السبل فى علاج الاختلالات المالية. ومن الواضح ان الانفاق العام الاجتماعي ليس مجرد بند من بنود المصروفات، انما هو الطريقة الأكثر حكمة للاستثمار في رفاهية المجتمع وضمان الازدهار للجميع، وبالتالي يجب ان يتبوأ مكانته الصحيحة في صلب المناقشات المتعلقة بالسياسات المالية. من هذا المنطلق يمكننا التعامل مع مسألة الإنفاق العام ودوره في المجتمع المصري، وهو ما يتطلب تحديد المستويات المثلى لهذا الانفاق وقد انشغل البعض بحجم الحكومة، بصرف النظر عن فعاليتها، وعلى الرغم من ان الحكومات المترهلة ينبغي لهاألا تزاحم القطاع الخاص، ولكن هذا لاينفى أهمية دور الدولة وكما قال آرثر لويس ان الحكومات قد تخفق إما لأنها تفعل اقل مما ينبغي، او لأنها تفعل أكثر مما ينبغي، فدورها يتطور مع الزمن ونضج القطاع الخاص.فالواجب هو تحسين فعاليتها وليس تجريدها من مهامها.

 وبالتالي فالحكومة عليها العديد من المهام يأتي على رأسها الاستثمار فى رأس المال البشرى (الصحة والتعليم والمعرفة) اذ أصبح الانفاق العام يلعب دورا أكبر عن ذي قبل في تعزيز النمو الاحتوائي والمستدام.لذلك ينظَر إليه باعتباره أداة فعالة لتشجيع النمو وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وبالتالي «فان السياسة المالية عموما والانفاق العام على وجه الخصوص يمكن أن تُحْدِث فرقا كبيرا في معالجة عدم المساواة وتحقيق العدالة وهنا تصبح المشكلة الأساسية في قدرتها على تحقيق العدالة الاقتصادية وتعزيز شبكات وبرامج الحماية الاجتماعية بهدف احتواء تداعيات برنامج الإصلاح على الطبقات الفقيرة وهي المتطلبات الأساسية للنجاح اذ إن السياسة المالية مسئولة عن جانب كبير من عدم المساواة ونقصد بالعدالة هنا تحقيق التكافؤ الحقيقي فى الفرص المتساوية للحصول على الخدمة، وذلك بتوزيع الانفاق العام بشكل متساو وفقا للاحتياجات لكل منطقة جغرافية والعمل على الوصول الى الاماكن المحرومة منه. خاصة في ضوء القيود الشديدة على قدرة الافراد الفقراء في الحصول على الخدمات مثل نقص المعرفة بشأن الخدمات المتوافرة خاصة بين غير المتعلمين. وصعوبة الوصول الى الخدمات فى هذه المناطق مع ما تعانيه هذه الاماكن اصلا من مشكلات مثل انخفاض نوعية العاملين بها فضلا عن تدنى مستوى الخدمة، وبمعنى آخر فمازالت هناك مشاكل عديدة فى الحصول على الخدمات الاجتماعية ذات النوعية الجيدة فى الكثير من الأماكن،مع التأكيد على فعالية هذا الانفاق، فنفس المقدار من الانفاق المالي قد يولد نتائج مختلفة لأنها لا تترجم بصورة ميكانيكية فهناك عوامل أخرى تتدخل فى هذه المسألة.

وهو ما يتطلب وضع الاسس الضرورية بغية تفعيل الانفاق العام وجعله يصب في صالح الاهداف الرئيسية التى تقرر من أجلها. والتي تتمثل في تحقيق هدفين اولهما تسهيل حصول المواطن على حزمة اساسية من الخدمات الاجتماعية، بدون اعباء تذكر. ثانيا توفير الامكانات الضرورية للحصول على هذه الخدمات، وهنا يري البعض انه كلما زاد حجم الإنفاق العام، كانت الخدمات المقدمة أفضل وأحسن. وهذا القول صحيح بعض الشيء، ولكنه ليس صحيحا بصورة مطلقة، إذ إن تخصيص اعتمادات أكبر فى الموازنة لا يعنى بالضرورة تقديم خدمات أفضل فالعبرة هنا بالسياسة الانفاقية بالمجتمع، فقد تتوافر الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، مجانا وبكميات ونوعيات مناسبة، ولكن لأسباب معينة لا يستطيع الفقراء الوصول إليها إما لأنهم أفقر من أن يتحملوا التكاليف المصاحبة للاستفادة بهذه الخدمات (مثل فقدان الدخل) أو تكاليف الدواء أو المستلزمات المدرسية أو تكاليف الانتقال إلي مكان هذه الخدمة او نتيجة للمشاكل الإدارية في السيطرة على الإنفاق. لذلك فإن هيكل الإنفاق العام لا حجمه هو المهم فى هذا المجال. مع اتفاقنا بان الإنفاق العام على التعليم او الصحة يزيد من رأس المال البشرى وبالتالي يعد بمثابة استثمار قومي جيد يقوم بتغطية تكاليفه من خلال زيادة الإنتاجية وزيادة الدخول، من هنا فإن تركيب وهيكل الإنفاق العام لا مستواه هو المهم من وجهة نظرنا. وهذا لا ينفى بالطبع أهمية العمل على تحقيق فاعلية الإنفاق العام عن طريق ضمان التأكد من أن هذا الإنفاق يذهب فى الغرض المخصص له وهي الأمور التي ينبغي أن تتوجه إليها الاهتمامات فى عملية الإصلاح المالي. إذ إن صلابة الاقتصاد واستدامة النمو يقتضيان ان يكون نموا احتوائيا يضمن المزيد من الانفاق الاجتماعي. إذ إن الإنفاق العام على الصحة والتعليم يزيد من رأس المال البشرى، وبالتالي يعد بمثابة استثمار قومي جيد يقوم بتغطية تكاليفه من خلال زيادة الإنتاجية وزيادة الدخول. فالتعليم يحقق طلبا مشروعا على الانفاق العام لسببين: اولهما ان العائد الاجتماعي لهذا الانفاق يفوق كثيرا العائد الخاص اى ان المتعلمين يسهمون فى النمو بأكثر مما يحصلون عليه من اجر.ثانيهما ان الأسر قد لايكون لديها القدرة على تمويل التعليم.

وبالتالي فان الانفاق العام على التعليم يحقق مافشل فيه السوق من تخصيص موارد كافية للتعليم، ويوسع الفرص امام الجميع مع الأخذ فى الحسبان ان مخرجات التعليم مهمة جدا.

فالبلدان تحتاج الى مزيج من الانفاق الاجتماعي والضرائب بما يضمن تحقيق النمو الاحتوائي القابل للاستمرار ويقوم على ثلاثة أسس هي كفاءة الانفاق العام على الصحة والتعليم وسياسة صحيحة وسليمة للحماية الاجتماعية والدعم بالإضافة الي الضرائب التصاعدية على دخول الافراد.

د.أبو الفضل الاسناوي

المدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. - أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والإدارة ونظم المعلومات بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى